و اعلم أنّ بناء العقلاء قائم على عدم اعتبار هذه الأوصاف في الخبراء و الأخصّائيّين سوى العقل، فاشتراط اتّصاف المفتي بها إنّما يكون من ناحية الشرع.
و قد مرّ في المباحث الأصليّة من التقليد ما يصلح دليلًا لاشتراط هذه الأوصاف، فراجع، ثمّ إنّ الخبر الذي تمسّك به لاشتراط الأوصاف الأخيرة المترادفة بحسب المعنى لا يدلّ على أكثر من العدالة.
[المسألة 23] العدالة و ما تعرف به
المسألة 23: العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرّمات، و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظنّاً، و تثبت بشهادة العدلين، و بالشياع المفيد للعلم.
هذه المسألة مشتملة على أُمور ثلاثة:
بيان مفهوم العدالة عند الشرع، و بيان ما تعرف به العدالة، و بيان ما تثبت بها. و المناسب أن يجعل البحث عن العدالة أوسع من ذلك.
العدالة بحسب اللغة
قال ابن منظور: «قد عدل الرجل بالضمّ عدالة»[1]و قال في تاج العروس: «عدل الرجل ككرم عدالة صار عدلًا»[2]. و قال الشيخ الطوسي في المبسوط: «العدالة في اللّغة أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساوياً»[3]و صرّح بمثل ذلك الحلّي في السرائر[4].
[1]اللسان، ج 11، ص 431.
[2]تاج العروس، ج 8، ص 11.
[4]السرائر، ج 2، ص 117.
أقول: إنّ تفسير العدالة بالمتعادل من باب تفسير المجمل بالمبيّن فلا يرد عليه إشكال الدور.
و اعلم أنّ المتبادر من التفسير اللغوي و هو الذي حكاه الشيخ و ابن إدريس أنّ العدالة عند أهل اللغة صفة للفعل، لا صفة للنفس.
و لكنّ التفسير الذي ذكره صاحب التاج لا ظهور له في ذلك، بل فيه إشعار بكونها من صفات النفس.
قال بعض الأساطين: «فالعدالة شرعاً من صفات الفعل لا النفس، و يشير إلى هذا قوله تعالىفَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا[1]و قوله تعالىوَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ[2][3].
و نحن تناقش في ذلك بما يلي:
أوّلا: أنّ إثبات الحقيقة الشرعيّة بما ورد في الكتاب سيّما في غير المجعولات الشرعيّة محلّ منع.
و ثانياً: أنّ فعل «عدل» الذي جاء في الآيتين الشريفتين متعدّ، و أنّه من باب «ضرب».
و العدالة حسب تصريح أكابر علم اللغة مصدر عدل، و هو فعل قاصر، و من باب «كرم» فكيف يصحّ الاستدلال بأحدهما على الآخر؟.
ثمّ إنّ المقصود من المتعادل هو القائم الذي لا يكون له ميل إلى أحد الجانبين، يقال: تعادل الميزان إذا تساوت كفّتاه، و لم تترجّح إحداهما على الأُخرى.
قال صاحب المدارك: «العدالة لغة: الاستواء و الاستقامة»[4].
أقول: الاستقامة عطف تفسيري؛ إذ المراد من المعطوف و المعطوف عليه أمر واحد.
[1]النساء (4) الآية 3.
[2]النساء (4) الآية 129.
[3]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 135.
[4]مدارك الأحكام، ج 4، ص 67.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ العدالة بحسب معناها اللغوي أن يكون الإنسان مستقيماً في مشيه، و متساوياً في أحواله و أفعاله و أقواله عند ثورة الغضب، و صولة الطرب، و نحوهما، فلا يكون فيه شذوذ و إفراط أو تفريط.
العدالة في لسان الفقهاء
لهم في تعريف العدالة مسالك:
المسلك الأوّل: قال الشيخ المفيد(قده)كما في المختلف: «العدل من كان معروفاً بالدين و الورع عن محارم الله»
[1].
أقول: إنّ المتبادر و الظاهر من مثل مادّة «المعرفة» إذا أُطلقت أن يراد منها الواقع بأن تكون المعرفة طريقاً إليه.
و لكن توصيفه(قده)«العدل» بمن كان معروفاً يشهد بأنّ المعروفيّة في التفسير قد أُطلقت على العدل بعنوان الموضوعيّة، فيصير المراد من التعريف:
أنّ العدالة نفس المعروفيّة بالدين، و هي الاشتهار بالورع عن محارم الله، و هذا المعنى قد اصطلح عليه في لسان القوم بحسن الظاهر، و قد ذهب إلى أنّ العدالة نفس حسن الظاهر جمع من المتأخرين(قدّس الله أسرارهم)[2].
لكن إذا فرضنا إفادة التعريف معنى آخر و هو أنّ العدل هو الموصوف بالدين و الورع كانت العدالة عنده(قده)صفة نفسانيّة؛ لأنّ الورع من صفات النفس، و على هذا التفسير تكون العدالة أمراً حقيقيّا، سواء أ كان معروفاً أم لا.
و قال الشيخ الأنصاري في رسالته في العدالة:
إنّ ظاهر كلام المفيد «أنّ العدالة عبارة عن الاستقامة الفعليّة لكن عن ملكة، فلا يصدق العدل على من لم يتّفق له فعل كبيرة مع عدم الملكة.[3]
[1]المختلف، ج 8، ص 498؛ المقنعة، ص 725.
[2]منهم ابن البرّاج في المهذّب، ج 2، ص 556.
[3]انظر رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 7.
و لنا في هذا نظر، لأنّ صفة المعروفيّة في التفسير قد أُخذت على سبيل الموضوعيّة. فمن لم يتّفق له فعل كبيرة لا محالة يصير معروفاً بالدين و الورع و لو لم تكن له ملكة.
المسلك الثاني: قد عرّفها الشيخ في المبسوط قائلًا: «العدالة في الشريعة هو من كان عدلًا في دينه
، عدلًا في مروءته، عدلًا في أحكامه».[1]ثمّ قال(قده):
فالعدل في الدين أن يكون مسلماً و لا يعرف منه شيء من أسباب الفسق. و في المروءة أن يكون مجتنباً للأُمور التي تسقط المروءة، مثل: الأكل في الطرقات، و لبس الثياب المصبغة، و ثياب النساء و ما أشبه ذلك. و العدل في الأحكام أن يكون بالغاً عاقلًا عندنا، و عندهم أن يكون حرّا.[2]و قريب من ذلك تفسير الحلّي في السرائر،[3]و إن اختلف عنه في تعريف العدل في الدين، بأن لا يخلّ بواجب، و لا يرتكب قبيحاً، و ظاهر هذا التعريف أنّ العدالة صفة للأفعال الخارجيّة، فتكون هي الاستقامة في الأعمال، و إن شئت قلت:
إنّها عبارة عن عدم الإخلال بواجب، و عدم ارتكاب قبيح، و المقصود من القبيح الحرام بقرينة المقابلة.
و لا يخفى أنّ الفقرة الأخيرة من هذا التعريف و هي العدل في الأحكام خارجة من حقيقة العدالة في الشريعة.
أمّا المروءة فسيأتي بيان الأمر فيها.
و أمّا البالغ العادل فلأنّه الموصوف بالعدالة، و الموصوف يكون في رتبة متقدّمة على الوصف، فكيف يكون داخلًا فيه؟
و عرّفها ابن حمزة في الوسيلة: بأنّ العدالة في الدين الاجتناب من الكبائر، و من الإصرار على الصغائر.[4]
[1]المبسوط، ج 8، ص 217.
[2]المبسوط، ج 8، ص 217.
[3]السرائر، ج 2، ص 117.
[4]الوسيلة، ص 230.
أقول: هذا التعريف راجع إلى تعريف الشيخ في المبسوط، و إليه يرجع أيضاً ما اختاره الشيخ الأنصاري من التعريف حيث قال:
التحقيق: أنّ العدالة في كلام الشارع الاستقامة، و الاستقامة المطلقة في نظر الشارع هو الاستقامة على جادّة الشرع و عدم الميل عنها»[1]إنّ الاستقامة على جادّة الشرع و عدم الميل عنها مرادف لاجتناب الاثام.
و لعلّه قد أخذ منه بعض الأساطين حيث فسّر العدالة في تعليقته على المتن:
«بأنّها الاستقامة في جادّة الشرع، و عدم الانحراف عنها يميناً و شمالا».[2]
المسلك الثالث: قال العلّامة في التحرير: العدالة كيفيّة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى و المروءة
، و تحصل بالامتناع من الكبائر، و من الإصرار على الصغائر.[3]و قال(قده)في المختلف.
و التحقيق: «أنّ العدالة كيفيّة نفسانيّة راسخة تبعث المتّصف بها على ملازمة التقوى و المروءة، و تتحقّق باجتناب الكبائر، و عدم الإصرار على الصغائر.[4]و عرّفها في القواعد بمثل ذلك[5].
و هذا التعريف هو المشهور بين العلامة و من تأخّر عنه كما ذكره الشيخ الأنصاري.[6]و هل يمكن إرجاع المسلك الثاني إلى المسلك الثالث؟
بدعوى أنّ المراد من اجتناب الذنب في المسلك الثاني هو الذي انبعث عن داع إلهي، فلا يراد منه الاجتناب المطلق حتّى يعمّ ما يكون عن داع غير إلهي.
[1]انظر رسالة العدالة ضمن رسائل فقهية، ج 23، ص 20.
[2]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 133.
[3]تحرير الأحكام الشرعيّة، ج 2، ص 208.
[4]المختلف، ج 8، ص 501.
[5]قواعد الأحكام، ج 2، ص 236.
[6]رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 5.
فإذا كان الباعث لعدم الإخلال بواجب، و عدم الارتكاب لقبيح هو الداعي الإلهي، فلا محالة يكون الباعث أمراً نفسيّاً، و هو الكيفيّة الراسخة النفسانيّة، و أمّا اعتبار الرسوخ لتلك الكيفيّة فلتقوّم صدق الاجتناب من الذنوب بمضيّ مقدار من الزمان على هذه الحالة؛ إذ لا يصدق المجتنب عن الذنوب على من اجتنب عن الذنب مرّة أو ساعة، و مضيّ مقدار من الزمان ملازم لرسوخ الكيفيّة المراد منها الملكة و إن كان مقتضى الجهود على إطلاق بعض كلماتهم هو الاجتناب المطلق.
و قال شيخنا الأنصاري في رسالة العدالة:
ربما يذكر في معنى العدالة قولان آخران:
أحدهما: الإسلام، و عدم ظهور الفسق. و الثاني: حسن الظاهر.[1]أقول: إنّ المراد من القولين معنى واحد؛ لأنّ حسن الظاهر نفس عدم ظهور الفسق عند وجود الموضوع.
و التعبيران و إن كانا مختلفين بحسب الإيجاب و السلب لكنّهما متّفقان في المقصود بقرينة صحّة الحمل بينهما.
فإنّه لا ريب في اعتبار الإسلام فيمن وصف بحسن الظاهر عند من يقول بأنّ العدالة هي حسن الظاهر؛ إذ العادل الذي رتّب عليه أحكام في الشريعة هو المسلم دون غيره.
على أنّ القول بكون العدالة نفس حسن الظاهر ليس بقول حادث في المسألة، بل هو نفس قول الشيخ المفيد(قده)كما مرّ.[2]ثمّ قال(قدس سره): «لا ريب في عدم كونهما قولين في العدالة، بل هما طريقان إليها»[3]. و استشهد بكلمات جماعة من الأصحاب، فإنّهم جعلوا هذين التفسيرين
[1]رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 8.
[2]مرّ في ص 287.
[3]رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 8.
تحت عنوان «ما به تعرف العدالة».
أقول: بعد أن ثبت وحده المراد من التفسيرين، و أنّهما يشيران إلى معنى واحد، فالقولان مشيران إلى طريق واحد للعدالة، لا إلى الطريقين.
هل العدالة نفس حسن الظاهر؟
إنّ العدالة هل هي نفس حسن الظاهر، أم حسن الظاهر طريق إليها؟ الذي ينبغي أن يقال: إنّ صفات الإنسان الطبيعيّة على نوعين:
أحدهما: ما يكون الاتّصاف به غير متوقّف على وجود الغير، و على معرفته، فيكون الإنسان متّصفاً به، عرفه غيره أم لا، و تكون الصفة أمراً ثبوتيّاً واقعيّاً، و ذلك مثل: الشجاعة و السخاوة و نظائرهما، فإنّ الشجاع شجاع و لو لم يعرفه أحد، و إنّ الكريم كريم و لو لم ير كرمه أحد.
و من المعلوم: أنّ العدالة من قبيل هذه الأوصاف.
ثانيهما: ما يكون الاتّصاف به موقوفاً على وجود الغير، فالصفة حقيقيّة إضافيّة، و هي مثل: الشهرة و الظهور و المعروفيّة.
إنّ الرجل لا يوصف بالشهرة إلا بعد وجود غيره، و إنّ الشيء لا يوصف بالظهور إلا بلحاظ غيره، و من المعلوم أنّ حسن الظاهر من هذا القبيل، فتبيّن أنّ العدالة صفة للشخص باعتبار نفسه، و حسن الظاهر صفة له باعتبار غيره، و الأُولى معنى اسمي، و الثانية معنى حرفي، فلا يجوز اتّحادهما، فإنّ كلا منهما من مقولة.
و لو كانت العدالة نفس حسن الظاهر لزم أن يكون من يجتنب عن الذنوب ليس بعادل إذا كان لا يعرفه أحد بهذه الصفة، و ذلك خلاف المتبادر من التوصيف بالعدالة.
ثمّ إنّ ظاهر اشتراط وصف الشاهد بالعدل في الكتاب و السنّة كون العدالة صفة واقعيّة، كسائر الأوصاف المعتبرة في الموضوعات التي لها أحكام في الشرع، فكيف تكون العدالة صرف عدم ظهور الفسق، أو مجرّد ظهور الصلاح؟ فإنّها صفة للشخص في مقام المعرفة، و ليست بصفة واقعيّة له.
مضافاً إلى أنّه يلزم من ذلك اتّحاد المعرّف مع المعرّف، و ذلك خلاف المتبادر من قوله(عليه السلام)في صحيح ابن أبي يعفور: «و تعرف باجتناب الكبائر»[1]. و يلزم منه اتّحاد الدالّ و المدلول، و هو خلاف ظاهر قوله(عليه السلام)في الصحيح و الدلالة عليها، أضف إلى ذلك ما أجاد به شيخنا الأنصاري قائلًا:
إنّه لا يعقل كون عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر نفس العدالة؛ لأنّ ذلك يقتضي أن تكون العدالة من الأُمور التي يكون وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، و هذا لا يجامع كون ضدّه أعني الفسق أمراً واقعيّاً لا دخل له للذهن فيه.[2]و حينئذ فمن كان في علم الله مرتكباً للكبائر مع عدم ظهور ذلك لأحد يلزم أن يكون عادلًا في الواقع، فاسقاً في الواقع، و كذا لو حصل الاطّلاع على أنّ شخصاً كان في الزمان السابق مع اتّصافه بحسن الظاهر لكلّ أحد مصرّاً على الكبائر يقال: كان فاسقاً و لم نطّلع، و لا يقال: كان عادلًا فصار فاسقاً عند اطّلاعنا.
و هذا الكلام مبنيّ على ما هو المسلّم عند الكلّ و المرتكز في الأذهان، و منهم القائل بذلك القول: إنّ الفسق أمر واقعي، و من المعلوم أنّ صيرورة الرجل فاسقاً غير متوقّف على معرفة أحد.
و يمكن الاحتجاج لتغاير العدالة مع حسن الظاهر بنفس تقابلها مع الفسق؛ لأنّ المتقابلين يجب أن يكونا من حقيقة واحدة إذا كانا موجودين، و إلا لم يكونا متقابلين.
تقابل العادل و الفاسق
لا ريب في تقابل العادل و الفاسق؛ بمعنى استحالة اجتماعهما في محلّ واحد، و بمعنى عدم جواز صدق هذين الوصفين على شخص واحد في زمان واحد، ثمّ إنّ تقابلهما ليس من قبيل تقابل العدم و الملكة؛ لأنّ كلّا منهما أمر وجودي، و قد أُخذ في
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 391، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 1. الفقيه، ج 3، ص 24، ح 65.
[2]رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 9.