في مقام بيان طريق ثان لها، و عدم إتيان لفظة أيضاً و نحوها يكشف عن كون بيان الطريق إلى العدالة قد ابتدأ من قوله(عليه السلام): «و تعرف»[1]فقرّر أنّ الجملة الأُولى قد أتت لبيان نفس مفهوم العدالة، فالمراد من قوله(عليه السلام): «أن تعرفوه بالستر و العفاف»[2]أن يكون الرجل ساتراً عفيفاً، و يشهد لذلك قوله(عليه السلام)في موثّقة سماعة: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً»[3].
قوله(عليه السلام): «بالستر و العفاف» الستر في اللغة تغطية الشيء، و أُطلق في النصّ على الإباء عن ارتكاب الإثم، و هذا تغطية الإثم من الله تعالى و من الناس، و الإباء عن ترك ما يجب و عن فعل ما يحرم هو الستر، و يشهد بذلك العفاف الذي عطف عليه عطفاً تفسيريّاً، و العفاف بمعنى الكفّ عمّا لا يحلّ و لا يجمل، فالستر هو العفاف، و العفاف هو الستر.
قوله(عليه السلام): «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان»[4]هذا عطف تفسيري على الستر و العفاف، فإمّا أن يكون المعطوف و المعطوف عليه جميعاً تعريفاً واحداً للعدالة، أو كلّ واحد منهما تعريفاً مستقلا لها، و على كلا التقديرين فهما مفيدان لمعنى واحد، و إن كان دعوى الظهور في الاحتمال الثاني غير بعيدة.
و كيف كان فالستر و العفاف عبارة أُخرى عن كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، كما أنّ كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان هو الستر و العفاف.
قوله(عليه السلام): «و يعرف باجتناب الكبائر»[5].
بعد أنّ تفضّل(عليه السلام)ببيان أصل مفهوم العدالة أجاد بذكر طريق لمعرفتها بقرينة إتيان الفعل مبنيّاً للمفعول، فإنّه(عليه السلام)كان يستطيع أن يقول: و هي اجتناب الكبائر، لكنّه(عليه السلام)لم يقل، بل قال(عليه السلام): «و يعرف باجتناب الكبائر». و يشهد لذلك أنّ اجتناب
[1]مرّ تخريجه في ص 295.
[2]مرّ تخريجه في ص 295.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 372، الباب 29 من أبواب الشهادات، ح 3؛ الفقيه، ج 3، ص 27، ح 77.
[4]مرّ تخريجه في ص 295.
[5]مرّ تخريجه في ص 295.
هذه الكبائر التي أُشير إليها في النصّ ليست بعدالة قطعاً، بل الاجتناب عن كبائر أُخرى داخل في العدالة أيضاً، و إنّ الإتيان بالواجبات داخل فيها، فكيف يجوز أن يكون ذلك تعريفاً للعدالة؟ فهو إشارة إلى الطريق إلى ثبوتها، و يشهد له أيضاً أنّ الظاهر من الاجتناب ليس هو الاجتناب الواقعي حتّى يتناول الاجتناب الذي لا يراه أحد، بل المراد هو الاجتناب في المحضر حتّى يمكن أن يعرفه الناس، و يكون كاشفاً عن الاجتناب في الخلاء، و من المعلوم أنّ هذا الاجتناب أحد المصاديق لحسن الظاهر، فهو الطريق إلى معرفة العدالة.
قوله(عليه السلام): «و الدلالة على ذلك كلّه».[1]هذه الدلالة مصداق آخر لحسن الظاهر.
فإنّ قوله(عليه السلام): «أن يكون ساتراً لجميع عيوبه»[2]مترادف بحسب العمل الخارجي مع الاجتناب عن الكبائر.
و إن كان ستر جميع العيوب بحسب المفهوم أعمّ؛ لشموله الإتيان بجميع الواجبات و ترك جميع المحرمات.
قوله(عليه السلام): «و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس».[3]ذلك أيضاً من مصاديق حسن الظاهر، فأحد مصاديقه اجتناب المحرّمات، و أحد مصاديقه الإتيان ببعض الواجبات و التعاهد على المستحبّات التي يراها الناس كالصلاة جماعة، و الشاهد على ما قلناه قوله(عليه السلام): «فإذا سئل في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً»[4]فإنّ من يقال هذا الكلام في حقّه يكون موصوفاً بحسن الظاهر في محلّته و قبيلته.
و اعلم أنّ العدالة هي الاجتناب عن جميع المعاصي، و حسن الظاهر عبارة عن الاجتناب عن قسم منها، و المراد من طريقيّة حسن الظاهر إلى العدالة أنّه قد جعل الاجتناب عن بعض المحرّمات طريقاً إلى معرفة الاجتناب عن جميعها.
[1]مرّ تخريجه في ص 295.
[2]مرّ تخريجه في ص 295.
[3]مرّ تخريجه في ص 295.
[4]مرّ تخريجه في ص 295.
حجّة القول بأنّ العدالة هي حسن الظاهر
استدلّ القائل بكون العدالة هي حسن الظاهر بنصوص:
منها: قوله(عليه السلام)في صحيح حريز: «إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم».[1]و قوله(عليه السلام)في صحيح ابن المغيرة: «كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح جازت شهادته».[2]و قوله(عليه السلام)في مرسل يونس: «إذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته، و لا يسأل عن باطنه».[3]و قوله(عليه السلام)في خبر علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً و لم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل الستر و العدالة، و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنباً».[4]و قوله(عليه السلام)في خبر علاء بن سيابة: «لا بأس، إذا كان لا يعرف الفسق»[5].
و التحقيق: عدم ظهور هذه النصوص في المدّعى؛ فإنّ الدليل أعمّ من المدّعى، لأنّ جميعها قد وردت لمقام بيان ما يترتّب عليه آثار العدالة في مقام العمل، فتصلح أن تكون الأوصاف الواردة فيها طريقاً إلى معرفة العدالة، فلا سبيل إلى دعوى دلالة هذه النصوص لبيان حقيقة معنى العدالة.
ثمّ إنّ ما يترتّب عليه آثار العدالة في مقام العمل قد يكون عند الجهل بمفهومها،
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 397، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 18؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 277، ح 759؛ الاستبصار، ج 3، ص 14، ح 36.
[2]الفقيه، ج 3، ص 29، ح 87؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 284، ح 783.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 392 393، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 3؛ الفقيه، ج 3، ص 9، ح 29.
[4]وسائل الشيعة، ج 27، ص 395 396، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 13؛ أمالي الصدوق، ص 91، ح 3.
[5]وسائل الشيعة ج 27، ص 413، الباب 54 من أبواب الشهادات، ح 3؛ الفقيه، ج 3، ص 30، ح 88.
و قد يكون عند الجهل بمصداقها حال العلم بمفهومها، و ليس ذلك إلا حسن الظاهر، فهو الذي يتنزّل منزلة العدالة، أو يكون طريقاً إلى معرفة ثبوتها، و يشهد لذلك أنّ هذه النصوص إنّما تكون في مقام بيان ما يترتّب عليه آثار العدالة.
فقوله(عليه السلام): «فهو من أهل الستر و العدالة» ظاهر في تنزيل الموصوف بهذه الصفات منزلة العادل، و إلا كان(عليه السلام)يقول: «فهو عدل».
مضافاً إلى أنّ جميع هذه النصوص متّفقة بحسب المعنى مع ما وقع في ذيل صحيحة عبد الله بن أبي يعفور بعد قوله(عليه السلام): «و الدلالة على ذلك كلّه»[1].
و الدالّ يجب أن يكون مغايراً للمدلول.
العدالة ملكة
الحريّ بالبحث أن ننظر إلى ما يفيد النصّ في حقيقة معنى العدالة.
فنقول و بالله التوفيق و عليه التكلان: إنّ العفاف صفة نفسيّة، و هي التي تمنع العفيف عن ارتكاب فعل ليس بحلال. و الكفّ أيضاً فعل نفسي، و هو الذي يكون مصدراً للكفّ الخارجي.
فالإباء و الامتناع و الحياء و الكفّ و العفاف و ما شابه ذلك من الأفعال و الصفات كلّها تعبيرات عن أفعال نفسيّة، و يدلّ على ذلك أنّ العفيف عفيف و أنّ الحيّ حيّ و لو لم يتّفق لهما في الخارج ما يعفّ عنه أو يستحيي منه.
ثمّ إنّ الاتّصاف بالستر و العفاف لا يصدق على الإباء عن ارتكاب إثم مرّة، بل الصدق موقوف على استمرار الإباء في برهة من الزمان، كما أنّ لقوله(عليه السلام): «كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان»[2]ظهور في الفعل المستمر، فلا يصدق على من امتنع عن ارتكاب ذنب في زمان حال دخوله في الإثم في زمان آخر أنّه كافّ لبطنه و فرجه و يده و لسانه.
[1]مرّ تخريجه في ص 295.
[2]مرّ تخريجه في ص 295.
فالفقرتان ظاهرتان في اشتراط الاستمرار لذلك الفعل النفسي، و لا تشملان الصفة النفسيّة التي منعت عن ارتكاب الجريمة مرّة واحدة؛ لأنّ الامتناع عن الدخول في الجريمة مرّة واحدة موجود في كثير من الاثمين لو لم نقل بوجوده في جميعهم.
فالنصّ ظاهر في كون العدالة هي الإباء المستمرّ عن الإثم في زمان غير قصير، و لا نعني من الملكة إلا ذلك، فإنّها صفة نفسانيّة راسخة لا تزول بسرعة، و تصير سبباً لصدور أفعال أو تروك في الخارج على سبيل الاستمرار في زمان غير قصير.
فانظر إلى ملكة الشجاعة، أو ملكة الكرم، فإنّ من أظهر البسالة في موقف حال ظهور جبن منه في موقف آخر لا يقال له: شجاع، أو من أعطى في ساعة و بخل في ساعة أُخرى لا يقال له: كريم، فدوام البسالة و استمرار العطاء مقوّم لصدق الشجاع و الكريم، و كذلك الحال في سائر الصفات النفسيّة.
فللعدالة ملكة نفسانيّة مثل: ملكة الشجاعة و ملكة الكرم، و يدلّ على كون العدالة صفة نفسيّة قوله: «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته و ظهرت عدالته»[1].
فالمتبادر من قولهُ: «ظهرت عدالته» أنّ العدالة شيء، و ظهورها شيء آخر، فالعدالة صفة كامنة في النفس تظهر من أثارها الخارجيّة، و منها الأُمور الثلاثة التي تفضّلُ بالتصريح بها، و المروءة صفة للمرء باعتبار أفعالها الخارجيّة، و إليها يشير قوله: «كملت مروءته».
و يدلّ على أنّ المبدأ في أمثال هذه الصفات مأخوذ بنحو الملكة، يصدق العفيف على الموصوف بالعفّة في جميع حالاته حتّى في حال لا يكون فاعلًا لواجب، أو تاركاً لحرام، كما يصدق الشجاع على الموصوف بالشجاعة حتّى حال عدم صدور فعل منه، و يصدق الكريم على الموصوف بالكرم حال كونه نائماً.
و كذلك الحال في صدق بقيّة العناوين الواردة في النصوص و قد كانت ألفاظها
[1]مرّ تخريجه في ص 294.
مختلفة، و معانيها متقاربة، مثل: الخيّر و الصائن و العدل.
فإن قال أحد: هذه العناوين و إن كانت دالّة على الملكة لكنّها لا تدلّ على الملكة الخاصّة المعتبرة في العدالة؛ لإمكان حصول الملكة للمتلبّس بها من جهة أُخرى، كطلب المنزلة عند الناس.
يقال له: إنّ من يأبى الدخول في الجريمة و هو في المحضر، و لا يأبى الدخول فيها في الخلوة ليس بعفيف و إن كان الناس يتوهّمون أنّه عفّ، و هو فاقد لملكة العفّة؛ لأنّ واجدها يأباه في جميع أحواله. كيف و نسبة الملكة إلى الأفعال الصادرة منها نسبة العلّة إلى المعلول؟ و التفكيك بينهما غير جائز، ففاعليّة الملكة بالنسبة إلى الأفعال الخارجيّة طبيعيّة، نعم، قد تصير الملكة مغلوبة في بعض الأحوال من جهة معارضتها بأقوى منها، لكن المغلوبيّة لا تنافي وجود الملكة، و هذه غير الامتناع في المحضر، و الاقتراب في الخلوة؛ فإنّ الملكة عند صيرورتها مغلوبة لا تختلف عن الخلوة و الجلوة.
و ممّا تلونا عليك قد ظهر لك قوّة المسلك الثالث من مسالك القوم في العدالة، و هو الذي سلكه العلامة(قده)و تبعه كثير ممّن تأخّر عنه.
قال صاحب الذخيرة على ما حكي عنه بعد ذكر تعريف العدالة بالملكة.
إنّي لم أجد ذلك في كلام من تقدّم على المصنّف، و ليس في الأخبار منه شاهد و لا أثر، و كأنهم اقتفوا في ذلك أثر العامّة، حيث يعتبرون ذلك في مفهوم العدالة، و يوردونه في كتبهم.[1]أقول: أمّا عدم وجود هذا التعريف في كلام من تقدّم على العلامة فغير مضرّ به، فكم ترك الأوّل للآخر؟ و أمّا دعوى عدم وجود شاهد عليه في الأخبار فغير صحيحة، فقد مرّ بيان دلالة النصّ الصريح عليه، بل و نصوص أُخرى، ثمّ إنّ هناك وجوهاً أُوردت على القول بالملكة:
أحدها: ما عن المحقّق البهبهاني في شرح المفاتيح:
[1]ذخيرة المعاد، ص 305.
من أنّ حصول الملكة بالنسبة إلى جميع المعاصي بمعنى صعوبة الصدور، ربّما يكون نادراً بالنسبة إلى نادر من الناس إذا فرض تحقّقه، و يعلم أنّ العدالة ممّا تعمّ به البلوى، و تكثر إليها الحاجات في العبادات و المعاملات و الإيقاعات.
فلو كان الأمر كما يقولون لزم الحرج، و اختلّ النّظام، مع أنّ القطع حاصل بأنّ في زمان الرسولُ و الأئمّة «ما كان الأمر على هذا النهج، بل من تتبّع الأخبار الكثيرة يحصل له القطع بأنّ الأمر لم يكن كما ذكروه في الشاهد، و لا في إمام الجماعة، و يؤيّده ما ورد في أنّ إمام الصلاة إذ أحدث، أو حدث له مانع آخر أخذ بيد آخر و أقامه مقامه.[1]انتهى بتلخيص و تغيير.
و الجواب: بعد تسليم الندوة أنّ القول بالملكة إنّما يستلزم الحرج و اختلال النظام إذا لم يجعل حسن الظاهر وجوداً تنزيليّاً للعدالة، و أمّا إذا جعل كما هو الحقّ فلا يستلزم ذلك، مضافاً إلى أنّ الندور محلّ منع.
قال شيخنا الأنصاري(قده):
إنّ المعتبر في العدالة هو الحالة التي يجد الإنسان بها مدافعة الهوى في أوّل الأمر و إن صارت مغلوبة بعد ذلك؛ و لذا تصدر الكبيرة عن ذي الملكة كثيراً، و هذه الحالة غير عزيزة على الناس و ليس بنادر حتّى يلزم من اعتبارها الحرج و الاختلال.
بل الإنصاف أنّ الاقتصار على ما دون هذه المرتبة يوجب تضييع حقوق الله و حقوق الناس[2].
ثانيها: ما عن السيّد الصدر شارح الوافية و ملخّصه:
«أنّي لم اطّلع على دليل ظنّي فضلًا عن القطعي على اعتبار الشارع العدالة بمعنى الملكة»[3].
[1]رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 25.
[2]انظر رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 28.
[3]انظر رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 26، مع اختلاف يسير.
و صحيح ابن أبي يعفور[1]على خلاف ذلك أدلّ.
و أمّا جعل حسن الظاهر طريقاً إلى معرفة الملكة فمستلزم لئلا تكون ثمرة للنزاع في أنّ العدالة ماذا؟
أقول: و لعلّه قد أخذ ذلك من كلام المحقّق السبزواري في الذخيرة[2]. و إنّك قد عرفت دلالة النصوص على اعتبار الشارع العدالة بمعنى الملكة.
و كيف يكون صحيح ابن أبي يعفور على خلاف القول بالملكة أدلّ؟ و قد فسّر فيه العدالة بالستر و العفاف تارة، و بكفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان أُخرى، مع أنّ العفاف و الكفّ من أفعال النفس.
و أمّا الثمرة لجعل حسن الظاهر طريقاً إلى ثبوت العدالة بمعنى الملكة فهي عدم اشتراط القطع، و الوثوق بوجود الملكة لترتيب آثار العدالة، و عدم لزوم الفحص عن خفايا الناس و أسرارهم، و كفاية ظاهرهم المأمون لترتيب آثار العدالة، و لو لم يكن حسن الظاهر طريقاً للزم الفحص عنها، و لم يكن الظاهر المأمون كافياً.
ثالثها: أنّ الحكم بزوال العدالة عند عروض ما ينافيها من معصية أو خلاف مروءة، و رجوعها بمجرّد التوبة ينافي كون العدالة هي الملكة.
و قد أجاب عنه شيخنا الأنصاري(قده)ب:
أنّ المعتبر في مانعيّة الملكة عن صدور المعصية هو المنع الفعلي؛ إذ لا قائل بكون العدالة مجرّد الملكة من غير اعتبار للمنع الفعلي.
و أمّا التوبة فهي رافعة لحكم المعصية و تجعلها كغير الواقع، فزوال العدالة بالكبيرة حقيقي، و عودها بالتوبة تعبّدي، بل الندم على المعصية يعيد الحالة السابقة، و هي الملكة المتّصفة بالمنع؛ إذ لا فرق بين من يمنع ملكته عن ارتكاب المعصية، و بين من توجب عليه تلك الملكة الندم على ما مضى منه لامتناع صدور المعصية حال الندم[3].
[1]مرّ تخريجه في ص 295.
[2]ذخيرة المعاد، ص 305.
[3]راجع رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 30 و 31.