الاجتهاد بالرأي
قد اشتهر بين إخواننا أهل السنّة إطلاق الاجتهاد على استخراج الحكم الشرعي بالرأي، أو القياس، أو الاستحسان.
قال الأُستاذ محمد معروف الدواليبي:
فإذا عرضت قضيّة، و ليس في أحكام الكتاب و السنّة و الإجماع نصّ عليها فإنّ الكتاب و السنّة قد اعترفاكما مرّ سابقاً بالاجتهاد كأصل رابع من أُصول الشريعة، و لقد جاء في الكتاب قوله تعالى:إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ[1]و جاء أيضاً قوله:كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[2]. و قوله تعالى:كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[3].
ثم احتجّ من السنة بحديث معاذ بن جبل.[4]أقول: لم أدرك وجود أي اعتراف في هذه الآيات الكريمة بأنّ الاجتهاد أصل رابع من أُصول الشريعة الإسلاميّة، فإنّ الخطاب في الآية الأُولى يختصّ بنفس الرسول، و لا يشترك معه غيره، و إنّ قوله تعالى:بِما أَراكَ اللَّهُظاهر في أنّ حكمه بين الناس إنّما يكون بما أنزل الله إليه من الكتاب، كما يشهد بذلك صدر الآية الكريمة.
و أمّا الآيتان الأخيرتان فهما تفيدان مطلوبيّة التفكّر و التعقّل في الآيات، فهما ترشدان إلى الأصل الأوّل من أُصول الشريعة، و أين هما من الدلالة على أصل رابع؟! و قال الأُستاذ سميح عاطف في مقال له في الاجتهاد و التقليد: الاجتهاد ثابت بنصّ الحديث، فقد روي عن رسول اللهُ أنّه قال لمعاذ حين أرسله والياً إلى اليمن: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: بسنّة
[1]النساء (4) الآية 105.
[2]يونس (10) الآية 24.
[3]الروم (30) الآية 28.
[4]المدخل في علم أُصول الفقه، ص 52.
رسول اللهُ، قال: «فإن لم تجد؟» قال: باجتهاد الرأي، قال: «الحمد لله الذي وفّق رسول الله لما يحبّه الله و رسوله»[1].
إنّ صحّة إطلاق الاجتهاد على استخراج الحكم بالرأي بحسب اللغة محلّ تأمّل من جهة كونه أمراً سهلًا، فإنّ المعتبر في مفهوم الاجتهاد كون المطلوب فيه ذا كلفة، فلا يقال: اجتهد في حمل الخردلة.
أضف إلى ذلك أنّ في استخراج الحكم الشرعي بالرأي تناقض خفي؛ إذ الحكم الشرعي هو الذي صدر من جانب الله (تع)، و أمّا الحكم الذي استخرج بالرأي فقد صدر عن صاحب الرأي، و هو غير الله.
أمّا الحديث فيجب البحث عن صحّة سنده، و عن دلالته؛ فإنّه لم يروه أحد من أصحاب الصحاح؛ إنّما رواه محمّد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته الكبرى بسنده إلى الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة قال: «أخبرنا أصحابنا عن معاذ بن جبل بذلك»[2]فالحديث مرسل بإبهام الواسطة عن معاذ فالواسطة مجهول.
و قال الذهبي في ميزان الاعتدال: «الحارث بن عمرو عن رجال عن معاذ بحديث الاجتهاد»[3]. قال البخاري: «لا يصحّ حديثه»[4].
قلت: تفرّد به أبو عون محمّد بن عبيد الله الثقفي، عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة[5]، و ما روي عن الحارث غير أبي عون، فهو مجهول.
و قال الترمذي: «ليس إسناده عندي بمتّصل»[6].
ثمّ إنّ في متن الحديث دلالات توجب الريب في صحّته أيضاً:
1 هذا الاصطلاح في الاجتهاد أمر حدث بعد النبي، و لم يعهد في حياته المقدّسة إطلاق الاجتهاد على هذا المعنى.
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 5352، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 38.
[2]طبقات الكبرى، ج 3، ص 584.
[3]ميزان الاعتدال، ج 1، ص 439، ح 1635.
[4]ميزان الاعتدال، ج 1، ص 439، ح 1635.
[5]ميزان الاعتدال، ج 1، ص 439، ح 1635.
[6]ميزان الاعتدال، ج 1، ص 439، ح 1635.
2 يلزم من هذا القول نقص في دين الإسلام؛ إذ فيه تصريح بعدم وجود أحكام في الكتاب و السنّة.
3 يلزم منه اعتراف الرسولُ بنقص فيما جاء به، و تصريحه بذلك.
4 يلزم منه كون معاذ عالماً بجميع ما في الكتاب، و جميع ما في السنّة، و لم يعرف في الصحابة رجل يكون عالماً بجميع الكتاب و السنّة سوى من جعله الرسول عدلًا للكتاب في نصّ الثقلين.
5 يلزم منه انتهاء نزول القرآن، و انتهاء السنّة النبويّة في وقت إرسال معاذ إلى اليمن، و ذلك باطل؛ لأنّهما انتهيا بوفاة الرسولُ.
6 يلزم منه جعل جميع أصحاب الرأي أصحاب تشريع، و جعل تشريعاتهم عدلًا لتشريعات الكتاب و السنّة، و عليه لا يبقى للدين حدّ.
7 يلزم منه اختصاص الحكم في باب القضاء بالشبهة الحكميّة، مع أنّ أكثر الأقضية يرجع إلى اختلاف الخصمين في الموضوعات حال اتّفاقهما في الحكم، بل يلزم منه عدم تمييز معاذ بين الشبهة في الحكم و الشبهة في الموضوع.
و لست أدري أيّ شيء كان يمنع معاذاً حينما حضرته واقعة لم يعرف حكمها أن يؤجّل القضاء حتّى يكتب إلى رسول اللهُ، و يسأل الحكم؟! و أيّ مانع كان للنبي الكريمُ من إرشاد معاذ إلى ذلك؟! فالظاهر أنّ النصّ موضوع على لسان معاذ، و أنّ الوضع كان بعد وفاة النبي بشهادة القرآن الحكيم، فإنّ فيه دلالات، و إشعارات على حرمة الاجتهاد بالرأي، و إليك قوله تعالى:فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[1]و في القرآن أيضاً دلالات، و إشارات إلى حرمة الرجوع، و التعبّد إلى الذين يجتهدون بآرائهم، و إليك قوله تعالى:
[1]القصص (28) الآية 50.
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[1].
إنّ اتّخاذهم أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله هو التعبّد بتشريعاتهم، و العمل بها، كما جاء في التفسير.
و قوله تعالى:أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً[2].
و بشهادة النصوص الواردة عن نبيّنا الكريمُ من طريق عترته الطاهرة «.
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام): «نهى رسول الله عن الحكم بالرأي و القياس» قال: «و أوّل من قاس إبليس، و من حكم في شيء من دين الله برأيه خرج من دين الله»[3].
و قال: قال الله تعالى: ما أمن بي من فسّر برأيه كلامي، و ما عرفني من شبّهني بخلقي، و ما على ديني من استعمل القياس في ديني[4].
و قال: «ستفترق أُمّتي على بضع و سبعين فرقة، أعظمها فرقة على أُمّتي قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرّمون الحلال و يحلّلون الحرام»[5].
و قال: «إيّاكم و أصحاب الرأي، فإنّهم أعيتهم السنن أن يحفظوها فقالوا في الحلال و الحرام برأيهم، فأحلوا ما حرّم الله، و حرّموا ما أحلّ الله، فضلّوا و أضلّوا»[6].
و إليك بعض النصوص الواردة من أهل بيت النبي الكريم و هم العترة الطاهرة «.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من
[1]التوبة (9) الآية 31.
[2]النساء (4) الآية 60.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 47، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 26.
[4]وسائل الشيعة، ج 27، ص 45، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 22.
[5]بحار الأنوار، ج 2، ص 312 أقول.
[6]بحار الأنوار، ج 2، ص 308، ح 69.
دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس»[1].
و قال(عليه السلام): «لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجل أولى بالمسح من ظاهرها»[2].
و قال(عليه السلام): «لا تقيسوا الدين؛ فإنّ أمر الله لا يقاس»[3].
و قال الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام): «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة، و الآراء الباطلة، و المقاييس الفاسدة، و لا يصاب إلا بالتسليم»[4].
و قال(عليه السلام): «من دان بالقياس و الرأي هلك»[5].
و قال الإمام جعفر بن محمَّد الصادق(عليه السلام): «إنّ السنّة لا تقاس، أ لا ترى أنّ المرأة تقضي صومها و لا تقضي صلاتها؟ إنّ السنّة إذا قيست محقت[6]».
و دخل أبو حنيفة على الإمام جعفر الصادق(عليه السلام)، فقال له: «من أنت؟» قال: أبو حنيفة.
قال: «مفتي أهل العراق؟» قال: نعم.
قال(عليه السلام)«بم تفتيهم؟» قال: بكتاب الله.
قال(عليه السلام): «و إنّك لعالم بكتاب الله ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه؟» قال: نعم.
قال(عليه السلام): «فأخبرني عن قول الله عزّ و جلّ:وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ[7]؛ أيّ موضع هو؟» قال أبو حنيفة: هو ما بين مكّة و المدينة.
فالتفت الإمام الصادق(عليه السلام)إلى جلسائه و قال: «نشدتكم بالله، هل تسيرون بين مكّة و المدينة و لا تأمنون على دمائكم من القتل، و على أموالكم من السرق؟» فقالوا: اللهمّ نعم.
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 41، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 11.
[2]بحار الأنوار، ج 2، ص 84، ح 9.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 52، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 36.
[4]بحار الأنوار، ج 2، ص 303، ح 41.
[5]بحار الأنوار، ج 2، ص 303، ح 41.
[6]وسائل الشيعة، ج 27، ص 41، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 10.
[7]سبأ (34) الآية 18.
فقال الصادق(عليه السلام): «و يحك يا أبا حنيفة! إنّ الله لا يقول إلا حقّا. أخبرني عن قول الله عزّ و جلّ:وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً[1]أي موضع هو؟» قال ذلك بيت الله الحرام.
فالتفت الإمام(عليه السلام)إلى جلسائه فقال: «نشدتكم بالله هل تعلمون أنّ عبد الله بن الزبير و سعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟» قالوا: اللهم نعم.
فقال الإمام: «و يحك يا أبا حنيفة! إنّ الله لا يقول إلا حقّا» فقال أبو حنيفة: إنّما أنا صاحب قياس.
قال الإمام(عليه السلام): «فانظر في قياسك إن كنت مقيساً، أيّما أعظم عند الله، القتل أو الزنى؟» قال: بل القتل.
قال الإمام: «فكيف رضي في القتل بشاهدين و لم يرض في الزنى إلا بأربعة».
ثمّ قال له: «الصلاة أفضل أم الصيام؟» قال: بل الصلاة أفضل. قال الإمام: «فيجب على قياس قولك قضاء ما فاتها على الحائض من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، و قد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة».
ثمّ قال له: «البول أقذر أم المني؟» قال: البول أقذر. قال الإمام: «يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني! و قد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول» قال: إنّما أنا صاحب رأي.
قال الإمام(عليه السلام): «فما ترى في رجل كان له عبد فتزوّج و زوّج عبده في ليلة واحدة فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثمّ سافرا، و جعلا امرأتيهما في بيت واحد، فولدتا غلامين، فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين، و بقي الغلامان، أيّهما في رأيك المالك و أيّهما المملوك؟ و أيّهما الوارث، و أيّهما الموروث؟» قال أبو حنيفة: إنّما أنا صاحب حدود.
قال الإمام(عليه السلام): «فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح، و أقطع قطع يد رجل
[1]آل عمران (3) الآية 97.
كيف يقام عليه الحد؟» قال: إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء.
قال الإمام: «فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى و هارون حين بعثهما إلى فرعون:لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى[1]لعلّ منك شكّ» قال: نعم.
قال: «و كذلك من الله شكّ إذ قال لعلّه؟!» قال أبو حنيفة: لأعلم لي.
قال الإمام: «تزعم أنّك تفتي بكتاب الله و لست ممّن ورثه، تزعم أنّك صاحب قياس، و أوّل من قاس إبليس، و لم يبن دين الإسلام على القياس. و تزعم أنّك صاحب رأي و كان الرأي من رسول الله صواباً، و من دونه خطأ؛ لأنّ الله تعالى قال: فاحكم بينهم بما أراك الله[2]و لم يقل ذلك لغيره.
و تزعم أنّك صاحب حدود و من أُنزلت عليه أولى بعلمها منك، و تزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء، و لخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك.
لولا يقال: دخل على ابن رسول الله فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء، فقس إن كنت مقيساً.
قال أبو حنيفة: ما قلت بالرأي و القياس في دين الله بعد هذا المجلس. قال الإمام(عليه السلام): «كِ، إنّ حبّ الرئاسة غير تاركك، كما لم يترك من كان قبلك»[3].
الاجتهاد و مقدّماته
و لمّا تقرّر أنّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم من الحجّة، فعلى هذا لم يكن الاجتهاد في عصر الحضور متوقّفاً على مقدّمات علميّة إذا أمكن المثول بين يدي المعصوم(عليه السلام)، و استفادة الحكم من كلامه الشريف، فإنّ ذلك هو الاجتهاد دون غيره؛ إذ الحجّة كلامه(عليه السلام).
[1]طه (20) الآية 44.
[2]النساء (4) الآية 105؛ المائدة (5) الآية 49. المذكور في الكتاب أُخذ من الآيتين المذكورتين في الهامش.
[3]وسائل الشيعة، ج 27، ص 4947، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، ح 27 و 28 مع اختلاف يسير؛ الاحتجاج، ج 2، ص 267، ح 237.
نعم إذا تعدّدت الأسئلة تعدّدت الأجوبة، و اختلفت كلماته(عليه السلام)بحسب العموم و الخصوص، و الظاهر و الأظهر كان الاستنباط في ذلك العصر متوقّفاً على حمل الظاهر على الأظهر، و على تقييد المطلق بالمقيّد، و نحو ذلك من القواعد التي يجريها العقلاء في محاوراتهم، بل يجري بعضها الإنسان بحسب فطرته، و إنّ صناعة أُصول الفقه متكفّلة للبحث عنها.
و أمّا في عصر الغيبة مثل عصرنا فاستخراج الحكم من الحجّة موقوف على معرفة علوم بها يتمكّن المجتهد من الاستنباط، و تسمّى تلك العلوم بمقدّمات الاجتهاد.
منها: معرفة اللغة العربيّة، فقد نزّل الكتاب بهذه اللغة، و مثله السنّة.
و منها: معرفة العلوم الأدبيّة، كالنحو و الصرف و المعاني و البيان، فإنّ الوصول إلى معاني ألفاظ الكتاب و السنّة متوقّف عليها.
و منها: معرفة علم التفسير بالنسبة إلى آيات الأحكام.
و منها: معرفة علم الرجال بمقدار يتمكّن من تمييز الحديث الموثوق صدوره عن غيره.
و منها: معرفة صناعتي المنطق و أُصول الفقه؛ فإنّ استخراج الحكم من الحجّة متوقّف على إجراء قواعد عقليّة و لفظيّة كلّها مبيّنة في أُصول الفقه، و إنّ معرفة صحّة الاحتجاج موقوفة على معرفة المنطق.
الاجتهاد و إصابة الواقع
اتّفقت كلمة العقلاء على عدم إصابة حكمين عقليّين على موضوع واحد، فلا يصدقان معاً، و يستحيل مطابقتهما للواقع، و ذلك هو التناقض المحال بالبديهة، و لا فرق في ذلك بين كون الحكمين متعلّقين بالشريعة و بين كونهما غير متعلّقين بها.
و إذا كان الحكم شرعيّاً فرعيّاً سواء أ كان تكليفاً أم وضعاً فلا خلاف بين علماء الإسلام في تخطئة ما يخالف الحكم إن كان على الحكم دليل قاطع من الكتاب أو السنّة، و إن لم يكن له دليل قاطع بأن كانت معرفته موقوفة على فحص و اجتهاد فقد أطبقت الإماميّة على عدم إصابة حكمين متخالفين معاً، و وافقهم في ذلك جمع من