لا نقص فيه، فالذي يحكم العقل بوجوبه هو العلم التفصيلي أو الإجمالي.
و اعلم أنّ حكم العقل بوجوب المعرفة غير مشروط بدخول وقت الواجب و حصول الفعليّة له، بل حكمه عامّ شامل للصورة التي لم يدخل وقت الواجب أيضاً إذا يعلم تضيّق الوقت عن تحصيل العلم.
فإنّ العقلاء لا يفرّقون في لزوم التهيّؤ لإتيان واجب بين ما جاء وقته و بين ما قرب، فانظر إلى سيرتهم في أُمورهم، فإنّهم يدّخرون الطعام من السنين الخصبة للسنين المجدبة كما فعل ذلك يوسف الصديق(عليه السلام).
و إنّ من المعلوم: أنّ الأُمّهات يبدأن لتهيئة جهاز العروس من زمان رضاعها، و سيرة العقلاء حجّة بين الخالق و المخلوق.
سئل الإمام الصادق(عليه السلام)عن قوله تعالىقُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ[1]فقال(عليه السلام): «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي أ كنت عالماً؟ فإن قال: نعم قال له: أ فلا عملت بما علمت؟ و إن قال: كنت جاهلًا قال له: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصم. فتلك الحجّة البالغة»[2].
و نحصّل ممّا ذكرنا أنّ التعرّف على الواجب إجمالًا أو تفصيلًا بشرائطه و أجزائه و موانعه من المقدّمات العلميّة للواجب، و ليست من المقدّمات الوجوديّة له؛ إذ تجب السنخيّة بين الشيء و مقدّماته الوجوديّة، و لا سنخيّة بين العلم و وجود شيء، فظهر النظر فيما ذكره بعض الأساطين:
إنّه قد يكون التعلّم مقدّمة وجوديّة لذات الواجب كما في الجاهل باللغة العربيّة فإنّه لا يتمكّن من الإتيان بالقراءة إلا بتعلّم اللغة[3].
وجه النظر: أنّ كلّ جاهل غير متمكّن من الإتيان بشيء فعلًا كان أو قولًا إلا بعد معرفته به، و هذا معنى المقدّمة العلميّة.
[1]الأنعام (6) الآية 149.
[2]بحار الأنوار، ج 2، ص 29، ح 10.
[3]دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 173.
و لست أدري ما الفرق بين القراءة و السجود؟ فإنّ الجاهل بالسجود و بما يشترط فيه غير قادر على الإتيان به إلا بعد معرفته و معرفة كيفيّته.
و خلاصة الكلام: أنّ مقدّمة وجود الشيء داخل في علله، و يجب السنخيّة بين العلّة و المعلول و إلا لجاز كلّ شيء أن يصير علّة لكلّ شيء.
[المسألة 28] يجب تعلّم أحكام الخلل
المسألة 28: يجب تعلّم مسائل الشكّ و السهو بالمقدار الذي هو محلّ الابتلاء غالباً، نعم، لو اطمأنّ من نفسه أنّه لا يبتلى بالشكّ و السهو صحّ عمله و إن لم يحصل العلم بأحكامهما.
إنّ حدوث الشكّ و السهو للإنسان من ميزاته الخاصّة به، و سيرة العقلاء عند عروض الشكّ أو السهو لهم هو العمل على الوثوق و اليقين، فهم يهتمّون بسدّ ثغور جميع احتمالات الخلاف في أُمورهم، و لا يكتفون فيها بالشكّ، سواء أ كان شكّهم في أصل إتيان فعل، أو في صحّة ما أتوا به.
هذا و لكنّ الشارع المقدّس قد منّ على الأُمّة الإسلاميّة بوضع قواعد للأعمال الشرعيّة عند حدوث الشكّ فيها، تسهيلًا عليهم، و قناعة منهم في مقام الامتثال.
إنّ الشكّ و السهو يعرضان لجميع العبادات، سيّما في التي لها أجزاء كثيرة، و شرائط متنوّعة، و موانع متعدّدة، و قد خصّ فقهاؤنا(رضوان الله عليهم)كتاب الصلاة في الفقه بالبحث عن أحكام الشكّ و السهو، و يعلم منه حكمهما في بقيّة العبادات و العقود و الإيقاعات و الأحكام.
إذا عرفت ذلك فنقول:
إنّ أحكام الشكّ و السهو إن كانت مولويّة متعلّقة بمقام الامتثال فيصير البحث عن هذه المسألة من صغريات المسألة السابقة؛ لرجوع هذه الأحكام إلى بيان التفصيل فيما يعتبر في العبادات الواجبة، فهل هو معتبر فيها مطلقاً أم هو معتبر فيها حال الالتفات و الذكر؟ ثمّ الذي يعتبر فيها، فهل اعتباره من جانب الوجود أم من جانب العدم؟
و أمّا إذا كانت أحكام الشكّ و السهو في مقام الإرشاد إلى أسهل طريق للامتثال عند حدوث شكّ أو سهو فلا يجب على المكلّف تعلّمهما؛ لإمكان استئناف العمل من جديد.
نعم، يجب تعلّم أحكامهما بناء على ما هو المعروف بين الأصحاب من حرمة إبطال الصلاة؛ إذ الواجب عندئذ هو القيام بوظيفة الشاكّ أو الساهي عند حدوث الشكّ أو النسيان في الأثناء؛ لعدم جواز قطع الفريضة حتّى تستأنف، و عدم جواز البناء على أحد الطرفين، و الإتمام، ثمّ الإعادة؛ من جهة احتمال أن يكون ما بني عليه مبطلًا للصلاة، و لكنّ الكلام في الدليل على ذلك، و في إطلاق الدليل على فرض ثبوته.
و لعلّ وجه التقيّد بقوله: «غالباً» عدم إحراز الإطلاق لحكم العقل بوجوب التعلّم حتّى في المقدار الذي لا يصير محلّا للابتلاء غالباً، و أمّا ما مرّ من الخبر الدالّ على وجوب التعلّم[1]فاستفادة الإطلاق من مثله مشكل؛ فإنّ احتمال دلالته على إمضاء حكم العقل بهذا الوجوب محكّم، فدلالته على تأسيس وجوب نفسي مولوي محلّ إشكال.
و أمّا قوله: «صحّ عمله» فلعلّه من سهو القلم؛ لأنّ ملاك الصحّة مطابقة الواقع لا الاطمئنان بعدم حدوث الشكّ، و من خاف على نفسه الابتلاء بهما إذا أتى بواجبه مطابقاً للواقع من دون شكّ و سهو صحّ، و كذا إذا عرض له أحدهما أتى رجاء بوظيفته صحّ عمله.
فالمراد من قوله: «صحّ عمله» عدم وجوب تعلّم أحكامهما لمن اطمأنّ بعدم الابتلاء بهما، و عدم استحقاقه العقاب؛ لأنّ حكم العمل قبل الفحص عن الدليل مع الاطمئنان بعدم الابتلاء حكم العمل بعد الفحص عن الدليل و اليأس عنه، و هو عدم استحقاق العقاب على المخالفة.
[1]مرّ تخريجه في ص 340.
[المسألة 29] التقليد في المندوبات و المكروهات
المسألة 29: كما يجب التقليد في الواجبات و المحرّمات يجب في المستحبّات و المكروهات و المباحات، بل يجب تعلّم حكم كلّ فعل يصدر منه، سواء كان من العبادات أم المعاملات أو العاديات.
إنّ الملاك لوجوب التقليد صحّة الاحتجاج بالفتوى عند مخالفة المكلّف للحكم الواقعي الإلزامي، و ذلك متحقّق في صورتين:
إحداهما: إذا كان مفاد الفتوى حكماً غير إلزامي، فإنّه حجّة للمكلّف، فاللازم من هذه الفتوى تخيير المكلف بين الفعل و الترك.
الثانية: إذا كان مفاد الفتوى حكماً إلزاميّاً مخالفاً للحكم الواقعي.
و أمّا صحّة احتجاج المولى على المكلّف بالتقليد كما إذا كان مدلول الفتوى حكماً إلزاميّاً مطابقاً للواقع فغير واضح؛ لأنّ حكم العقل بوجوب الاحتياط موجود في هذه الصورة، و ممّا ذكرنا ظهر عدم حجّيّة الفتوى إذا كان الفعل بحسب الواقع محكوماً بحكم غير إلزامي، فلا يجب فيه التقليد عند العقل لفقدان الحجّيّة.
فقول الماتن لا يخلو من إشكال، مضافاً إلى أنّ سيرة المتشرّعة الملتزمين بالتقليد في الأحكام الإلزاميّة قائمة على عدم مثل هذا التقليد في المستحبّات و المكروهات، فلا يفحصون عن الأعلم، و لا يعملون بقول فقيه، بل يعملون بقول كلّ من أخبرهم بذلك، و الشاهد على ذلك عملهم بكتب الأدعية و الزيارات و الصلوات المستحبّة.
فإنّ القول بأنّ جميع المستحبّات و المكروهات من الضروريّات فلا يجب فيها التقليد مجازف، نعم، يجب التقليد في الجملة في العقود و الإيقاعات، بل في مطلق الوضعيّات التي لها آثار في صورة فقدان ما يحتمل اعتباره فيها وجوداً، أو عدماً؛ للشكّ في تحقّق الأثر عند ذلك الفقدان.
قال صاحب المستمسك:
هذا كلّه بلحاظ العمل؛ و أمّا بلحاظ التشريع فيصحّ اعتبار الحجّيّة لها؛ أي الفتوى، على
أن تكون حجّة للعبد في جواز اعتقاد الإباحة؛ إذ لولاها كان اعتقاد الإباحة تشريعاً محرّماً، فيجب التقليد في جميع الأحكام إلزاميّة كانت أو غيرها، من حيث جواز الالتزام بها و نفي التشريع[1].
أقول: لا بدّ من تقييد هذا الكلام بغير الضروريّات و اليقينيّات.
و من المعلوم: أنّ الوثوق حاصل بكثير من المستحبّات و المكروهات و المباحات، بل و في العقود و الإيقاعات، و إن كان الوثوق نشأ من السماع من كبير، أو من عالم، أو ممّن يدّعي العلم، أو من قراءة كتاب، و غير ذلك ممّا هو من أسباب المعرفة عند الناس، كالمكتوبات على اللوحات، أو المخطوطات على ظهور الكتب و الدفاتر.
ثمّ إنّ دليل التسامح في أدلّة السنن على فرض إطلاق له قد يفيد عدم لزوم التقليد في المندوبات، كما يفيد عدم لزوم الاجتهاد فيها.
[المسألة 30] الإتيان بفعل لاحتمال مطلوبيّته
المسألة 30: إذا علم أنّ الفعل الفلاني ليس حراماً و لم يعلم أنّه واجب أو مباح أو مستحبّ أو مكروه يجوز له أنّ يأتي به لاحتمال كونه مطلوباً و برجاء الثواب، و إذا علم أنّه ليس بواجب و لم يعلم أنّه حرام أو مكروه أو مباح له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضاً.
الإتيان بفعل بداعي احتمال تعلّق الأمر به في صورة التمكّن من تحصيل العلم به، و كذا ترك فعل بداعي احتمال النهي عنه من أفضل مراتب الانقياد الحسن عند العقل، و الممدوح عند الشرع. إنّ الفاعل لذلك الفعل و التارك لذلك الفعل أطوع من الفاعل لفعل مظنون الحكم، فضلًا عن كونه مقطوعاً.
و قال بعض الأساطين: «هذا بناءً على عدم اعتبار قصد الوجه في العبادة كما هو الصحيح»[2].
[1]المستمسك، ج 1، ص 60.
[2]انظر دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 177.
أقول: بل بناءً على اعتباره أيضاً؛ لأنّ اعتبار قصد الوجه عند من قال به في جميع أنواع الإطاعة حتّى في صورة الشكّ في تعلّق الأمر غير معلوم، بل معلوم العدم؛ إذ ليس للفعل في هذه الصورة وجه حتّى يقصد. مع أنّ الترك باحتمال وجود نهي داخل في البحث أيضاً، و لم يقل أحد باعتبار قصد الوجه في ترك المحرّمات المعلومة؛ فضلًا عن المشكوك فيها.
[المسألة 31] تبدّل رأي المفتي
المسألة 31: إذا تبدّل رأي المجتهد لا يجوز للمقلّد البقاء على رأيه الأوّل.
قال صاحب المستمسك:
هذا ينبغي أن يكون من الواضحات؛ لاختصاص أدلّة جواز الرجوع إلى العالم بصورة عدم اعترافه بالخطإ[1].
أقول: ما ذكره مختصّ بالخطإ الواقعي، و أمّا انكشاف الخطإ بالحجّة التعبّديّة فلا يستلزم علم المقلّد بخطإ الرأي الأوّل، و ذلك نظير الظنّ المانع و الممنوع في باب الانسداد، فالرأي الثاني كما يخطّئ الرأي الأوّل كذلك الرأي الأوّل يخطّئ الرأي الثاني، و كلّ واحد من الرأيين من حيث احتمال المطابقة للواقع متساويان، فهما نظير رأيين متخالفين من مجتهدين، نعم، لو كان بطلان الرأي الأوّل منكشفاً بالعلم الوجداني لكان لما ذكره دام ظلّه من الوجه مجال، و يمكن الفرق بينهما بأنّ التخطئة في رأيين من مجتهدين موجودة من ناحية كلّ واحد من ذوي الرأي، بخلاف المقام فإنّ التخطئة من ذي الرأي من جانب واحد.
فالوجه أن يقال: إنّ حكم العقل بوجوب الرجوع إلى العالم مختصّ بما يراه العالم صواباً و واثقاً به، فلا يعمّ ما يشكّ العالم في صحّته من الرأي، فضلًا عمّا قامت الحجّة لديه على خطئه.
[1]المستمسك، ج 1، ص 61.
و الأدلّة اللفظيّة للتقليد منصرفة عن الفتوى التي قامت الحجّة لدى المفتي على فسادها؛ فإنّه غير متمكّن من إسناد مدلولها إلى الشرع، بل يصحّ عنده إسناد ما يقابله إلى الشرع.
[المسألة 32] عدول المفتي عن الفتوى إلى التوقّف
المسألة 32: إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقّف و التردّد يجب على المقلّد الاحتياط، أو العدول إلى الأعلم بعد ذلك المجتهد.
أمّا عدم جواز البقاء على رأيه السابق فلما مرّ في المسألة السابقة، فتعيّن عليه الاحتياط أو الرجوع إلى مجتهد آخر، و شرط في المتن أن يكون من يرجع إليه أعلم من غيره، هذا الاشتراط على مذهبه، و قد مرّ الكلام فيه، و قد مرّ أيضاً عدم جواز الرجوع إلى الغير في المسائل التي يقول الأعلم فيها بالاحتياط؛ بناء على وجوب التقليد عنه. فراجع كلامنا في بيان المسألة الرابعة عشرة.
[المسألة 33] حكم التقليد بين المتساويين
المسألة 33: إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلّد تقليد أيّهما شاء، و يجوز التبعيض في المسائل، و إذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك فالأولى بل الأحوط اختياره.
التخيير في التقليد
قال صاحب المستمسك:
إنّ ذلك إجماع من القائلين بجواز التقليد من دون فرق بين صورة الاتّفاق في الفتوى أو الاختلاف، أو موافقة فتوى أحدهما للاحتياط المطلق دون الآخر، و غيرها.[1]أقول: تحصيل الإجماع التعبّدي في مثل هذه المسألة التي لم تكن مبحوثاً عنها بين
[1]المستمسك، ج 1، ص 61.
قدماء الأصحاب محلّ تأمّل، و علم فرض تسليم ثبوت الإجماع فتعبّديّته محلّ نظر؛ فإنّ للمسألة ممّا للعقل إليها سبيل.
و يمكن حمل الإجماع في كلامه على الإجماع العملي المقصود منه سيرة المتشرّعة، فهي قائمة على تخيير المقلّد في رجوعه إلى أيّ مفت؛ و هذه السيرة متّصلة بزمان الحضور.
و الإشكال عليها بأنّ المتيقّن منها صورة عدم العلم بالاختلاف في الفتوى قد مرّ مع الجواب عنه.
التبعيض في التقليد
نقصد من التبعيض في التقليد الرجوع إلى أحد المجتهدين في مسألة و إلى الآخر في مسألة أُخرى، ثمّ إنّه قد تكون المسألتان غير مرتبطتين، كأن قلّد أحدهما في العبادات و قلّد الآخر في المعاملات، و قد تكون المسألتان مرتبطتين.
أمّا الصورة الأُولى فجواز التقليد فيها ظاهر؛ لصيرورته من صغريات البحث السابق، و هو التخيير بين المتساويين. مع أنّ السيرة العقلائيّة قائمة على مثل هذا التبعيض، و لا يبعد قيام سيرة المتشرّعة عليه أيضاً، سيّما في المندوبات و المكروهات، مضافاً إلى أنّ إطلاقات نصوص الباب حاكمة بالجواز أيضاً.
و أمّا إذا كانت المسألتان مرتبطتين فإنّه لا يلزم من تقليدهما في المسألتين العلم بمخالفة الواقع، فالظاهر جوازه، مثاله: لو أفتى أحدهما بوجوب الإقامة و عدم وجوب السورة، و أفتى الآخر بالعكس، فصلّى بلا إقامة تقليداً للثاني، و من دون السورة تقليداً للأوّل.
و أمّا إذا لزم العلم بالمخالفة فالوجه عدم الجواز، كما لو ترك الظهر بقول من يقول