كلّ من يظهر الإسلام. و قد مرّ تفصيل الكلام في هذا البحث، فراجع.
التقليد في مسائل أُصول الفقه
و قد اشتهر بين القوم عدم جريان التقليد في مسائل أُصول الفقه.
فمن كان مقلّداً في تلك المسائل فلا رخصة له أن يدخل دار الاستنباط في الفروع الفقهيّة؛ إذ النتيجة تابعة لأخصّ المقدّمتين، فمن لم يكن مجتهداً في إحدى مقدّمات الاجتهاد فليس بمجتهد، مثلًا: إذا كان مقلّداً لمجتهد في حجّيّة الخبر الواحد فليس له أن يتّخذ رأياً مخالفاً لرأي ذلك المجتهد استظهاراً من الأخبار، و لا يجري عليه حكم الاجتهاد من العمل برأيه، و نفوذ قضائه، و نحو ذلك. نعم، قد يحصل له الوثوق في بعض مسائل أُصول الفقه من قول أُستاذ بحّاث، فلا سبيل إلى الحكم بعدم جريان الاجتهاد عليه.
هذا كلّه على سبيل المماشاة معهم في هذا الباب، لكن لقائل أن يقول:
هل يكون قوله(عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا، أو من عرف أحكامنا، أو من نظر في حلالنا و حرامنا»[1]. منصرفاً عمّن قلّد مجتهداً في حجّيّة الخبر، أو في عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة؟
ثمّ إنّ بناء العقلاء قائم أيضاً على الرجوع إلى الأخصّائيّين في مباني المسألة التي يريدون الاجتهاد فيها، و إنّ قياس هذا الباب بما تقرّر عند أرباب المنطق من كون النتيجة تابعة لاخسّ بالسين أو بالصاد المقدّمتين محلّ تأمّل؛ لأنّ المقصود من الأخسيّة جزئيّة إحدى المقدّمتين، و عندئذ تكون النتيجة جزئيّة و ليست بكلّيّة، و أين ذلك من الباب؟ و عدم صدق المجتهد عليه في جميع المبادئ غير مضرّ إذا صدق عليه أنّه مجتهد في الفقه، فإنه ليس بموقوف على الاجتهاد في جميع العلوم المقدّميّة.
[1]مرّ تخريجه في ص 386.
التقليد في مبادئ الاجتهاد
يقصدون من مبادئ الاجتهاد ما يتوقّف عليه الاجتهاد من العلوم، مثل: النحو و الصرف و البلاغة و المنطق و ما شابه ذلك، و بيان عدم جواز التقليد فيها بمثل ما مرّ من البيان في البحث عن التقليد في مسائل أُصول الفقه، و لازم هذا القول أنّه إذا قلّد نحويّاً في سبب رفع المبتدإ فلا يجوز له العمل برأيه فيما استنبطه من الأحكام الفقهيّة، فضلًا عن تقليد العامّي له، و هذا القول يوجب إخراج كثير من المجتهدين الكبار من دار الاجتهاد، و تحقيق المطلب أنّ ما يتوقّف عليه الاجتهاد في الأحكام هو معرفة هذه العلوم لا الاجتهاد فيها، و قد وقع الخلط بينهما.
التقليد في الموضوعات المستنبطة
و هي الموضوعات الخارجيّة التي قد رتّبت عليها أحكام في الشرع، و مفاهيمها تكون غير مبيّنة عند العرف، أو بحسب اللغة، مثل: الصعيد و الفناء و الإناء و نحو ذلك، و لست أدري لماذا لا يجري التقليد فيها و أخد مفاهيمها من الأخصّائيّين في ذلك.
قال صاحب المستمسك:
و البناء على عدم جواز التقليد فيها يقتضي البناء على وجوب الاحتياط، أو الاجتهاد، و لا يظنّ الالتزام به من أحد[1].
أقول: بل قد يقع الإشكال في الاجتهاد فيها، فإنّ اجتهاد من لا يكون متخصّصاً في أمر كيف يكون؟ إلا أن يقال بوجوب تخصّص المجتهد في كثير من العلوم، و ذلك ممّا لا يقول به كثير من المجتهدين من القدامى و المتأخّرين.
و اعلم أنّ الفرق بين الموضوع المستنبط العرفي، و بين الموضوع المستنبط اللغوي،
[1]المستمسك، ج 1، ص 105.
أنّ الأوّل ممّا يستعمل لدى العرف فيؤخذ مفهومه منه سعة و ضيقاً، بخلاف الثاني فإنّه غير مستعمل أو مستعمل بغير معناه السابق، فلا بدّ من الرجوع إلى قول اللغوي لرفع الشكّ عن مفهومه سعة و ضيقاً، و قول اللغوي حاك عن استعمالاته السابقة في لغة العرب، و لا يبعد أن يكون أكثر الموضوعات من قبيل الثاني، لا الأوّل.
التقليد في الموضوعات الصرفة
لا سبيل إلى التقليد في الموضوعات الصرفة؛ لأنّه ليس للفقيه تصرّف فيها، بل الأمر فيها بيد العرف.
فمن شرب سمّاً اعتماداً و تقليداً لقول فقيه إنّه ليس بسمّ حال كونه شاكّاً في صحّة قوله و مات على إثر شرب ذلك السمّ فهو الملوم عند العقلاء، بل عند الشرع.
التقليد في الموضوعات الشرعيّة
إنّ التقليد يجري في الموضوعات الشرعيّة و وجهه واضح.
فإنّ بيان حقيقة هذه الموضوعات مثل الصلاة و نحوها، و ما يعتبر فيها، و ما يفسدها إنّما يكون بيد الفقيه دون غيره. إنّ هذه الموضوعات ممّا له دخل في الأحكام، فيجب أخذها من الفقيه.
[المسألة 68] وظائف المجتهد
المسألة 68: لا يعتبر الأعلميّة فيما أمره راجع الى المجتهد إلا في التقليد، و أمّا الولاية على الأيتام و المجانين و الأوقاف التي لا متولّي لها و الوصايا التي لا وصيّ لها و نحو ذلك فلا يعتبر فيها الأعلميّة.
نعم، الأحوط في القاضي أن يكون أعلم من في ذلك البلد أو في غيره ممّا لا حرج في الترافع إليه.
إنّ الوجه في جميع ذلك إطلاق ما استدلّ به على ثبوت الولاية العامّة للفقيه،
لكن قد تنظّروا في دلالته و قالوا: لا دليل على ولايته إلا في باب القضاء، و بناءً على صحّة هذا القول يكون ثبوت الولايات المذكورة في المتن من باب ولاية الحسبة، و هي القربة المقصود منها التقرّب إلى الله تعالى، و موردها كلّ معروف علم إرادة نفس وجوده في الخارج شرعاً من غير نظر من الشارع إلى من يوجد ذلك المعروف.
ثمّ قالوا: مقتضى القاعدة فيها ولاية الأعلم مع التمكّن من الوصول إليه؛ لأنّه القدر المتيقّن من دليلها الذي هو الإجماع أو الضرورة.
أقول: كون الأعلم قدراً متيقّناً لمن ثبتت له هذه الولايات محلّ تأمّل و إن سلّمناه في المرجعيّة و الإفتاء، و احتمال كون الأعقل أو الأعدل قدراً متيقّناً في هذا الباب أولى.
و أمّا وجه الاحتياط في اعتبار الأعلميّة في القاضي فهو الوجه في اعتبار الأعلميّة في المفتي على الأحوط، لكن هناك قائل بتعيّنه.
قال العلامة(قده)في القواعد:
لو كان أحدهم أفضل تعيّن الترافع إليه حال الغيبة، أمّا حال ظهور الإمام فالأقرب جواز العدول إلى المفضول؛ لأنّ خطأه ينجبر بنظر الإمام[1].
إنّ القضاء مورد للتخاصم و اللجاج و العناد، فيمكن أن يعتبر فيه أُمور لسدّ باب اللجاج أو لزواله.
[المسألة 69] اعلام المجتهد عن تبدّل رأيه
المسألة 69: إذا تبدّل رأي المجتهد هل يجب عليه إعلام المقلّدين أم لا؟ فيه تفصيل: فإن كانت الفتوى السابقة موافقة للاحتياط فالظاهر عدم الوجوب، و إن كانت مخالفة فالأحوط الأعلام، بل لا يخلو عن قوّة.
علّق الشيخ ضياء الدين العراقي على قوله: «فالظاهر عدم الوجوب» قائلًا:
مع بقاء مقلّده على إتيانه برجاء الواقع، و إلا فمع عدم المشروعيّة يجب إرشاده إلى
[1]قواعد الأحكام، ج 2، ص 200 201.
ما يراه تكليفاً فعلًا في حقّه، اللهمّ أن يدّعي منع قيام الدليل على وجوب إرشاد الجاهل عند عدم مخالفة عمله للواقع، مع فرض اعتقاده بعدم تشريعه في قصده[1].
أقول: لازم صحّة هذا الكلام إمّا عدم جواز إفتاء المفتي بالاحتياط، أو وجوب الإعلام عليه، بأن يأتي المستفتي بالعمل الاحتياطي برجاء إدراك الواقع، و ذلك بحث عامّ لأصله له بصورة تبدّل الرأي، و قد تقدّم البحث عن ذلك بالتفصيل في المسألتين «48 و 58»، فراجع.
[المسألة 70] العامّي و إجراء لأصل
المسألة 70: لا يجوز للمقلّد إجراء أصالة البراءة أو الطهارة أو الاستصحاب في الشبهات الحكميّة، و أمّا في الشبهات الموضوعيّة فيجوز بعد أن قلّد مجتهده في حجّيّتها، مثلًا: إذا شكّ في أنّ عرق الجنب من الحرام نجس أم لا ليس له إجراء أصالة الطهارة، لكن في أنّ هذا الماء أو غيره لاقته النجاسة أم لا يجوز له إجراؤها بعد أن قلّد المجتهد في جواز الإجراء.
أنّ التقليد في إجراء الأصل الحكمي مثل التقليد في مسائل أُصول الفقه، و قد مرّ البحث عنه في «المسألة 67».
مضافاً إلى أنّ إجراء الأصل في الشبهة الحكميّة موقوف على الفحص عن الدليل الاجتهادي و اليأس عن وجوده، و العامّي عاجز عن ذلك، فإنّ الفحص و اليأس موقوفان على فهم دلالة الدليل، و على الوصول إلى ما يمكن أن يكون معارضاً له، فحال هذا العامّي حال المجتهد الذي لم يفحص عن الدليل الاجتهادي.
و المراد من عدم جواز إجراء الأصل الحكمي للعامّي معناه الوضعي، و هو عدم الأثر لإجرائه، و إذا حصل اليأس عن الدليل للمجتهد و أخبر بذلك العامّي فهل يجوز له إجراء الأصل الحكمي أم لا؟ وجهان: أوجههما عدم الجواز؛ لعدم أثر عملي
[1]تعليقة استدلاليّة، ص 15.
بل و علمي لإجرائه بعد إجرائه بوسيلة المفتي، و لعدم معرفته بما يرد على ذلك من الإشكالات في إجراءات الأُصول، و قد يشترك الأصل الموضوعي مع الحكمي في الوجه الأخير.
[المسألة 71] مجتهد لم تعرف عدالته
المسألة 71: المجتهد غير العادل أو مجهول الحال لا يجوز تقليده و إن كان موثوقاً به في فتواه، و لكن فتاواه معتبرة لعمل نفسه، و كذا لا ينفذ حكمه، و لا تصرّفاته في الأُمور العامّة، و لا ولاية له في الأوقاف و الوصايا و أموال القصّر و الغيّب.
قد مرّ البحث عن اشتراط وصف العدالة في المفتي تفصيلًا.
ثمّ إنّ حجّيّة فتوى غير العادل لنفسه، و عدم جواز تقليده عن غيره؛ لعدم صدق الجاهل عليه، و إنّ من يعرف الطريق لا يسأل عنه، فهو غير مأمور بالسؤال عن أهل الذكر، كما أنّ الراوي لا يرجع إلى الراوي. و عليه سيرة العقلاء أيضاً، فإنّهم يجوّزون للعارف أن يعمل بمعرفته، و لم يصل الردع عنها في الشرع، و من المعلوم أنّ سيرة أصحاب الأئمّة «كانت جارية على العمل بفتياهم، و كان ذلك بمعرفة من المعصوم(عليه السلام)، و دعوى عدالة جميع صحابتهم غير مقبولة.
و أمّا اشتراط العدالة في المجتهد لتنفيذ حكمه و تصرّفاته في الأُمور العامّة، و في ولايته على الأوقاف و الوصايا، و على أموال القصّر و الغيّب فلكون المجتهد العادل هو المتيقّن ممّا خرج عن عموم الأصل العقلي و الشرعي الحاكم بالعدم.
[المسألة 72] الظنّ بالفتوى
المسألة 72: الظنّ بكون فتوى المجتهد كذا لا يكفي في جواز العمل إلا إذا كان حاصلًا من ظاهر لفظه شفاهاً، أو لفظ الناقل، أو من ألفاظه في رسالته، و الحاصل أنّ الظنّ حجّة إلا إذا كان حاصلًا من ظواهر الألفاظ، أو من الناقل.
إنّ الحكم في هذه المسألة مبتن على عدم تماميّة مقدّمات الانسداد، و القول بعدم
حجّيّة مطلق الظنّ، فالحجّة من الظنون منحصرة بما ثبتت حجّيّته بالخصوص، بمعنى أنّه دلّ دليل على حجّيّته، و يسمّى بالظنّ الخاصّ.
فمن الظنون الخاصّة الظنّ الحاصل من ظواهر الألفاظ، و قد دلّ على حجّيّته بناء العقلاء، و قد تبيّن ذلك في أُصول الفقه.
و أمّا حجّيّة الظنّ الحاصل من نقل الناقل فقد تقدّم البحث عنها بالتفصيل.
و الحمد لله الذي يسّر لنا هذا، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و أسأله التوفيق، فإنّه خير رفيق للبحث و التحقيق، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.
المصادر و المآخذ
القرآن الكريم
الاحتجاج: العلامة أبو منصور الطبرسي، من علماء القرن السادس، تحقيق إِبراهيم بهادري، الطبعة الأُولى، مجلّدان، قم، انتشارات أُسوة، 1413.
الإحكام في أُصول الأحكام: سيف الدين الآمدي عليّ بن سالم (551 631)، إعداد السيّد الجميلي، الطبعة الثانية، 4 أجزاء في مجلّدين، بيروت، دار الكتاب العربي، 1406/ 1986 م.
الاستبصار فيما اختلف من الأخبار: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (460385)، حقّقه و علّق عليه الحجّة السيّد حسن الخرسان، الطبعة الثالثة، 4 مجلّدات، بيروت، دار الأضواء، 1406/ 1985 م.
أقرب الموارد: سعيد الخوري الشرتوني، 3 مجلّدات، قم مكتبة آية الله المرعشي، 1403 هق.
أمالي الصدوق: الشيخ الجليل الأقدم أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (م 381)، الطبعة الخامسة، بيروت، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1400/ 1980 م.
أوثق الوسائل في شرح الرسائل: الحاجّ ميرزا موسى التبريزي ابن الميرزا جعفر بن أحمد التبريزي، صحّحه زين العابدين بن عليّ، قم، انتشارات كتبي، [أُوفست 1397].
إيضاح الفوائد في شرح القواعد: فخر المحققين محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي