و ثانياً: إن أراد بقوله: «فالأحكام الواقعيّة منجزّة إلخ» بنحو الوجوب التخييري بأن يكون مخيّراً بين الاستنباط و بين تقليد غيره، كما هو ظاهر خبر حمّاد، فهو في قبال العاجز عن فهم مداليل الأمارات، و هو الذي قد تعيّن عليه التقليد، فذلك غير مفيد.
و إن كان المراد من تنجّز الأحكام الواقعيّة من طريق الأمارات بنحو الوجوب التعييني فهو دعوى بلا دليل، بل يشبه المصادرة، و إنّ ذلك أوّل الكلام، و مثل ذلك قوله: «إنّ التقليد خاصّة بمن لا حجّة عنده» فهو دعوى أيضاً بلا دليل، فيقال في قبال هذا الكلام: إنّ أدلّة التقليد خاصّة بمن لا يعلم سواء أ كان متمكّناً من الاستنباط أم لا.
و في ختام البحث نشير إلى ترك الاستفصال في كلام الهادي(عليه السلام): عن سؤال أحمد بن إسحاق حيث قال: من أُعامل؟ أو عمّن أخذ؟ و قول من أقبل؟ فأجاب(عليه السلام): «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع، فإنّه الثقة المأمون»[1]. فالجملة الأولى من الجواب تشير إلى حكاية الثقة عن معنى قول الإمام، و لا يكون ذلك إلا باجتهاد من العمري، و الثانية التي تبدأ بقوله: «و ما قال لك» تشير إلى حكاية لفظ الإمام.
ثمّ لا بأس بدعوى الإطلاق لكلتا الجملتين، و أنّهما مترادفتان، و إذا أضفت إلى ذلك معرفتك بمنزلة أحمد بن إسحاق في العلم و الفضل تكون دلالة النصّ لديك على ما ذكرنا أصرح و أبين.
المجتهد و التقليد عنه
المقصود من المجتهد في هذا البحث من كان قد استنبط الأحكام بالفعل، و جواز تقليد غيره عنه بديهي فطري، و من الواضح أنّ من لا يعرف الطريق فهو بحسب طبعه يسأل العارف به، و المجتهد بالنسبة إلى أحكام الشرع هو العارف الخبير، و قول مثله حجّة على غيره عند العقل و العقلاء، و إذا كان موصوفاً بصفات معتبرة في المفتي
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 4.
و المرجع فقوله حجّة لغيره عند الشرع أيضاً؛ إذ تصدق عليه العناوين الواردة في الكتاب و السنّة على ما سيجيء تفصيله إن شاء الله تعالى.
و لا يخفى أنّه لا يعتبر في مرجعيّة المجتهد للتقليد أن يكون قائلًا بانفتاح باب العلم و العلمي؛ لصدق تلك العناوين على القائل بالانسداد أيضاً؛ إذ لا يصحّ سلب الراوي للأحاديث عنه، كما لا يصحّ أن يسلب عنه وصفا العارف بالأحكام و الناظر في الحلال و الحرام عند العرف.
و من البديهي أنّه لا فرق في مدارك الأحكام بين القائل بالانفتاح و بين القائل بالانسداد و إن كانا مختلفين في وجه حجّيّة تلك المدارك، فإنّ هذا الاختلاف لا يوجب صحّة سلب العالم عرفاً عن قائل بالانسداد، فمقوّم الصدق لتلك العناوين حصول العلم بالمدارك و هو حاصل لهما، و إنّ المدارك التي يستخرج منها الحكم لدى الانفتاحي بعينها هي التي يستخرج منها الحكم لدى الانسدادي.
فظهر النظر فيما ذكره في الكفاية من:
أنّ الرجوع إلى القائل بالانسداد ليس من رجوع الجاهل إلى العالم بل إلى الجاهل، و أدلّة جواز التقليد دلّت على جواز رجوع غير العالم إلى العالم، و قضيّة مقدّمات الانسداد ليست إلا حجّيّة الظنّ عليه لأعلى غيره.[1]وجه النظر أنّ الإرشاد في الإرجاع إلى رواة الأحاديث في قوله(عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا»[2]بنحو الإشارة إلى أمر معهود خارجي و هو الأحاديث الموجودة التي رواها الأصحاب، و ودّعوها في كتبهم. فمن وصل إلى هذه الأحاديث، و ميّز الموثوق منها عن غيره، و عرف مداليلها فهو المرجع في الأحكام الشرعيّة، و هذان الوصفان مشتركان بين المجتهد الانفتاحي و الانسدادي، و لا وجه لتوهّم اختصاصهما بالانفتاحي دون الانسدادي.
[1]كفاية الأُصول، ج 2، ص 424. مع اختلاف يسير.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 140، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 9.
و إن أبيت عن ذلك فإطلاق قوله(عليه السلام): «فارجعوا» إلخ متناول للأحاديث الموجودة في الكتب المشتهرة بين القوم، و لا ريب في أنّ المجتهد الانسدادي رأو لتلك الأحاديث مثل المجتهد الانفتاحي.
و كيف كان ليس الإرشاد فيه بنحو القضيّة المهملة حتّى يكون الوصول إلى الأحاديث المقصودة، و معرفة مداليلها موقوفاً على انفتاح باب العلم أو العلمي، فإنّه عند الانسداد لا يعرف أنّ الحجّة هل هي هذه الأحاديث أم غيرها؟ و لعلّ الخلط بين القضيّتين الخارجيّة و المهملة، أو المطلقة و المهملة صار منشأ لهذا التوهّم.
و أمّا قوله: «و قضيّة مقدّمات الانسداد» إلخ فلا يخلو من خفاء؛ لأنّ قضيّة مقدّمات الانسداد و إن كانت حجّيّة الظنّ على المجتهد الانسدادي دون غيره، لكن وظيفة العامّي ليس الفحص عن وجه حجّيّة الأدلّة، بل وظيفته عقلًا الرجوع إلى العالم، و شرعاً الرجوع إلى من تصدق عليه العناوين الواردة. و لا ريب في صدق كلّ منهما عرفاً على المجتهد الانسدادي بمثل ما يصدقان على المجتهد الانفتاحي، فليست الشبهة مصداقيّة في الانسدادي.
ثمّ إنّ اختصاص الحجّة بالمجتهد الانسدادي غير مانع من رجوع العامّي إليه؛ لأنّ نتيجة الانسدادي هو أنّ المجتهد القائل به يقول بأنّ هذه الأحاديث المودّعة في كتب الأصحاب حجّة من باب حجّيّة الظنّ المطلق، و هذا المذهب غير مستلزم لسلب وصف رواية الأحاديث و معرفتها عنه. فإذا فرضنا أنّ مجتهداً قال بحجّيّة هذه الأحاديث من باب كونها مكتوبة فهل ترى يجوز سلب هذا الوصف عنه؟ أم هل ترى يصحّ سلب عنوان العارف بالأحكام عنه؟ كِ؛ فإنّ رواية حديث و معرفة مدلوله لا يلزم القول بحجّيّته، فالقول بحجّيّة حديث أمر، و روايته و معرفة مدلوله أمر آخر، قد يجتمعان و قد يفترقان، ذلك في أصل الحجّيّة فكيف الحال في وجه الحجّيّة؟
و إن شئت توضيحاً لذلك فاصغ لما نتلو عليك و هو: أنّ المستفاد من قوله(عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» أنّه يشترط في المرجع أمران:
أحدهما: معرفة الأحاديث الموثوقة الصدور عنهم بشهادة إضافة الأحاديث إلى
ضمير المتكلّم، و هذه المعرفة ترجع إلى معرفة السند.
ثانيهما: معرفة متون هذه الأحاديث و مداليلها بشهادة لفظ الرواة.
و المجتهد الانسدادي حائز للمعرفتين بمثل المجتهد الانفتاحي، و دعوى اتّصاف الثاني بهما دون الأوّل غير مسموعة لدى العقل السليم.
و بعبارة أُخرى: أنّ المرجعيّة يدر مدار صدق عنوان العالم الذي يفرضه العقل لنا، صدق عنوان الراوي و العارف بتلك الأحاديث الذي يفرضه الشرع لنا، و من البديهي عند العرف صدق العنوانين على المجتهد الانسدادي.
و لست أدري! هل يلتزم طاب ثراه بانسداد باب التقليد، و وجوب العمل بالاحتياط إذا انحصر المجتهد في القائل بالانسداد؟ و هل يقول بإجراء دليل انسداد آخر عندئذ؟ هذا كلّه مضافاً إلى ما ذكره المدقّق الأصفهاني من صدق العلم و المعرفة على مطلق الحجّة القاطعة لعذر، فيصدق العارف بالأحكام على من كانت له الحجّة على أحكامهم، و قد أطلقت المعرفة على الاستفادة من الظواهر، كما في قوله(عليه السلام): «يعرف هذا و أشباهه من كتاب الله»[1]و قوله(عليه السلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا»[2].
[1]وسائل الشيعة، ج 1، 2 ص 464، الباب 39 من أبواب الوضوء، ح 5.
[2]وسائل الشيعة، ج 27، ص 117، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 27.
الاجتهاد و التجزّؤ
المجتهد و القضاء
قوله(عليه السلام): «من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته حاكماً»[1]. ظاهر في نصب المجتهد المطلق للقضاوة من جهة صدق الأوصاف الثلاثة عليه: رواية الحديث، و النظر في الحلال و الحرام، و المعرفة بالأقضية و بموازين القضاء عندهم(صلوات الله عليهم أجمعين).
و لا فرق فيمن وصف بالأوصاف الثلاثة بين كونه مجتهداً انفتاحيّاً أو انسداديّاً؛ لما عرفت من أنّ الاختلاف في وجه الحجّيّة لا يوجب سلب هذه الأوصاف عن المجتهد الانسدادي.
فظهر فساد ما ذكره في الكفاية ب: «أنّ المجتهد الانسدادي ليس ممّن يعرف الأحكام»[2].
وجه ظهور الفساد أنّ معرفته بالأحكام قطعي؛ إذ ليس لهم(صلوات الله عليهم)أحكام غير الأحكام التي عرفها المجتهد الانسدادي، غايته أنّ ثبوت حجّيّة هذه الأحكام عنده ليس على الطريق الذي ثبتت حجيّتها عند الانفتاحي، و طريق حصول
[1]وسائل الشيعة، ج 27، ص 300، الباب 32 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى، ح 2.
[2]كفاية الأُصول، ج 2، ص 426.
المعرفة عنده غير نفس المعرفة، و اختلاف أسباب حصول العلم لا يوجب سلب صفة العلم.
ثمّ إنّ ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة و أمثالها اعتبار فعليّة الاستنباط في القاضي بشهادة قوله(عليه السلام): «نظر في حلالنا و حرامنا».
فلا يكفي صرف القوّة، و محض الملكة في نفوذ قضاء المجتهد، و الواجد للملكة غير المستنبط فعلًا، غير منصوب في الشرع لمنصب القضاء.
التجزّؤ و إمكانه
يقصدون من الإمكان في هذا الباب الوقوعي منه، و الإمكان الوقوعي هو الذي لا يستلزم من وقوع الموصوف به محال.
و اختلفوا في إمكان المتجزّئ، فقال قوم بأنّ المتجزّئ ممكن، و قال قوم آخرون باستحالته.
و الذي ينبغي أن يقال: إنّ الحكم باستحالة وقوع المتجزّئ ليس ببديهي، و لكنّ الحكم بعدم بداهة الاستحالة بديهي، فالحكم بالاستحالة مفتقر إلى الدليل و قد ذكروا لها دليلين:
أحدهما: أنّ التجزّؤ في الاجتهاد إذا كان ممكناً لزم إمكان التجزّي في الملكة و هو محال؛ لأنّ الملكة من مقولة الكيف، و الكيف من البسائط الخارجيّة التي لا تقبل القسمة.
و يرد عليه أوّلًا: بالنقض بالتفاضل الواقع بين المجتهدين بأن كان أحدهما أفضل من الآخر؛ إذ هو على هذا القول يعدّ تجزّؤاً في الملكة، فإنّ الملكة الموجودة في المفضول شطر من الملكة الموجودة في الأفضل.
و ثانياً: بالحلّ و هو نفي الملازمة بين التجزّؤ في الاجتهاد، و التجزّؤ في الملكة، فإنّ التجزّؤ في الاجتهاد ليس من هذا القبيل، بل من قبيل ضعف الملكة، و إنّ الملكة الحاصلة للمتجزّئ ملكة ضعيفة، كما أنّ الملكة الحاصلة للمجتهد المطلق ملكة قويّة،
و وقوع الدرجات و المراتب في الملكات، و في سائر الكيفيّات ممّا لا ينكر.
و أمّا عدم قبول مقولة الكيف القسمة فغير مناف لحصول مراتب في الطبيعة، فإنّ الشدّة و الضعف واقعان في جميع أقسام الكيف، بل وقوعهما في الألوان و الأصوات و الروائح من البديهيّات. و قد خلط المستدلّ بين وقوع الدرجات و قبول التشكيك، و بين قبول القسمة.
ثانيهما: أنّ الاجتهاد في مسألة متوقّف على النظر في جميع أدلّة الفقه من جهة احتمال وجود دليل متعلّق بتلك المسألة، و القادر على هذا النظر مجتهد مطلق، و غير القادر لا يكون مجتهداً حتّى في تلك المسألة أيضاً.
و يرد عليه أوّلا: بمنع الصغرى و هو أنّ الاجتهاد في كلّ مسألة غير متوقّف على النظر في جميع أدلّة الفقه.
و ثانياً: أنّ النظر في أدلّة مسألة للفحص عن دليل مسألة أُخرى غير مستلزم للاجتهاد في المسألة الأولى؛ لأنّ النظر للفحص عن الدليل غير النظر في دلالة الدليل.
إذا تقرّر ذلك فالتحقيق يقتضي إمكان المتجزّئ، و المكابر منازع لاقتضاء عقله السليم، فإنّ المقصود من التجزّؤ في الاجتهاد وجود ملكات مختلفة في الشدّة و الضعف، فالملكة الضعيفة من المراتب الأولى للكيفيّات الراسخة النفسانيّة، و الملكة القويّة من المراتب العليا، و ما بين المرتبتين متوسّطات، و البرهان على وقوع المراتب في الملكات وقوع التفاضل العلمي بين العلماء و الفقهاء و المجتهدين، و المجتهد المفضول مع كونه صاحب ملكة الاجتهاد غير قادر على مثل اجتهاد الأفضل في مسألة واحدة.
و ممّا يدلّ على وقوع التجزّؤ في الاجتهاد أنّه من البيّن اختلاف مسائل الفقه بحسب المدارك غموضاً و وضوحاً، و أنّ الاجتهاد في مثل الأُولى محتاج إلى ملكة قويّة بخلاف الاجتهاد في مثل الثانية، فإنّه يكفي فيه وجود ملكة ضعيفة.
على أنّ اختلاف المجتهدين بحسب الفهم و الذكاء، و اختلافهم أيضاً من حيث إتقان بعض مقدّمات الاجتهاد دون أُخرى مثل اختلافهم في سرعة الوثوق بالحكم و بطئه يوجب اختلاف حصول الملكة شدّة و ضعفاً، و هذا معنى وقوع المتجزّئ و إمكانه.
التجزّؤ و عمله برأيه
و اختلفوا أيضاً في جواز عمل المتجزّي برأيه في الحكم الذي استخرجه من الحجّة.
فنقول: إنّ الأصل الأوّلي الفطري و الأصل العقلائي حاكمان بجواز عمل كلّ عالم بعلمه، و من البيّن أنّ المتجزّي عالم في المسألة التي اجتهد فيها، و ليس هناك ما يمنع شرعاً من اقتضاء هذا الأصل فهو المعتمد.
نعم، لو فرض اختصاص حجّيّة الأمارات، و الأُصول العمليّة بالمجتهد المطلق لكان ذلك مانعاً، و لكن لم نعثر على دليل لهذا الاحتمال، و إطلاق أدلّة حجّيّتها يدفعه، و لا دليل على حجّيّة قول المجتهد المطلق للمتجزّئ؛ لأنّ دليل جواز التقليد يختصّ بالجاهل و بغير أهل الذكر، و المتجزّئ ليس بجاهل، بل هو من أهل الذكر في المسألة التي اجتهد فيها.
التجزّؤ في مبادئ الاجتهاد
و هل يجوز للمتجزّئ أن يعمل برأيه إذا كان متجزّئاً في مبادئ استنباط المسألة بأن كان مقلّداً في بعض مداركها دون بعض، سيّما إذا حصل له استنباط مخالف لاستنباط المجتهد المطلق أم لا؟
احتجّ الشيخ العراقي في المقالات على عدم الجواز ب: «أنّ الجاهل ببعض جهات المسألة جاهل بنفس المسألة؛ لأنّ النتيجة تابعة لأخس المقدّمات»[1].
أقول: ذلك مصادرة في الكلام؛ فإنّه نفس الدعوى، و هي أنّ مثل هذا الشخص هل يجوز له العمل برأيه أم لا؟
و يلزم من هذا الاحتجاج خروج أكابر المجتهدين عن دار الاجتهاد، فإنّ كثيراً منهم غير مجتهدين في بعض ما يتوقّف عليه الاستنباط كالعلوم العربيّة و المنطق و الرجال.
[1]مقالات الأُصول، ج 2، ص 202.