محال لأنّ الاجتهاد عبارة عن ملكة الاقتدار فى ادلّة الأحكام، و الملكة من البسائط لانّه من مقولة الكيف، و الكيف من البسائط لا يتجزّى فلا يقبل القسمة، و على هذا كيف يمكن القول بتجزّى الاجتهاد. و قد اجابوا: عن هذا الإشكال بالنقض و الحل.
امّا النقض بوجود التفاضل الواقع بين المجتهدين المطلقين، بان كان احدهما اعلم من الآخر، اذ هو على هذا الحال يعدّ تجزّيا فى الملكة، فانّ الملكة الموجودة فى المفضول شطر من الملكة الموجودة فى الأعلم، مع كونهما مجتهدين مطلقين.
و امّا الحلّ، هو نفى اللازم بين التجزّى فى الاجتهاد و التجزّى فى الملكة، فانّ التجزّى فى الاجتهاد ليس من قبيل تجزّى الملكة، بل هو من قبيل ضعف الملكة فيه، فانّ الملكة الحاصلة للمتجزّى ضعيفة، كما انّ الملكة الحاصلة للمجتهد المطلق ملكة قويّة جدّا. و وقوع الدرجات، و كذا المراتب فى الشدّة و الضعف ممّا لا ينكر.
و امّا عدم قبول مقولة الكيف، القسمة، غير مناف لحصول المراتب فى الطبيعة الكليّة، فانّ الشدّة و الضعف واقعان فى جميع اقسام الكيف. بل وقوعها فى الالوان و الاصوات من البديهيّات. و قد خلط هنا عند القائل، بين وقوع الدرجات و التشكيك فى الكلّى، و بين القول بالقسمة.
الدليل الثانى للاستحالة:
إنّ ابواب الفقه مرتبطة بعضها ببعض من حيث الدليل، فانّ الخلوة مع الأجنبية مثلا، دليل حرمتها روايتان، إحداهما فى كتاب الإجارة و الاخرى فى كتاب الطلاق، فلا يحصل للمتجزّى مع عدم الاحاطة بجميع ابواب الفقه، التفقّه بالحكم، او يمكن وجود دليل مخالف لدليله فى ساير الابواب، فيلزم الاشراف بالأدلّة من الكتب الروائيّة.
و على هذا فيكون الاجتهاد فى مسئلة متوقّف على النظر فى جميع ادلّة الأحكام، من جهة احتمال وجود دليل متعلّق بالمسألة فى ساير ابواب الفقه، و من كان قادرا بهذا المقدار من النظر، فهو مجتهد مطلق، و من لم يقدر كذلك فليس بمجتهد اصلا
حتّى فى مسألة واحدة، فلا يمكن تحقّق المجتهد المتجزّى، او التجزّى فى الاجتهاد.
و امّا الجواب عن هذا الإشكال:
اوّلا بمنع الصغرى و هو انّ الاجتهاد فى كلّ مسئلة غير متوقّف على النظر فى جميع ادلّة الفقه.
و ثانيا بمنع الكبرى، فانّ ابواب الفقه كانت منضبطة مشخّصة، خصوصا فى القرون المتأخّرة، فانّ الفقهاء و المحدّثون(رضوان اللّه تعالى عليهم)، قد جعلوا للفقه ابوابا معيّنة و مبيّنة مسائلها، كما انّ المحدّثون قد جعلوا للاخبار الواردة عنهم(عليهم السلام)ابوابا يذكر فيها جميع ما يتعلّق بالمسألة المناسبة لذلك الباب غالبا.
فاذا تفحّص المجتهد فى ذلك الباب، فقد اطّلع على كلّ دليل مرتبط بذلك المسألة، فيطمئنّ بعدم وجود دليل آخر، لانّه اذا وجد، لذكروه فى الباب، فاحتمال وجود دليل آخر يصير بعيدا بالنظر. فلو لا جهد الماضين من العلماء(رضوان اللّه تعالى عليهم)بالمبلغ الّذى كان بأيدينا، لكان للاشكال وجه.
و لكن هم البالغون فى الجهد و الجدّ فى جمع الأدلّة، فقد كان طريق الاستنباط واضحا منضبطا، (فشكر اللّه تعالى مساعيهم الجميلة).
التّحقيق امكان التجزّى:
اذا تقرّر ذلك، فالتّحقيق يقتضى امكان التجزّى، و المكابرة، منازعة لا اقتضاء لها عقل سليم.
و المقصود من التجزّى فى الاجتهاد هو وجود ملكات متعدّدة مختلفة فى الشدّة و الضعف، فالملكة الضعيفة من المراتب الأدنى، للكيفيّات الراسخة فى النّفس، كما انّ الملكة القويّة فى غاية القوّة من المراتب العليا فى النفس، و ما بين المرتبتين متوسّطات فى حدّها.
و البرهان على وقوع هذه المراتب فى الملكات، هو وقوع التفاضل العلمى بين الفقهاء و المجتهدين و المجتهد المفضول مع كونه صاحب ملكة الاجتهاد، فى بعض
المسائل، و لكن غير قادر على مثل اجتهاد الأفضل فى الأحكام.
الإشكال و جوابه:
و على هذا فان قيل انّ المبادى الّتى هى دخيلة فى حصول قوّة الاستنباط، كثيرا ما لا تكون بيد المجتهد المتجزّى، فكيف يمكنه الاستنباط فى الحكم بدون الاحاطة الكاملة؟
قلنا بانّ المبادى الّذى يصعب الاجتهاد فيه مثل انّ الأمر بالشىء هل يقتضى النهى عن ضدّه ام لا؟ او انّ اطلاق الأمر هل يقتضى التعبّدية او التوصّلية، او غير ذلك، ربّما لا تحتاج فى بعض المسائل السهلة، فالمجتهد المتجزّى لا يحتاج الى الوصول اليها فى اجتهاده. فاذا كان المسألة سهلة التأول فى الدليل، فلا اشكال فى تحصيل العلم بالحكم للمتجزى.
و من البيّن انّ اختلاف المسائل الفقهيّة بحسب المدارك غموضا و وضوحا، دليل واضح على تحقّق التجزّى فى الاجتهاد، و انّ الاجتهاد فى الأوّل يحتاج الى ملكة قويّة، بخلاف الثانى، فيكفى مجرّد ملكة ضعيفة على الاجتهاد فيه.
و مضافا انّ اختلاف المجتهدين بحسب الفهم و الذكاء و كذا اختلافهم من حيث الإتقان فى بعض المقدّمات الاجتهادية، مثل سرعة الوثوق بالدليل و بطئه، يوجب حصول الملكة شدّتا و ضعفا و هذا مقصودنا فى تحقّق التجزّى و امكانه.
نتيجة البحث هنا:
فتحصّل ممّا ذكرنا انّه لا اشكال فى امكان تحقّق التجزّى فى الاجتهاد و تحقّق المجتهد المتجزّى كما بيّناه فى المقام.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
المتجزّى و له العمل برأيه
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
المتجزّى و له العمل برأيه
اختلف كلمات القوم هنا:
فقد اختلف كلمات القوم هنا فى جواز عمل المجتهد المتجزّى برأيه فى الحكم الّذى استخرجه عن مدارك الأحكام. ام يجب عليه التّقليد من المجتهد المطلق، ما دام متجزّيا، حتّى يحصل له البلوغ فى العلم و يصير كاملا فى الاطّلاع على ادلّة الأحكام و استنبط كثيرا، فيكون مجتهدا مطلقا فيعمل برأيه؟ ففيه بحث و نظر.
الأصل الأوّلى جواز العمل برأيه:
فنقول: انّ الأصل الأوّلى الفطرى و الأصل العقلائى حاكمان بجواز عمل كلّ عالم بعلمه.
و من البيّن انّ المتجزّى عالم فى المسألة الّتى اجتهد فيها، و ليس هناك ما يمنع ذلك شرعا من اقتضاء هذا الأصل فهو المعتمد المتّبع.
نعم لو فرض اختصاص حجيّة الإمارات و الاصول العمليّة بالمجتهد المطلق، لكان ذلك مانعا، و لكن لم نعثر على دليل لهذا الاحتمال. و اطلاق ادلّة حجيّتها يدفعه ايضا.
و لا دليل على حجيّة قول المجتهد المطلق، للمتجزّى لانّ دليل جواز التّقليد يختصّ بالجاهل، و بغير اهل الذكر و العلم، و المتجزّى ليس بجاهل، بل هو عالم و من اهل الذّكر و عالم فى المسألة الّتى اجتهد فيها.
فالحقّ انّه يجوز للمتجزّى ان يعمل برأيه، لأنّه عالم بالنسبة متخصّصة فى المسألة، و دليل التّقليد، و هو رجوع الجاهل الى العالم لا يشمله، لانّه هو عالم بالنسبة الى ما علّمه من الدّليل، فلا اشكال فى عمله بعلمه.
الحكم اذا كان انسداديا:
ثمّ إنّه ربّما يقال هنا انّ المجتهد المتجزّى لو كان انسداديّا لا يجوز له ان يعمل باجتهاده، لانّ الانسدادي جاهل بالواقع، فلا بدّ من رجوعه الى العالم بالحكم.
و يظهر الجواب ممّا سبق، من ان البحث فى صورة حصول الظنّ للمتجزّى بالنسبة الى الحكم، و هو حجّة عليه، على فرض كون نتيجة مقدّمات الانسداد حجيّة الظنّ على الحكومة.
نعم ربّما لا يحصل للمتجزّى ظنّ فى الحكم حسب مقدّمات الانسداد حتّى يكون حجّة عليه، مثل ما اذ وجد عنده رأى مخالف فى الحكم من الفقهاء، فلا يحصل حينئذ من المقدّمات ظنّ فى الحكم، فهذا خارج عن محلّ الكلام.
و على هذا فإذا حصل الظنّ للمتجزّى الانسدادي من جهة تماميّة المقدّمات عنده، فلا شبهة فى حجيّة ذلك لنفسه حسب ما أدّى اليه اجتهاده، فله ان يعمل بما وفّقه علمه. فليس له الرجوع الى غيره.
نتيجة البحث فى المقام:
فتحصّل ممّا ذكر انّ المجتهد المتجزّى مطلقا، سواء كان انفتاحيّا او انسداديّا، يجوز له ان يعمل برأيه على طبق ما أدّى اليه ظنّه، و تمّ له الحجيّة شرعا.