و المكروهات و خصوصا فى كثير من العبادات يعملون بمداليل الأحاديث الواردة فى الباب، فيقلّدون فى حجيّة تلك الأحاديث اذا صرّح مؤلّف امين فى كلامه مثل المفيد و الصّدوقين و غيرهما، فيعمل المجتهدون حسب مداليلها على ما يفهمون منها.
السّيرة العقلائيّة:
و منها سيرة العقلاء قائمة على ذلك حيث انّ لكلّ متخصّص فى علم يرجع فى مقدّمات ما يبحث عنه الى من يكون له تخصّص و اطّلاع فيها، فيجعل علمه سلّما للصّعود الى ما يبحث عنه و الوصول الى ما يقصد فى اجتهاده و رأيه. مثل الأطباء فانّهم كثيرا ما يرجعون فى كلّ مقدّمة من مقدّمات علاج الأمراض، الى من يكون متخصّصا فى المقدّمات، فيعمل حسب علمه ثمّ يحكم بنظره فى علاج مريضه. و هكذا غيرهم من العلماء فى الفنون المختلفة.
حكم المجتهد المطلق المتجزّى:
و منها: انّ قوّة المجتهد المطلق فى مسئلة فقهيّة لا يكون حجّة للمتجزّى بنظره، لأنّ المتجزّى اذا كان واثقا برأيه فلا يحتمل الاصابة فى حقّ المجتهد المطلق فاذا كان الأمر كذلك، فلو كان الحال انّ المتجزّى ايضا لا يجوز ان يعمل برأيه. فيلزم ان ينسدّ عليه باب الاجتهاد و التّقليد، لعدم حجّة قول الغير عليه و عدم جواز عمله بعلمه، فيجب عليه العمل بالاحتياط. و ذلك بعيد عن الشرع فى حقّه قطعا لا سيّما لمثله.
المتجزّى و جواز التّقليد منه
هل يجوز التّقليد عن المتجزّى:
و هنا بحث فى انّ المجتهد المتجزّى هل يجوز تقليد الغير عنه. ام لا؟
بمعنى انّه فيما استنبطه من الحكم فى بعض المسائل، فيجوز للعوام التّقليد منه فى ذلك المسائل المستنبطة، برأيه ام لا يجوز؟
فقد وقع فيه النظر كما فى السابق. فى الجواز و عدمه.
و لنفرض كونه أعلم فيما تجزّى فيه من الأحكام. مثلا من كان هو اعمّ فى خصوص احكام المعاملات فقط او فى خصوص احكام العبادات فقط، كما نسب الى بعض الأعلام من الفقهاء العظام، انّه كان أعلم فى باب المعاملات، فى مقابل من كان هو أعلم فى باب العبادات.
ففيه قولان: جواز التّقليد عنه و عدمه.
دليل الجواز و مقتضى السّيرة هنا:
فان كان الدليل على جواز تقليد الغير عن المجتهد المتجزّى فى المسألة الّتى اجتهد فيها، هو السّيرة العقلائية الّتى قائمة على جواز ذلك من دون تردّد، فهو لأنّ العقلاء لا يفرّقون فى الرجوع الى العالم بالحكم بين كون الشخص من المتخصّصين فى ذلك العلم، فى مسئلة واحدة او مسائل فقط، و بين كونه متخصّصا فى جميع مسائل ذلك
العلم و العارف بتمام خصوصيّاته. و يحكمون فى الرجوع الى المتجزّى بالنسبة الى هذه المسألة الواحدة و الى الرجوع الى المتخصّص الخبير بالنسبة الى جميع مسائل ذلك الفنّ فى جميع فروعه و خصوصيّاته. فحينئذ فيجوز تقليد الغير عن المتجزّى فى ما اجتهد و استنبط.
ثمّ إنّ الملاك الموجب لجواز رجوع الجاهل الى العالم الموجود فى المجتهد المطلق، هو بعينه موجود فى المتجزّى.
و ذلك احاطته بمدارك المسألة و اجتهاده فيها فيجوز الرجوع اليه فى ذلك المسألة ان كان هو اعلم، لوجود الملاك.
نعم لا يجوز الرجوع اليه، فى المسائل الّتى تتوقّف معرفة حكمها على معرفة حكم غيرها من المسائل، لأنّه حينئذ يلزم للمتجزّى ان يعرف احكام ذلك المسائل ايضا و لكن هذا خلاف الفرض و خارج عنه.
فبناء على هذا يكون حكم العقل و سيرة العقلاء حاكمة بانّ ملاك الجواز للتقليد عن المتجزّى، و هو رجوع الجاهل الى العالم موجود فيه، فيجوز الرجوع اليه و التّقليد عنه. هذا بمقتضى حكم العقل و السيرة العقلائية.
دليل الجواز و مقتضى الأدلّة اللفظيّة:
و امّا اذا كان الدليل، مقتضى الأدلّة الشرعيّة المستفاد من الروايات، فانّه ان قلنا بكونها ارشاديّا الى حكم العقل فى هذا الباب فلا اختلاف بين الدليلين العقلى و النقلى فى جواز الرجوع الى المتجزّى.
و ان قلنا بانّها فى مقام التأسيس و الإرجاع الى العالم العارف بالأحكام و الحلال و الحرام، فلا يصدق بالنسبة الى المتجزّى، فيشكل الجواز.
و لكن يمكن ان يقال بانّه لم يرد من الشرع ما يردع عن اجراء السيرة العقلائية فى المقام بالنسبة الى المتجزّى، فيصدّق بانّه عالم بالمسألة، و اذا كان اعلم فى ذلك فلا شبهة فى جواز الرجوع اليه فيه، بل وجوبه.
احتمال انصراف العناوين:
و امّا القول بانصراف العناوين الواردة فى النصوص، مثل راوى الحديث، او العارف بالأحكام، او اهل الذكر، او الفقيه، عن المجتهد المتجزّى الّذى استنبط فى مسئلة او مسائل فقط، بدعوى انصرافها الى من حصلت له معرفة مقدار معتدّ به من المسائل و قوّة جامعة فى الاجتهاد فى جلّ الأحكام، فلا تشمل على من كان عارفا بمسألة فى مثل هذا المتجزّى، فله وجه و لكن كون ذلك رادعا عن السيرة العقلائية، فهو محل تأمّل، لانّ انصراف لفظ عن معنى، يساوى السكوت عنه فلا يدلّ على السلب عنه.
و الرادع يحتاج الى وجود نهى صريح، بل و تعدّد النهى اذا كانت السيرة قويّة كثير الدوران بين النّاس.
الإشكال و جوابه:
هذا، و يمكن القول بانّ السيرة محتاجة الى الامضاء من ناحية الشرع، فكيف الأمر هنا.
و لكن الجواب عنه، انّ السكوت عن مثل هذه السيرة. الّتى كانت بمرأى و مسمع من الشارع طوال زمن كثير، بل طوال قرن و قرنين، و هذا يعدّ امضاء للعمل بالسّيرة.
و لو كان عدم ارتضاء الشارع لمثل هذه السيرة، موجودا لظهر و شاء، فعدم وجود الثانى دليل على عدم وجود الاوّل.
المحقّق الخراسانى و نظره:
لكن قد اشكل المحقّق الخراسانى(قدّه)، بانّ جواز التّقليد من مثله محلّ تأمّل، بل منع.
لا لمحكم العقل و سيرة العقلاء الّذى قدّرناه، بل من جهة وجود الإشكال فى صدق العارف بالأحكام عليه، لأنّ العارف بالمعنى المصطلح هو المجتهد المطلق الّذى
عنده جلّ احكام الشريعة لو لا الكل، و قد استنبط كثيرا منها، فهذا هو العارف بالأحكام، و امّا العارف بالنسبة الى مسئلة او مسائل محدودة لا يصدق عند العرف انّه عارف كذا. و على هذا فيمنع جواز رجوع العامى على المتجزّى و لو فى المسألة الّتى اجتهد فيه.
و الجواب عنه:
و يظهر الجواب عنه، ممّا سبق منّا تفصيلا، بانّ السّيرة العقلائيّة من رجوع الجاهل الى العالم بالحكم و لو بالنسبة الى مسئلة فلا فرق للمتجزّى و المطلق، لأنّ المتجزّى ايضا فى استنباطه فى المسألة الواحدة مجتهد، و انّه عالم بالنسبة اليها فيجوز الرجوع اليه فى ذلك المسألة، خصوصا اذا كان هو أعلم فيها، فيجوز الرجوع اليه.
اذا كان الدليل هو الرواية:
و ان كان الدليل فى جواز التّقليد عن المتجزّى هو الرواية فى مثل رواية ابى خديجة، و مقبولة عمر بن حنظلة، و انّ العارف بالأحكام لا يصدق على المتجزّى على التفصيل الماضى، فيشكل جواز التّقليد عنه.
فعمل المتجزّى برأيه امر، و جواز التّقليد عنه فى ذلك الّذى استنبطه امر آخر، فإذا لم يصدق عليه أنّ عارف بالأحكام من حيث دليل جواز التّقليد، فلا يجوز تقليد العامى عنه.
و لكنّك قد عرفت فيما سبق ممّا قلنا، انّه و ان كانت العناوين منصرفة الى من حصلت له معرفة مقدار معتدّ به من المسائل الاجتهادية، حتّى يجوز التّقليد عنه، الّا انّها ليست رادعة، عن السيرة العقلائية فى صدق عنوان العالم على المتجزّى فى ما استنبطه، فيجوز تقليده منه.
الإشكال و جوابه:
لا يقال انّ الاجتهاد ملكة نفسانيّة مستقرّة فى النفس و هى تحصل بكثرة الاستنباط.
و امّا المتجزّى فليس له كثرة فى استنباطه فلا يكون مجتهدا اصلا.
لانّا نقول انّ هذا الإشكال كما قاله، يرجع الى عدم تحقّق اصل الاجتهاد للمتجزّى و نتيجة الإشكال انّه لا يحصل له باجتهاده بعض المسائل انّه ذو ملكة نفسانيّة اجتهادية، فلا يكون مجتهدا اصلا.
و قد اجبنا عنه فى ما سبق فى مقام تصوير امكانه للمتجزّى، أنّ مبادى الأحكام تختلف صعوبة و سهولة، فربّما يحصل العلم للمتجزّى لسهولة بعض المبادى الحكم له، فلا اشكال فى تحقّقه فى ذلك.
نعم و فى النفس الشىء فان منصب الإفتاء و المرجعيّة الدينيّة امر عظيم، فلا يصدق هذا المنصب لمثل المتجزّى الّتى لا يعرف مواضع الأحكام الدينيّة الّا بعض المسائل.
فهو امر مسلّم مقبول و انّه ليس اهلا لذلك المنصب العظيم لعدم صدق العناوين الواردة عليه فى تصدّى هذا المنصب و المرجعيّة الدينيّة، فلا غرو عليه.
فالحقّ على ما قاله المحقّق الخراسانى(قدّه)من عدم جواز الرجوع اليه، بمعنى انّه لا يجوز له التّصدى لهذا المنصب العظيم الإسلامى و هذا امر آخر خارج عن محلّ الكلام.
المتجزّى و القضاء
امّا جواز حكم المجتهد المتجزّى و القضاء بين النّاس، و عدم جوازه.
صاحب الكفاية و نظره:
قال المحقّق الخراسانى صاحب الكفاية، انّه اشكل من جواز التّقليد منه. و لكن لم يبيّن سرّه، و الظاهر أنّ السرّ فى عدم تصدّى القضاء، انّه يمكن انّ جواز التّقليد منه دليله هو الفطرة و السيرة العقلائية من رجوع الجاهل الى العالم بالحكم و هو صحيح فى حقّه. و امّا منصب القضاء فهو جعل من الشارع، و لم يكن للفطرة دخل فيه.
و بيان ذلك، أنّ القضاء بين الناس منصب من المناصب الالهيّة و كلّ منصب كذلك موقوف على النصب من ناحية من له الولاية على ذلك، من دون فرق بين المناصب الالهيّة و المناصب البشريّة.
الأصل العقلى فى المقام:
انّ الأصل العقلى و العقلاء و الشرع، حاكم بعدم نفوذ حكم احد على احد، و حاكم بعدم صلاحية احد للقضاوة، سوى من علم خروجه عن هذا الأصل، بالنصب.
و من المعلوم خروج المجتهد المطلق الجامع للشرائط عن هذا الأصل بنصّ من الشارع بالدليل على ما بأيدينا، فانّ المناصب الالهيّة تتوقّف على اخبار من جانب اللّه تعالى، إمّا رأسا كما فى انبيائه و رسله و اوليائه، و إمّا بواسطة رسله و اوليائه.
و لم يعلم، نصب المتجزّى من الشارع لهذا المنصب الأعلى.
فانّ الظاهر من مقبولة عمر بن حنظلة الواردة فى هذا المقام، هو اختصاص القضاء بالمجتهد المطلق اذ الفاظ العناوين الواردة مثل قوله(ع)نظر فى حلالنا و حرامنا.
منطبق على المجتهد المطلق فبقى المتجزّى على حاله.
الخروج من الأصل تخصيصا:
و امّا قول الإمام الصادق(ع)فى رواية ابن حنظلة: «انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر فى حلالنا و حرامنا، و عرف احكامنا، فارضوا به حكما، فإنّى قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فانّما بحكم اللّه استخفّ، و علينا ردّ، و الرادّ علينا، الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه عزّ و جلّ».[1]
و على هذا فالمدار لنفوذ القضاء عند الشرع، هو صدق الأوصاف الثلاثة على القاضى للشرع، و هى الراوى للحديث، و الناظر فى الحلال و الحرام، و العارف بالأحكام. و هذا الصدق متوقّف على معرفة الأحكام بمقدار معتدّ به من المسائل معرفة اجتهاديّة حتّى يصدق عليه العناوين، و هو المجتهد المطلق.
و حينئذ يكون المتجزّى باق على حاله تحت عموم الأصل، و هو عدم نفوذ حكم أحد على احد. و هذا الأصل ثابت عند الشرع و العقلاء، فلا حكم للمتجزّى فى باب القضاء.
مشهورة ابى خديجة و ما يستفاد منها:
فان قلت: انّ السند ليس مجرد المقبولة فقط، بل يكون مشهورة ابى خديجة فى المقام، يدلّ على جواز القضاء للمتجزى. و هى دلالتها على انّ عرفان شىء من القضاء، او عرفان شىء من قضاياهم.
[1]- فروع كافى ج 3/ 358 و تهذيب الأحكام للشيخ الطوسى ج 3/ 48 و الجامع باب السابع من المقدّمة 133.