بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 119

عنده جلّ احكام الشريعة لو لا الكل، و قد استنبط كثيرا منها، فهذا هو العارف بالأحكام، و امّا العارف بالنسبة الى مسئلة او مسائل محدودة لا يصدق عند العرف انّه عارف كذا. و على هذا فيمنع جواز رجوع العامى على المتجزّى و لو فى المسألة الّتى اجتهد فيه.

و الجواب عنه:

و يظهر الجواب عنه، ممّا سبق منّا تفصيلا، بانّ السّيرة العقلائيّة من رجوع الجاهل الى العالم بالحكم و لو بالنسبة الى مسئلة فلا فرق للمتجزّى و المطلق، لأنّ المتجزّى ايضا فى استنباطه فى المسألة الواحدة مجتهد، و انّه عالم بالنسبة اليها فيجوز الرجوع اليه فى ذلك المسألة، خصوصا اذا كان هو أعلم فيها، فيجوز الرجوع اليه.

اذا كان الدليل هو الرواية:

و ان كان الدليل فى جواز التّقليد عن المتجزّى هو الرواية فى مثل رواية ابى خديجة، و مقبولة عمر بن حنظلة، و انّ العارف بالأحكام لا يصدق على المتجزّى على التفصيل الماضى، فيشكل جواز التّقليد عنه.

فعمل المتجزّى برأيه امر، و جواز التّقليد عنه فى ذلك الّذى استنبطه امر آخر، فإذا لم يصدق عليه أنّ عارف بالأحكام من حيث دليل جواز التّقليد، فلا يجوز تقليد العامى عنه.

و لكنّك قد عرفت فيما سبق ممّا قلنا، انّه و ان كانت العناوين منصرفة الى من حصلت له معرفة مقدار معتدّ به من المسائل الاجتهادية، حتّى يجوز التّقليد عنه، الّا انّها ليست رادعة، عن السيرة العقلائية فى صدق عنوان العالم على المتجزّى فى ما استنبطه، فيجوز تقليده منه.

الإشكال و جوابه:


صفحه 120

لا يقال انّ الاجتهاد ملكة نفسانيّة مستقرّة فى النفس و هى تحصل بكثرة الاستنباط.

و امّا المتجزّى فليس له كثرة فى استنباطه فلا يكون مجتهدا اصلا.

لانّا نقول انّ هذا الإشكال كما قاله، يرجع الى عدم تحقّق اصل الاجتهاد للمتجزّى و نتيجة الإشكال انّه لا يحصل له باجتهاده بعض المسائل انّه ذو ملكة نفسانيّة اجتهادية، فلا يكون مجتهدا اصلا.

و قد اجبنا عنه فى ما سبق فى مقام تصوير امكانه للمتجزّى، أنّ مبادى الأحكام تختلف صعوبة و سهولة، فربّما يحصل العلم للمتجزّى لسهولة بعض المبادى الحكم له، فلا اشكال فى تحقّقه فى ذلك.

نعم و فى النفس الشى‌ء فان منصب الإفتاء و المرجعيّة الدينيّة امر عظيم، فلا يصدق هذا المنصب لمثل المتجزّى الّتى لا يعرف مواضع الأحكام الدينيّة الّا بعض المسائل.

فهو امر مسلّم مقبول و انّه ليس اهلا لذلك المنصب العظيم لعدم صدق العناوين الواردة عليه فى تصدّى هذا المنصب و المرجعيّة الدينيّة، فلا غرو عليه.

فالحقّ على ما قاله المحقّق الخراسانى(قدّه)من عدم جواز الرجوع اليه، بمعنى انّه لا يجوز له التّصدى لهذا المنصب العظيم الإسلامى و هذا امر آخر خارج عن محلّ الكلام.


صفحه 121

المتجزّى و القضاء

امّا جواز حكم المجتهد المتجزّى و القضاء بين النّاس، و عدم جوازه.

صاحب الكفاية و نظره:

قال المحقّق الخراسانى صاحب الكفاية، انّه اشكل من جواز التّقليد منه. و لكن لم يبيّن سرّه، و الظاهر أنّ السرّ فى عدم تصدّى القضاء، انّه يمكن انّ جواز التّقليد منه دليله هو الفطرة و السيرة العقلائية من رجوع الجاهل الى العالم بالحكم و هو صحيح فى حقّه. و امّا منصب القضاء فهو جعل من الشارع، و لم يكن للفطرة دخل فيه.

و بيان ذلك، أنّ القضاء بين الناس منصب من المناصب الالهيّة و كلّ منصب كذلك موقوف على النصب من ناحية من له الولاية على ذلك، من دون فرق بين المناصب الالهيّة و المناصب البشريّة.

الأصل العقلى فى المقام:

انّ الأصل العقلى و العقلاء و الشرع، حاكم بعدم نفوذ حكم احد على احد، و حاكم بعدم صلاحية احد للقضاوة، سوى من علم خروجه عن هذا الأصل، بالنصب.

و من المعلوم خروج المجتهد المطلق الجامع للشرائط عن هذا الأصل بنصّ من الشارع بالدليل على ما بأيدينا، فانّ المناصب الالهيّة تتوقّف على اخبار من جانب اللّه تعالى، إمّا رأسا كما فى انبيائه و رسله و اوليائه، و إمّا بواسطة رسله و اوليائه.


صفحه 122

و لم يعلم، نصب المتجزّى من الشارع لهذا المنصب الأعلى.

فانّ الظاهر من مقبولة عمر بن حنظلة الواردة فى هذا المقام، هو اختصاص القضاء بالمجتهد المطلق اذ الفاظ العناوين الواردة مثل قوله(ع)نظر فى حلالنا و حرامنا.

منطبق على المجتهد المطلق فبقى المتجزّى على حاله.

الخروج من الأصل تخصيصا:

و امّا قول الإمام الصادق(ع)فى رواية ابن حنظلة: «انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر فى حلالنا و حرامنا، و عرف احكامنا، فارضوا به حكما، فإنّى قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فانّما بحكم اللّه استخفّ، و علينا ردّ، و الرادّ علينا، الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه عزّ و جلّ».[1]

و على هذا فالمدار لنفوذ القضاء عند الشرع، هو صدق الأوصاف الثلاثة على القاضى للشرع، و هى الراوى للحديث، و الناظر فى الحلال و الحرام، و العارف بالأحكام. و هذا الصدق متوقّف على معرفة الأحكام بمقدار معتدّ به من المسائل معرفة اجتهاديّة حتّى يصدق عليه العناوين، و هو المجتهد المطلق.

و حينئذ يكون المتجزّى باق على حاله تحت عموم الأصل، و هو عدم نفوذ حكم أحد على احد. و هذا الأصل ثابت عند الشرع و العقلاء، فلا حكم للمتجزّى فى باب القضاء.

مشهورة ابى خديجة و ما يستفاد منها:

فان قلت: انّ السند ليس مجرد المقبولة فقط، بل يكون مشهورة ابى خديجة فى المقام، يدلّ على جواز القضاء للمتجزى. و هى دلالتها على انّ عرفان شى‌ء من القضاء، او عرفان شى‌ء من قضاياهم.

[1]- فروع كافى ج 3/ 358 و تهذيب الأحكام للشيخ الطوسى ج 3/ 48 و الجامع باب السابع من المقدّمة 133.


صفحه 123

فالمشهورة دليل فى المقام لقضاء المتجزّى و هو كاف فى الرجوع اليه فلا نحتاج الى صدق العناوين و كونه مجتهدا عارفا بجملة معتدّ بها من الأحكام.

و فى المشهورة، قال ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع): «إيّاكم ان يحاكم بعضكم بعضا، الى اهل الجور، و لكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإنّى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه».[1]

فانّ مفهوم الشى‌ء فى المشهورة، عامّ متناول لمن يعلم مسئلة واحدة و قضيّة واحدة.

الجواب عن المشهورة:

قلت: انّ الظاهر من قوله(ع)يعلم شيئا من قضايانا او قضائنا، هو العلم بجملة معتدّة بها من الأحكام. و لا يكون هو صادقا فى حقّ من فهم مسئلة من المسائل عن دليلها.

لأنّ مفهوم الشى‌ء و ان كان عامّا فى نفسه، الّا أنّ تقييده بقوله(ع)من قضايانا او قضائنا، يوجب تضييقا عرفيّا لسعة مفهومه عند العرف.

فإنّ معنى اللغوى من لفظ الشى‌ء، هو القليل الجزئى، إلّا انّ المتبادر العرفى من هذا الكلام أجنبىّ عن هذا المعنى، و منصرف الى مقدار معتدّ به من القضايا، و المفهوم العرفى مقدّم على المفهوم اللغوى هنا.

فالمقصود من لفظ الشى‌ء هو المقدار المعتدّ به من غير فرق بين كون لفظة (من) فى قوله(ع)من قضايانا، بيانيّة او تبعيضيّة، فانّ البعض ايضا يكون المراد منه البعض المعتدّ به. فلا تعارض بين النصوص المقبولة و المشهورة.

نتيجة البحث:

فتحصّل ممّا ذكرنا انّ المجتهد المتجزّى لا يكون هو مرجعا للقضاء بين النّاس شرعا.

[1]- وسائل الشيعة ج 18 باب 1 من ابواب القاضى فروع كافى ج 3/ 385 و التهذيب ج 3/ 48.


صفحه 124

المتجزّى و امور حسبيّة

تصرّف المتجزّى فى الأمور الحسبيّة:

وقع البحث هنا فى انّ المجتهد المتجزّى هل يجوز تصدّيه فى الأمور الحسبيّة، ام لا.

و المقصود من الأمور الحسبيّة، هو الوظائف الّتى يطلب من الشارع، القيام بها و التصدّى لأمرها. تقرّبا الى اللّه سبحانه و تعالى.

و هى الأمور الّتى تكون محلّا لابتلاء النّاس و موردا لحاجاتهم، بحيث لو لم يكن لها من يتصدّى بها من قبل الشرع، لوقع الناس فى حرج و ضيق و ضنك.

و ذلك مثل القيام لحفظ اموال الغائب او القاصر و ان شئت قلت. الولاية عليها لحفظها و اصلاحها.

و هكذا الولاية على مجهول التولية من الموقوفات، و الولاية على مجهول المالك، او الولاية على المال الّذى لا يمكن ارجاعه الى مالكه، او الولاية فى اصلاح ما يلزم اصلاحه. و غير ذلك من الأمور العامّة الّتى يجب القيام فى اصلاحها و التصدّى بها لئلّا تبطل و لا تتضيّع.

دليل الحكم فى الجواز:

و امّا الدليل على وجوب القيام بها، هو بعض النصوص الواردة فى موارد خاصّة، و وجود الإجماع، و الضّرورة من الشرع و العقل.


صفحه 125

و المتيقّن من هذه الأدلّة، هو المجتهد المطلق العارف بالوظائف الدينيّة جامعة، و هو الّذى يصلح عند الشرع للقيام بهذه الأمور، و لا يصلح غيره من جهة عدم وجود اطلاق لفظىّ فى الدليل حتّى يتناول غيره. فلم يرد رخصة من ناحية الشرع لقيام غيره بهذه الأمور.

الأصل الاولى الحاكم فى المقام:

و امّا الأصل الأوّلى التشريعى العقلى الحاكم فى المقام، بعدم ثبوت ولاية احد على احد، او عدم نفوذ تصرّفات احد فى اموال غيره.

و الخارج من هذا الأصل الكلّى المجتهد المطلق حسب الدليل الشرعى و ضرورة عقليّة بانّه الأمين القدر المتيقّن.

فبقى حال المتجزّى تحت عموم الأصل الكلّى، فلا يجوز له التصرّف منه شرعا من حيث انّه لا يشمله الدليل فى المقام.

صورة عدم التمكّن الى المجتهد المطلق:

نعم اذا فقد المجتهد المطلق الّذى يكون فى لسان الدليل التصريح به، يصل النوبة الى عدول المؤمنين عامّة.

ففى هذا المقام يمكن القول بتقدّم المتجزّى العادل عن غيره من افراد عدول المؤمنين لافضليّة العالم على الجاهل و لو بالنسبة الى بعض المسائل.

هل الحكم وضعىّ ام لا:

و هل يكون هذا التقدّم هنا من المتجزّى و لازم، بحيث لا نفوذ لتصرّفات غيره فى الحسبيّات فيحكم بحرمتها مع وجود المتجزّى، ام لا؟ فله وجهان:

من انّ العالم هو المتيقّن فى صورة الدوران بين التّعيين و التّخيير. فتصير ولاية العامى الجاهل، مشكوكة، و تبقى تحت أصالة عدم الجواز فى التصرّف، فتعيّن وجوب‌


صفحه 126

تصرّف المتجزّى.

و من انّ احتمال التعيين، لا بدّ له من منشأ حكمىّ من جانب الشرع حتّى يكون دليلا عليه، و حينئذ لا تعيّن فى جواز تصرّفه. و امّا تفضيل العالم على العامى فى ما ورد فى القرآن و السنّة، تفضيل تكريمى، و ليس هو التفضيل الوضعى، و على هذا فلا يكون هو دليلا على تعيّن تقديمه على غيره.

التقدّم تفضيلى للمتجزّى:

نعم كان تقديم المجتهد المتجزّى العالم ببعض المسائل اجتهادا له وجه لا يخفى لطفه، لتفضيله من حيث المرتبة. فلا غبار عليه فى النظر.