و هنا جهتان من البحث:
احتمال الخطاء فى الرأى السابق:
الصورة الأولى: صورة احتمال تبدّل رأيه لاحتمال الخدشة فى رأيه السابق، فهل يجوز البقاء على اجتهاده الاوّل ام لا بدّ له من اجتهاد جديد حتّى يقطع بالحكم؟
و قد نسب الى شيخنا الأعظم الأنصارى(قدّه)، انّه قال: لا بدّ فى كلّ مسئلة شرعيّة من استحضار الدّليل للمجتهد حتّى يعلم الحكم فى الحال. و هذا امر صعب جدّا، و تكون السيرة على خلافه.
و على هذا الفرض، اى احتمال تبدّل الرأى و الشكّ فى رأيه السابق. ربّما يقال بجواز الاستصحاب بالنسبة الى الرأى السابق و العمل به.
و الحقّ عندنا، عدم جريان الاستصحاب، بل لا بدّ من فحص جديد كما قاله الشيخ الأعظم.
و السرّ فى ذلك انّ جريان الاستصحاب لا بدّ له من اثر شرعى حتّى يصحّ التعبّد به، و ترتّب جواز عمل المجتهد على ما فهمه اوّلا، يكون من الآثار العقليّة، فلا يصحّ التعبّد بما حكم به العقل، بعد جواز العمل بالرأى، فلا يجوز الاستصحاب فى بقاء حكم العقل بعد ما جوّزه العقل بالعمل فيما سبق.
استصحاب الحكم السابق:
و امّا استصحاب الحكم السابق مثل استصحاب الوجوب او الحرمة، فهو ايضا غير جار على فرض كون وجود الرأى له جهة تقييديّة فى جواز العمل به. اى يكون جواز العمل فى الحكم الفلانى مثلا مقيّدا بوجود الرأى فعلا، بحيث اذا لم يكن الرأى محرزا، لا يكون الحكم المقيد بالرأى محرزا عند عدم احراز جزئه الآخر، فلا يجوز الاستصحاب فى هذه الصورة ايضا.
و امّا استصحاب الحكم اذا لم يكن له جهة تقييديّة لرأى المجتهد فعلا، فيمكن القول
بجريان الاستصحاب و ان لم يحرز الرأى فعلا، فإنّ علّة نفوذ الحكم كونه عن رأى المجتهد و ان لم يحرز فعلا.
و الحاصل انّه حيث نحتمل انّ الواقع منجّزا من قبل رأى المجتهد، فيكون المورد من الشبهات المصداقيّة فيجرى الاستصحاب بسهولة، لقوله(ع)لا تنقض اليقين بالشّكّ بل انقضه بيقين آخر، و هذا مورده.
و امّا على فرض التعارض بين رأيى المجتهدين فلا بدّ من القول بالتساقط. اذا كان كالأمارة طريقا الى الواقع. و ان كانوا لا يقولون به، فانّهم قائلون بالتّخيير بين العمل باحدهما. و كيف كان فالحكم بعدم وجوب الاجتهاد الجديد بعد احتمال الخطأ فى الاجتهاد الأوّل مشكل جدّا بل لزومه لا يخلو من قوّة. الّا أنّ سيرة الفقهاء على خلافه.
و ما نسب الى الشيخ الأعظم من وجوب تجديد الاستنباط، فهو من باب الاحتياط.
هذا بالنسبة الى صورة احتمال تبدّل رأى المجتهد.
و امّا اذا كان الخطأ و التبدّل يقينا، بمعنى ظهور الخطأ بالنسبة الى الاجتهاد السابق يقينى وجدانى و قد حصل للمجتهد القطع بذلك.
فلا خلاف هنا فى وجوب إعادة العمل السابق بمقتضى القاعدة الأولية، اذ الاشتغال اليقينى موجب للبراءة يقينا، و ما دام لم يؤت المأمور به على وجهه، لا يجزى و يخرج عن عهدة التكليف. و على فرض الشكّ فى الاجزاء، فاستصحاب بقاء التكليف جار بلا كلام، و قاعدة الاشتغال حاكمة على استصحاب الخروج عن عهدة التّكليف.
اليقين بالخطاء فى الرأى السابق:
الصورة الثانية: صورة العلم اليقينى للمجتهد بالخلاف بالنسبة الى الرأى السابق، مثل ما اذا كشف له الخلاف بواسطة وجدان امارة على خلاف نظره السابق و ما وجده اوّلا من الإمارة.
و هو امّا ان يكون بتبدّل الظهور من الإمارة مثل تبدّل رأى من لا يرى البئر من العواصم، ثمّ وجده من العواصم بواسطة ملاحظة دليل وجده كقوله(ع): ماء البئر واسع لا يفسده شىء لأنّ له المادّة. و استظهاره كذلك بعد ما استظهر خلاف ذلك فيما سبق من دليل.
او وجد المجتهد دليلا خاصّا بعد دليل العامّ، او وجد دليلا معارضا أقوى من دليل الأوّل، او غير ذلك ممّا يوجب القطع على خلاف الأوّل.
فلا شكّ فى وجوب الإعادة و القضاء هنا، و عدم الاجزاء بالنسبة الى الأعمال السابقة قطعا.
صورة انقلاب الظهور:
و كذا فى صورة انقلاب الظهور من السّابق الى الجديد، فالمتّبع عند العقلاء هو الظهور الفعلى للكلام، و عدم حجيّة ما سقط عنده عن ظهوره.
فعليه تكون الذمّة مشغولة بما هو الواقع فعلا فيجب تجديد العمل بما يوافق الظهور الفعلى.
و هكذا الحال فى الجمع بين العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و تقديم ما هو الأقوى عند التعارض.
فانّ ذلك كلّه يكون هو المتفاهم العرفى من الأدلّة، فالعمل على غير هذا الوجه، غير صحيح لا يجزى لعدم مطابقة المأتى به مع المأمور به، فاشتغال الذمّة بالتكليف باق بعد كشف الخلاف.
الإشكال و جوابه:
فان قلت: انّ الأمارة الّتى قد عمل على طبقها فيما سبق، كانت حجّة شرعيّة عليه فى ظرفها، فلا تخلوا من وجود مصلحة سلوكيّة للامارة، و هو مصلحة التسهيل و على هذا الفرض فالمصلحة الموجودة السلوكية تتكافأ مصلحة الواقع بمقتضى مؤدى
الامارة، و قد ظهر الآن خلافه.
قلت: المصلحة السلوكيّة. فى الامارة مودّة ما دام لا تسقط الامارة عن الحجيّة، و مع سقوطها عن الحجيّة، فلا امارة فى البين، فمن اين تثبت المكافئة مع الواقع.
كشف الخلاف فيما اذا كان الدليل هو الأصل:
الصورة الثالثة: فيما لو كشف الخلاف فى الحكم السابق الموافق للاصل المحرز مثل الاستصحاب او غيره كالبراءة، بواسطة وجدان أمارة مخالفة للسابق. و الحقّ هنا وجوب القضاء او الإعادة ايضا. لانّ دليلية الأصل وظيفة قرّرت للشاك، و بعد ما ثبت ما يخالفه بالدليل، فلا اثر للاوّل، فيجب تجديد العمل، و لا ينافى وجوب الإتيان ثانيا بعد ما ثبت ان التكليف مشتركا بين العالم و الجاهل، و عدم إتيان المأمور به، يوجب تجديد العمل. هذا تمام الكلام على ما تقتضيه القاعدة الاوّلية فى كشف الخلاف فى الاجتهاد السابق و تبدّل رأى المجتهد، فيجب عليه الإعادة او القضاء.
مقتضى القاعدة الثانويّة فى المقام:
و امّا بحسب القاعدة الثانويّة فى المقام، و جريانها فى بعض الموارد. مثل حديث لا تعاد الصلاة فنقول:
جريان حديث لا تعاد:
اعلم انّ لبعض الأحكام مثل الصلاة يكون له قاعدة ثانوية من عدم وجوب الإعادة لما ورد من قوله(ع): لا تعاد الصلاة الّا من خمسة[1]. فالخمس المستثنى ممّا لا خلاف فيه من وجوب الإعادة فيه. و امّا غيره فيكون مشمولا للحديث من عدم وجوب الإعادة، بعد ظهور الخلاف.
[1]- وسائل الشيعة ج 5 باب 10 من ابواب الركوع للصلاة
فالحديث يشمل الجاهل بالموضوع، و الناسى للحكم و الموضوع، و الجاهل البسيط بالحكم اذا كان جهله عن سند كما فى المقام فانّ الإتيان بالصلاة مع احراز الاجزاء تعبّدا بالطرق المعتبرة فى الشرع، يلزم منه عدم وجوب الإعادة ان كان المكلّف جاهلا بالنسبة الى بعض الاجزاء او الشرائط.
و قد ادّعى على عدم وجوب الإعادة و القضاء فى العبادات لوجود الإجماع عليه.
فحينئذ يكون العمل على ما هو الواقع فى الخارج مجزيا عن التكليف.
و فيه: ان الإجماع فثبوته محلّ تأمّل، اذ لم يكن فى هذا البحث فى كتب القدماء اثر اصلا، فانّها من المسائل المستحدثة الّتى لم تكن مبحوثا عنها عندهم، فاين الإجماع فى البين؟
و لو سلّمنا، اصل ثبوت الإجماع، قلنا بان تعبّديته غير ثابت، اذ من المحتمل اعتماد المجمعين على دليل فى المقام، كاستلزام العسر و الحرج مثلا، فلا حجيّة لهذا الإجماع المستند، فدليل الإجماع لا يفيد.
لزوم العسر و الحرج:
و قد يستدلّ على عدم لزوم الإعادة و القضاء، بلزوم العسر و الحرج المنتفيين فى الشريعة المقدّسة، فإعادة المجتهد عمل نفسه حرج عليه و كذا على مقلّديه.
لكن فيه، انّه و ان كانا منتفيين فى الشريعة الّا انّ الحرج يقدّر بقدره. فالمنفىّ ما اذا لزم من ترتّب آثار الفساد على العمل، العسر و الحرج، و امّا فى الصورة الّتى لم يلزم من الحكم بالفساد، ذلك فلا يجريان، و يحكم بالفساد و لزوم تجديد العمل.
مثلا اذا كان مفاد الأمارة السابقة و غيرها من الدليل، جزئيّة شىء او شرطية ذلك فى العمل، و كان مفاد دليل الجديد الّذى وجده المجتهد فى الحال، عدم ذلك الجزئية او الشرطيّة، فوجدان دليل الجديد لا يوجب شيئا حتّى يلزم العسر و الحرج.
مثل ما اذا كان رأى المجتهد من الدليل السابق لزوم العقد بالعربية فعمل به، ثم وجد بحسب الرّأى الجديد، كفاية العقد بالفارسيّة، فانّ هذا النحو من الكشف لا يوجب
العسر و الحرج و لا يفسد العمل.
و كذا كان رأيه وجوب الاحتياط فعمل به، ثمّ رأى الى عدم وجوب ذلك الاحتياط، فليس عليه شىء فلا مجرى لقاعدة الحرج و العسر كلية، هذا اوّلا.
و امّا ثانيا فانّ الحرج الشخصى ربّما يكون بالنسبة الى ذلك الشخص دون غيره، فيدور مدار مورده، فلا يجوز الحكم الكلّى على عدم وجوب الإعادة و القضاء لكلّ احد من المكلّفين.
فيكون الحكم شخصيّا لا نوعيّا.
نعم فى بعض الموارد يكون الحرج النوعى هو الملاك لرفع الحكم فى نظر الشارع، فيدور مداره.
و لا يخفى عليك: انّ تبدّل رأى المجتهد فى مثل الصلاة فى الوقت نادر جدا، فينفى حكم الإعادة، فلا يلزم حرج اصلا.
و امّا القضاء فيمكن ان يتصوّر، لأن مقتضى الدليل دالّ عليه و يلزم القول بالقضاء، لقوله(ع): فاقضه كما هو، او قوله(ع): اقض ما فات كما فات. فإنّ مقتضى هذا الكلام هو وجوب القضاء، فيلزم الحرج.
لكن يمكن إدّعاء عدم شمول الدليل لمثل هذا المورد و لزوم القضاء، لانّه لا يصدق الفوت حينئذ اذا ادّى المكلّف وظيفته على رأيه حسب الدليل الشرعى، فلا معنى للفوت، فلا يجب القضاء.
حديث الرفع هنا:
و يمكن ترتيب آثار الصحّة للعمل على هو واقع فاسدا بحسب الاجتهاد الفعلى ايضا، بقوله(صلّى اللّه عليه و آله)رفع عن امّتى تسعة. الى ان قال(ص)و ما لا يعلمون.
فانّ ما لا يعلم اعتباره و اشتراطه و قد عمل على حسب علمه شرعا، فهو مرفوع عليه، و المراد هو الرفع الواقعى بالنسبة الى الأعمال السابقة، و امّا اللاحقة المتجدّدة، فلا رفع لخروجه عن عنوان ما لا يعلم.
فائدة دقيقة:
انّ النسبة بين حديث الرفع و حديث لا تعاد من قبيل العامّ و الخاصّ، فانّ حديث الرفع عامّ يشمل جميع الموارد حتّى صورة الجهل بالحكم، و امّا حديث لا تعاد خاصّ يخصّصه، و حاكم عليه.
فيلزم الإعادة ان كانت الصلاة فاقدة للجزء الركنى حسب دليل الرفع، فيفيده اطلاق حديث الرفع بقوله لا تعاد و الخاصّ الحاكم بالنسبة الى الدّليل العام.
ثمّ: «ان قوله(ع)لا تعاد الصلاة ..» شامل للقضاء كما هو الظاهر، فانّ المقصود الظاهر من الإعادة هو استيناف العمل، لا الإعادة الاصطلاحيّة فيعم القضاء ايضا، فلا يجب الإعادة فى الوقت و القضاء فى خارجه لمقتضى حديث لا تعاد.
و إن ابيت الّا على ذلك و ان استيناف العمل مختص بالوقت فقط، فيمكن القول بانّ وجوب القضاء قد ترتّب على فوت العمل، و لا فوت هنا، لانّه غير ثابت، لأن المكلّف قد عمل على طبق وظيفته حسب مقتضى دليله الشرعى زمن الإتيان، و الفوت هو عبارة عن عدم صدور الفعل بمقتضى الدليل، و المقام غير ذلك، لصدور الفعل عن المكلّف بمقتضى وظيفته حسب الدليل، فلا فوت حينئذ.
التفصيلات الأخر فى المقام:
و هنا تفصيلات أخر لا بأس بذكره.
المشهور بين الأصحاب:
منها: ما هو المشهور بين الأصحاب من الفرق بين كون السند فى الاجتهاد السابق الأمارة على الموضوعيّة، فيجزى العمل السابق، فلا اعادة و لا قضاء. او كون السند، الأمارة على الطريقيّة، فيجير القضاء و الإعادة.
و هذا من جهة زعم انّ المصلحة فى الامارة على الموضوعيّة تتكافأ مصلحة الواقع،
و امّا على الطريقيّة، فلا مصلحة الّا فى الواقع، و حيث لم تصب الامارة مع الواقع، فلا يجزى.
و لكنّه فيه ما مرّ من عدم احراز التكافؤ فى المصلحة اوّلا، و على فرض الشكّ فى ذلك، فالأصل هو بقاء التكليف و الاشتغال به.
قول المحقّق الخراسانى:
منها: ما عن المحقّق الخراسانى(قدّه): من انّ السند للاجتهاد السابق ان كان هى الأمارة، فحيث ظهر خلافها فلا يجزى العمل على طبقها، و امّا ان كان السند هو الأصل مثل الاستصحاب او البراءة، فيجزى العمل السابق و لا اعادة.
و لذا يقول بعدم وجوب اعادة الصلاة الّتى ورد فيها، تمسّكا بقاعدة الطهارة او استصحابها بعد ظهور الخطاء، خلافا للقوم. و السرّ فى كلامه، هو انّ الاستصحاب عنده يكون معناه جعل الحكم المماثل للواقع فى ظرفه، فكأنّ فردا من الطهارة مجعول فى ظرف استصحابها، و هذا فى صورة عدم كشف الخلاف فى ظرفها، و الّا فالمتّبع وضع الحال.
فكما انّ امر الحكم باليتيم ينتهى بواسطة رفع العذر كذلك ينتهى امر هذه الطهارة بوجدان ما يخالفها.
و امّا قاعدة البراءة فهى وظيفة قدّرت للشاكّ، و الوظيفة ينتهى امرها بواسطة وجدان دليل الحاكم عليها.
و امّا البراءة العقليّة فليس حكمها كذلك من جهة عدم كون العقل شرعا، و ما حكم به من جهة قبح العقاب بلا بيان، و قد ظهر خلافه بالبيان من الشرع.
هذا تمام كلامه قدّه مع تلخيص منها.
و يرد عليه اوّلا ان المبنى فى الاستصحاب باطل، لانّ جعل المماثل لا معنى له، بل الحقّ هو تنزيل الشكّ فيه منزلة اليقين، فالشاكّ فى الواقع يكون كالمتيقّن بحكم الاستصحاب، و يكون المدار على الواقع.