العسر و الحرج و لا يفسد العمل.
و كذا كان رأيه وجوب الاحتياط فعمل به، ثمّ رأى الى عدم وجوب ذلك الاحتياط، فليس عليه شىء فلا مجرى لقاعدة الحرج و العسر كلية، هذا اوّلا.
و امّا ثانيا فانّ الحرج الشخصى ربّما يكون بالنسبة الى ذلك الشخص دون غيره، فيدور مدار مورده، فلا يجوز الحكم الكلّى على عدم وجوب الإعادة و القضاء لكلّ احد من المكلّفين.
فيكون الحكم شخصيّا لا نوعيّا.
نعم فى بعض الموارد يكون الحرج النوعى هو الملاك لرفع الحكم فى نظر الشارع، فيدور مداره.
و لا يخفى عليك: انّ تبدّل رأى المجتهد فى مثل الصلاة فى الوقت نادر جدا، فينفى حكم الإعادة، فلا يلزم حرج اصلا.
و امّا القضاء فيمكن ان يتصوّر، لأن مقتضى الدليل دالّ عليه و يلزم القول بالقضاء، لقوله(ع): فاقضه كما هو، او قوله(ع): اقض ما فات كما فات. فإنّ مقتضى هذا الكلام هو وجوب القضاء، فيلزم الحرج.
لكن يمكن إدّعاء عدم شمول الدليل لمثل هذا المورد و لزوم القضاء، لانّه لا يصدق الفوت حينئذ اذا ادّى المكلّف وظيفته على رأيه حسب الدليل الشرعى، فلا معنى للفوت، فلا يجب القضاء.
حديث الرفع هنا:
و يمكن ترتيب آثار الصحّة للعمل على هو واقع فاسدا بحسب الاجتهاد الفعلى ايضا، بقوله(صلّى اللّه عليه و آله)رفع عن امّتى تسعة. الى ان قال(ص)و ما لا يعلمون.
فانّ ما لا يعلم اعتباره و اشتراطه و قد عمل على حسب علمه شرعا، فهو مرفوع عليه، و المراد هو الرفع الواقعى بالنسبة الى الأعمال السابقة، و امّا اللاحقة المتجدّدة، فلا رفع لخروجه عن عنوان ما لا يعلم.
فائدة دقيقة:
انّ النسبة بين حديث الرفع و حديث لا تعاد من قبيل العامّ و الخاصّ، فانّ حديث الرفع عامّ يشمل جميع الموارد حتّى صورة الجهل بالحكم، و امّا حديث لا تعاد خاصّ يخصّصه، و حاكم عليه.
فيلزم الإعادة ان كانت الصلاة فاقدة للجزء الركنى حسب دليل الرفع، فيفيده اطلاق حديث الرفع بقوله لا تعاد و الخاصّ الحاكم بالنسبة الى الدّليل العام.
ثمّ: «ان قوله(ع)لا تعاد الصلاة ..» شامل للقضاء كما هو الظاهر، فانّ المقصود الظاهر من الإعادة هو استيناف العمل، لا الإعادة الاصطلاحيّة فيعم القضاء ايضا، فلا يجب الإعادة فى الوقت و القضاء فى خارجه لمقتضى حديث لا تعاد.
و إن ابيت الّا على ذلك و ان استيناف العمل مختص بالوقت فقط، فيمكن القول بانّ وجوب القضاء قد ترتّب على فوت العمل، و لا فوت هنا، لانّه غير ثابت، لأن المكلّف قد عمل على طبق وظيفته حسب مقتضى دليله الشرعى زمن الإتيان، و الفوت هو عبارة عن عدم صدور الفعل بمقتضى الدليل، و المقام غير ذلك، لصدور الفعل عن المكلّف بمقتضى وظيفته حسب الدليل، فلا فوت حينئذ.
التفصيلات الأخر فى المقام:
و هنا تفصيلات أخر لا بأس بذكره.
المشهور بين الأصحاب:
منها: ما هو المشهور بين الأصحاب من الفرق بين كون السند فى الاجتهاد السابق الأمارة على الموضوعيّة، فيجزى العمل السابق، فلا اعادة و لا قضاء. او كون السند، الأمارة على الطريقيّة، فيجير القضاء و الإعادة.
و هذا من جهة زعم انّ المصلحة فى الامارة على الموضوعيّة تتكافأ مصلحة الواقع،
و امّا على الطريقيّة، فلا مصلحة الّا فى الواقع، و حيث لم تصب الامارة مع الواقع، فلا يجزى.
و لكنّه فيه ما مرّ من عدم احراز التكافؤ فى المصلحة اوّلا، و على فرض الشكّ فى ذلك، فالأصل هو بقاء التكليف و الاشتغال به.
قول المحقّق الخراسانى:
منها: ما عن المحقّق الخراسانى(قدّه): من انّ السند للاجتهاد السابق ان كان هى الأمارة، فحيث ظهر خلافها فلا يجزى العمل على طبقها، و امّا ان كان السند هو الأصل مثل الاستصحاب او البراءة، فيجزى العمل السابق و لا اعادة.
و لذا يقول بعدم وجوب اعادة الصلاة الّتى ورد فيها، تمسّكا بقاعدة الطهارة او استصحابها بعد ظهور الخطاء، خلافا للقوم. و السرّ فى كلامه، هو انّ الاستصحاب عنده يكون معناه جعل الحكم المماثل للواقع فى ظرفه، فكأنّ فردا من الطهارة مجعول فى ظرف استصحابها، و هذا فى صورة عدم كشف الخلاف فى ظرفها، و الّا فالمتّبع وضع الحال.
فكما انّ امر الحكم باليتيم ينتهى بواسطة رفع العذر كذلك ينتهى امر هذه الطهارة بوجدان ما يخالفها.
و امّا قاعدة البراءة فهى وظيفة قدّرت للشاكّ، و الوظيفة ينتهى امرها بواسطة وجدان دليل الحاكم عليها.
و امّا البراءة العقليّة فليس حكمها كذلك من جهة عدم كون العقل شرعا، و ما حكم به من جهة قبح العقاب بلا بيان، و قد ظهر خلافه بالبيان من الشرع.
هذا تمام كلامه قدّه مع تلخيص منها.
و يرد عليه اوّلا ان المبنى فى الاستصحاب باطل، لانّ جعل المماثل لا معنى له، بل الحقّ هو تنزيل الشكّ فيه منزلة اليقين، فالشاكّ فى الواقع يكون كالمتيقّن بحكم الاستصحاب، و يكون المدار على الواقع.
و هكذا البراءة، فليس معناها جعل حكم فى مقابل الواقع، بل هو حكم الشاك، فإن وافقت الواقع فهو، و الّا فلا بدّ من إتيان الواقع قضاء او اعادة.
تفصيل صاحب الفصول:
منها: تفصيل صاحب الفصول(قدّه)، بين الموضوعات و الأحكام، بقوله، بالاجزاء فى الاوّل دون الثانى.
بتقريب انّ الموضوع الواحد لا يتحمّل حكمين فى اجتهادين، فمن رأى حرمة العصير العنبى و نجاسته اذا غلا بالنار، ثمّ تبدّل رأيه الى ان مطلق الغليان بالنار او بالهواء او بالشمس موجب لذلك، يجب عليه العمل على طبق الرأى الثانى. و من بنى رأيه على طهارة العرق من الجنب بالحرام، ثمّ تبدّل رأيه فرأى نجاسته يجب عليه البناء على الرأى الثانى فى العمل. هذا و امثاله من الموضوعات و قد تبدّل رأيه فى حكمها فالوظيفة، العمل طبق الرأى الثانى.
و امّا فى الأحكام، فيمكن تعدّدا الحكم بلحاظ حالتين. و لكن يرد عليه، بانّ الحقيقة واحدة فى البين يلزم الوصول اليها، فاذا اشتبه الطريق الموصل، فلا بدّ من القول بعدم الأجزاء.
تذكرة مفيدة:
انّه لا فرق بين المجتهد و المقلّد من جهة الحكم بالإعادة او القضاء، و عدمه اذا تبدّل رأى المجتهد.
و السرّ واضح، لأنّ المجتهد كما ظهر له عدم صحّة فتواه لنفسه، فيكون كذلك لمقلّديه ايضا. لأنّه يظهر للمقلّد ايضا عدم السند لعلمه السابق و عدم مطابقته للواقع.
نعم التفصيل الّذى ابدعه المحقّق الخراسانى(قدّه)، من ان السند فى الحكم ان كان هو الأصل من الاصول الشرعيّة فلا تجب الإعادة و القضاء، و ان كان هو الامارة من الامارات، فتجب.
فيأتى هذا التفصيل بالنسبة الى المقلّد ايضا على فرض صحّته، لان وظيفته لم تتغيّر، اذا كان سنده الأصل، او الامارة.
فلا وجه لما قيل هنا، من ان رأى المجتهد، امارة لمقلّديه دائما.
لانّ الرأى طريق الى ما ادّت اليه الأمارة و الى ما ادّى اليه الأصل الذى هو وظيفة للشاكّ و دليل عنده و لمقلّديه.
نتيجة البحث:
و نتيجة البحث فى تبدّل رأى المجتهد فى اجتهاده و استنباطه، يرجع الى امرين.
الأوّل فى اعماله اللاحقة، فيحكم العقل و كذلك الشرع بلزوم الإتيان على اجتهاده الثانى و استنباطه حالّا، فلا يجوز العمل على طبق الرّأى السابق. لوجود الحجّة على فساد رأيه السابق.
الثانى و هو الإعمال السابقة الواقعة على الرأى السابق و اجتهاده.
و هذا القسم، فان لم يكن لها اثر فى زمان كشف الخلاف، فلا معنى لتجديد العمل، و لا نتيجة للبحث عنها كما فى مثال لحم الأرب على التفصيل الّذى ذكرناه.
و ان كان لفساد عمله السابق، اثر فى زمان كشف الخلاف و الخطاء فى الحكم، فهذا المورد يتصوّر وجهين.
امّا صورة احتمال تبدّل الرأى و الخطاء فى السابق، و امّا صورة يقين الخطاء.
فعلى الأوّل يلزم الاجتهاد جديدا حتّى يظهر الحال، و القول بعدم وجوب الاجتهاد السابق و البقاء على ما كان، مشكل جدّا، و ان كان السيرة على خلافه، و كلام الشيخ الأعظم هنا من باب الاحتياط على ما مضى ذكره.
و امّا على الثانى، و انكشاف الخطاء يقينا. فعلى هذه الصورة، فان كان ظهور الخلاف بالعلم الوجدانى و حصول القطع، فلا شبهة فى وجوب الإعادة و القضاء بحسب القاعدة الأوليّة، لانّ المأمور به لم يؤت على وجهه فلا يجزى.
فاستصحاب التكليف جار بلا كلام، و قاعدة الاشتغال حاكمة بإتيان العمل ثانيا على
الاجتهاد الثانى، من غير فرق بين كون المستصحب هو الحكم الفعلى او الحكم الإنشائى.
و امّا ان كان ظهور الخلاف بواسطة وجدان امارة جديدة على خلاف ما وجده سابقا فى الأوّل. او من باب انقلاب الظهور من الاول الى الثانى، من جهة وجدان المخصّص او المقيّد، فهو من باب تبدّل الظهور فى رأى المجتهد، او بواسطة كشف خلاف الحكم الذى وافق للاصل المحرز مثل الاستصحاب.
فالحكم فى جميع هذه الصور، هو وجوب تجديد العمل، لعدم مطابقة المأتى به مع المأمور به. فالاشتغال بالتكليف باق على ما كان بعد كشف الخلاف. هذا بحسب القاعدة الأوليّة.
و امّا بحسب القاعدة الثانوية، يكون فى بعض الأحكام مثل الصلاة، دليل خاصّ على عدم الإعادة و القضاء، لقوله(ع)لا تعاد الصلاة الّا من خمس، فالخمس المستثنى، ممّا لا خلاف فيه، و غيره مشمولا للحديث.
و قد يكون الحكم عدم تجديد العمل، لا ما اتى به حسب الدليل الشرعى فيجزى فانّ الشروع فى الصلاة مع احراز الاجزاء و الشرائط تعبّدا بالطرق المعتبرة عند المجتهد، لازمه هو الأجزاء و عدم وجوب الإعادة و القضاء، فلا اشكال فى شمول الحديث جامعا من حيث إتيان المكلّف على الرأى الشرعى فيجزى، و لا حكم فى البين ثانيا بالنسبة الى الاعمال السابقة.
و قد يستدلّ بالإجماع على الأجزاء و كذا لزوم العسر و الحرج المنفيّين فى الشريعة، بالنسبة الى الاعمال السابقة، فيجزى السابق.
نسيان المجتهد
لو نسى المجتهد ادلّة الأحكام:
الكلام هنا فى نسيان المجتهد أدلّة الأحكام الشرعيّة و اضمحلال رأيه فى مبانى الفقه. فهل يجب عليه الاعلام ام لا؟
و تفصيل الكلام فى جواز بقاء تقليد مقلّديه على رأيه السّابق، ام لا يجوز، له مقام آخر فى باب مباحث التّقليد.
و لكن الكلام هنا فى انّه اذا عرض عليه النّسيان و نسى الأحكام و اضمحلّ رأيه فى المبانى، فيما حفظه، فهل يجب عليه الإعلام او لا يجب، فحينئذ يكون عمل مقلّديه على رأيه السابق من اجتهاده، و يكفى ذلك ما لم يظهر له الخلاف.
فربّما يقال بأنّ هذه المسألة مثل مسئلة البقاء على تقليد الميّت، فكما انّه جائز فكذلك هنا ايضا، لأنّ فوت المجتهد يكون مثل اضمحلال رأيه. و لكن يرد على هذا الاستدلال، انّ البقاء على فرض جوازه، يكون من باب انّ الاجتهاد و الرأى قائمان بنفس المجتهد، و هى لا تفنى بفناء البدن بل باقية و الموت انتقال من نشأة الى نشأة، فالرأى فى اجتهاده باق كذلك.
و امّا اضمحلال الرأى، فليس كذلك لانّه ذهاب عن النفس، فانّ المجتهد الحىّ الناسى عمّا حفظه من ادلّة الأحكام، فهو أسوأ حالا عن الميّت من هذه الجهة.
و لذلك قد نسب الى بعض الأعلام من المجتهدين العظام (رحمهم اللّه تعالى)، انّه
قد ارجع مقلّديه الى غيره، لعروض النسيان له فى اواخر عمره الشريف.
التّحقيق فى المقام:
و التّحقيق فى المقام هو انّ وجوب الإعلام و عدمه يدور مدار كون المسألة من باب شبهات الموضوعيّة او من باب شبهات الحكمية.
فعلى الأوّل لا يجب الإعلام كما لا يجب الفحص فيها، و امّا على الثانى يجب كما يجب الفحص.
و امّا وجه الحكم فى الشبهات الموضوعيّة، هو انّ المقلّد اذا كان مقلّدا لمجتهد يرى جواز استصحاب بقاء الرأى لمقلّديه اذا شكّ فى بقائه، و على هذا الفرض يكون المقام من باب انّ المقلّد شكّ فى بقاء رأى مجتهده ام لا، فيستصحب ذلك. و حيث انّ الاستصحاب حجّة فى حقّه، و يكون عمله مطابقا له، لا يكون باطلا. و على هذا الفرض لا يجب على المجتهد اعلامه. مثل ما كان مستصحب الطهارة، اذا كان هو مشغولا بالصلاة، مع علمنا بنجاسة ثوبه، او عدم صحة وضوئه، لا يجب علينا اعلامه، لان عمله حينئذ صحيح عنده، و كونه عندنا غير صحيح لا يضرّه فى التكليف.
و المقام من هذا القبيل فلا يجب على المجتهد إعلام نسيانه بالأحكام و ادلّتها لمقلّديه.
و امّا وجه الحكم فى الشبهة الحكمية. فهو انّ المقلّد اذا كان رأى مجتهده عدم جواز استصحاب الرأى من جهة شبهة، مثلا، كونه من الأصل المثبت، فلا يجوز له اجراء الاستصحاب، فيكون المقلّد جاهلا بالحكم فيجب على مجتهده إعلامه، لانّه حينئذ راجحة له شرعا بنظر المجتهد، و حيث انّ استصحاب بقاء الرأى لا يجرى عندنا لما مرّ بيانه، فيجب على المجتهد الاعلام نسيانه بالأحكام.
كما انّ يجب عليه، الإعلام لمقلّديه فيما اذا تبدّل رأيه بالنسبة الى حكم، و اضمحل رأيه السابق، لكشف الخطاء عنده على التفصيل الماضى ذكره.