يتّضح ذلك بأمور
الأوّل لزوم الحكومة عقلا:
و هو انّ الإنسان مدنىّ بالطّبع، و من اهمّ الأمور الّذى يحتاج اليه فى حياته الاجتماعية، لزوم الحكومة، و وجود وال سائس يدبّر الأمور فيما يتعلّق بالتّدبير و التنظيم و السياسة و الاقتصاد و القضاء، و التربية و غيرها ممّا يلزمه الحياة البشرية الاجتماعية.
فلا بدّ من حاكم مدير سائس، مجرى العدالة و مدبّر فى نظم الأمور. و قد قال الإمام امير المؤمنين(ع)لا بدّ للنّاس من امير[1]. و هذا امر يحكم به العقل البشرية.
الثانى الإسلام يؤكّد لزوم الحكومة:
انّ الإسلام اكمل الاديان و اتمّها، و هو يؤكّد لزوم الحكومة الالهيّة الاجتماعية فى حفظ النظم و العدالة بين النّاس، و عدم التعدية للحقوق.
و لم يهمل شيئا ممّا يحتاج اليه من شئون الحياة الإنسان، و لا ريب فى انّ من الضّرورى و ممّا يحتاج اليه فى النظام الاجتماعى، نصب الوالى للحكومة و السياسة و تعيين القائد الخبير السائس، فيلزم ان يعرّفه و يبينه بجميع اوصافه و احواله حتّى يعرف الناس.
فلو اهمل الإسلام، هذا الأمر المهمّ، لكان تشريعه ناقصا، و قد ذكرنا انّه اكمل الاديان.
و قد قال النبى(ص)فى حجّة الوداع: «يا معاشر الناس، ما من شىء يقرّبكم الى اللّه و يبعّدكم عن النّار الّا و قد امرتكم به و ما من شىء يبعّدكم من اللّه و يقرّبكم الى النّار الّا و قد نهيتكم عنه»[2].
و قد بيّن رسول اللّه(ص)جميع ما يحتاج اليه النّاس حتّى آداب النّوم و الطعام، و
[1]- نهج البلاغة، الخطبة 40.
[2]- الكافى ج 1/ 186- وسائل الشيعة ج 19/ 271.
حتّى ارش الخدش، فلا يهمل شيئا ممّا يحتاج اليه الناس.
فكيف يمكن ان يهمل هذا الأمر الخطير المهمّ الّذى يكون من أهمّ ما تحتاج اليه الامّة الإسلامية، عليه يتّكى قوام الملّة و نظام الدّين و الدنيا.
اذ لو اهمله هذا الأمر المهمّ الاساسى، لكان تشريعه ناقصا و مخالفا لما خطبه(ص)للنّاس من تبيين كلّ شىء يلزمه الامّة الإسلامية، يوم الغدير حين ولّى علىّ بن أبي طالب اميرا للمسلمين. مع انّه فى زمن حياته قائد الحكومة الإسلامية فى الأمور كلّها.
فلو لم يعيّن تكليف الامّة فى زمان الغيبة مع اخباره بالغيبة و تطاولها، كان هذا نقصا على ساحة التشريع و التقنين.
فالضرورة قاضية بانّ الامّة بعد غيبة الإمام المعصوم(ع)فى تلك الازمنة المتطاولة، انّه لم تترك فى امر السياسة و النظام الّذى هو من اهمّ الأمور الاجتماعية ممّا يحتاج اليه النّاس.
خصوصا مع تحريم الرجوع الى سلاطين الجور و قضائهم و تسميته انّه رجوع الى الطّاغوت، و انّ المأخوذ بحكمهم سحت و حرام، و لو كان الحقّ ثابتا. و هذا امر بديهىّ واضح بضرورة العقل ايضا.
الثالث ورود روايات كثيرة فى الحكومة و تأسيسها:
انّه قد وردت روايات كثيرة من اهل البيت(عليهم السلام)فى لزوم الوالى و الحاكم بين الامّة باوصافه المعتبرة المبيّنة، و هو عزّ الدين و بقاء الإسلام و المسلمين و موجب لانقطاع مطامع الاعداء و كيدهم.
و قد قال مولانا امير المؤمنين(عليه السلام)فى خطبة خطبها فى الصّفين: ... ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها ... و اعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق، حقّ الوالى على الرعيّة و حقّ الرعيّة على الوالى، فريضة فرضها اللّه سبحانه لكلّ على كلّ فجعلها نظاما لالفتهم و عزّا لدينهم، فليست تصلح الرعيّة الّا بصلاح الولاة و لا
يصلح الولاة الّا باستقامة الرعيّة فاذا ادّت الرعيّة الى الوالى حقّه، و ادّى الوالى اليها حقّها، عزّ الحق بينهم، و قامت مناهج الدين و اعتدلت معالم العدل و جرت على اذلالها السنن، فصلح بذلك الزّمان، و فى بقاء الدولة، و يئست مطامع الاعداء ...[1].
و قد فصّل(عليه السلام)جهات الحكومة فى كتابة عهده لمالك الاشتر النخعى تفصيلا جيّدا[2].
و من المعلوم انّ عزّ الإسلام و المسلمين، و قيام مناهج الدين، و جريان العدل و السنن و صلاح الزمان و بقاء الدولة، و كذا انقطاع المطامع للاعداء، كلّها مطلوبة للشّارع الحكيم فى كلّ زمان. و لا يختصّ ذلك بزمن دون زمن. اذ هو مقتضى طبيعة الخلقة و من نواميس الهيّة، و قد بنى الإسلام عليها. و لا يتحقّق ذلك الّا فى ظلّ ولاية الوالى المتّصف بصفات العلم و العمل.
ذكر الوالى فى ابواب الفقه:
و قد ورد فى الاخبار و كثيرا فى السنّة فى ابواب مختلفة، ذكر الوالى و السلطان و الإمام فى ابواب الحجّ، و الزكاة، و الخمس، و الانفال، و الجهاد، و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و كذا فى ابواب البيع، و النكاح و الطلاق و غيرها، المتضمّن جهات نظام الاسرة و إحياء الموات و القضاء و الشهادات و القصاص و الحدود و غيرها، الّتى تدلّ على انّ كيان الإسلام و اجراء الأحكام الالهيّة قد بيّنت على الحكومة و على وجود الإمام الوالى للامّة.
ففى باب الحجّ قد ورد لزوم نصب الوالى اميرا للحاجّ فى تدبير امورهم. و فى باب الزكاة يلزم على الوالى نصب العمّال لأخذها و صرفها الى ما يتعلّق بها فى المصرف، و فى باب الخمس نصب العمّال للأخذ للامام، و فى باب الانفال انّها
[1]- نهج البلاغة الخطبة 207.
[2]- نهج البلاغة الكتابة 53.
للامام و متعلّق به و هكذا فى ساير الابواب على التفصيل الّذى ورد فى الروايات[1].
و بالجملة انّه قد استوعب فى الروايات من النّبى(ص)، و الائمّة(ع)ذكر الوالى و الإمام، و الاقدام بما يلزم به الامّة، و هذا دليل على لزوم الحكومة، بمقتضى ما ينظر اليه الوالى و الإمام فى الشريعة الإسلامية.
قال الرضا(ع): «انّ والى المسلمين مثل العمود فى وسط الفسطاط من أراده أخذه»[2].
الرابع عمل النّبى(ص)فى حياته و نصب الإمام من بعده:
انّه قد علم من جميع ما ذكرنا انّ النظام البشريّة الإسلامية من نواميس الالهيّة و مطلوبا للّه تعالى سبحانه و ممّا بنى الإسلام عليها.
و قد عمل النّبى المعظّم(ص)فى زمن حياته بهذا المشروع، كان يتولّى امر السياسة للأمّة الإسلامية.
و قد نصب عليّا امير المؤمنين يوم الغدير، و الائمّة من بعده اماما للامّة سائسا لتدبير امورهم، و قد صرّح بذلك عند الناس فى يوم الغدير، و امرهم بالبيعة مع علىّ(ع)بامرة المؤمنين، و هكذا يعملون الائمّة من ولده، بعده الى زمن الغيبة لامام الثانى عشر ارواحنا فداه.
و قد غاب عن الناس الغيبة الطويلة بمصلحة الأمّة، و لا يجوز اهمال الدّين و امر الولاية، و سياسة الإسلام الّتى قلنا بانّها من اهمّ ما يدور عليه حياة الامّة و ادارة الأمور.
الخامس التصريح لتصدّى الفقيه زمن الغيبة:
[1]- راجع كتاب وسائل الشيعة فى ابواب المختلفة الّتى ذكرنا.
[2]- بحار الانوار ج 49/ 165.
قد ورد التصريح من الإمام(عليه السلام)، بان المنصوب المعيّن من النّاحية المقدّسة فى زمن الغيبة الكبرى، هو الفقيه الجامع للشرائط العادل العارف بالأحكام للتصدّى فى الأمور. فلا بدّ للنّاس ان يراجعوا اليه و يعملوا برأيه.
و قد ورد فى التوقيع المبارك من ناحيته (ارواحنا فداه) و امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فانّهم حجّتى عليكم و انا حجّة اللّه اليهم[1].
و عن الإمام العسكرى(ع): فامّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لامر مولاه، فللعوام ان يقلّده[2]، و يستفاد من هذا الحديث تعيين الملاك فى المجتهد المنصوب.
ما هو المتيقّن المنصوب من ناحية الإمام(ع):
فاذا علمت ذلك، فما هو المتيقّن المنصوب، المعلوم بالملاك من الأدلّة المذكورة، هو الفقيه الجامع للشرائط العالم بالقضاء و السياسة الدينية، العارف بزمانه العادل فى الرعيّة و الزعامة الاجتماعية الدينية.
و خصوصا مع ما يرى من تعظيم اللّه سبحانه و رسوله الاعظم(ص)و الائمّة(ع)، حملة العلم الالهى، من ما ورد متواترا فى حقّ العلماء و حماة الدّين و الأمر بارجاع الأمور اليهم.
بعض ما ورد فى تعظيم العلماء الدينى:
و اليك بعض ما ورد فى هذا الباب.
[1]- اكمال الدين للصدوق ج 4/ 484- الغيبة لشيخ الطوسى ص 186.
وسائل الشيعة ج 18/ 101- الاحتجاج للطبرسى ص 469.
[2]- الاحتجاج للطبرسى ص 457- وسائل الشيعة ج 18/ 94.
قوله تعالى شأنه:إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.[1]
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر[2].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): العلماء حصون الاسلام[3].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): العلماء امناء الرسل[4].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): العلماء ورثة الانبياء[5].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): العلماء خلفاء رسول اللّه[6].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): انّهم خير خلق اللّه بعد الائمّة اذا صلحوا[7].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): انّهم حكّام على الملوك[8].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): انّ مجارى الأمور و الأحكام على ايدى العلماء باللّه الّا مناء على حلاله و حرامه[9].
و الى غير ذلك من الروايات الواردة فى هذا الباب.
فانّ المجموع من هذه الروايات حاكية بالتواتر على انّ الفقيه الجامع للشرائط يكون هو المتيقّن المنصوب فى تصدّى امر الولاية فى زمن الغيبة، خصوصا التوقيع المبارك من ناحيته المقدّسة، فانّه صريح فى نصّ الفقيه فى هذا المنصب العظيم نيابة عنه(عليه السلام).
ما صدر عن بعض الأساطين:
فانّ فى مجموع هذه الروايات دلالة تامّة على المطلوب فلا مجال لما صدر عن بعض
[1]- سورة فاطر، الآية 28
[2]- الكافى ج 1/ 26.
[3]- بحار الانوار ج 79 و 67/ 287
[4]- المدرك
[5]- وسائل الشيعة ج 18/ 35.
[6]- المدرك ج 18/ 66.
[7]- بحار الانوار ج 2/ 89.
[8]- مستدرك الوسائل ج 17/ 316.
[9]- تحف العقول ص 169.
الاساطين[1]. فى انّه لا ولاية للفقيه الّا فى الأمور الحسبيّة و القضاء و الفتوى فى الأحكام. لانّ الروايات قاصرة عن الدلالة إمّا سندا او دلالة.
و الجواب عن هذا البيان هو انّ الاستناد فى اثبات الولاية للفقيه ليس مجرد الروايات الواردة حتّى يمكن المناقشة من حيث السند او الدلالة، بل الاستناد هو طريق المستند من دليل العقل و بناء العقلاء فى ذلك و هو سليم عن المناقشة، و الروايات مع تواترها مؤيّدة لذلك.
الولاية المطلقة ثابتة بالأدلّة:
و بالجملة الظّاهر عندنا ان الولاية المطلقة ثابتة للفقيه الجامع للشرائط نيابة عن الإمام(عليه السلام)مع ملاحظة جميع المبانى و اللوازم فى هذا الباب.
و هذه قضية قياساتها معها.
الّا فيما هو مختصّ بالإمام(عليه السلام)على ما ذكر فى محلّه، فلا دخل للفقيه فيه.
و قد يستدلّ بالمقبولة و المشهورة ايضا، فنقول.
الاستدلال بمقبولة عمر بن حنظلة:
و ممّا يستدلّ فى المقام مقبولة عمر بن حنظلة فى القضاء بل فى مطلق الحكومة، للفقيه. و هى لاشتهارها بين الأصحاب و التعويل عليها فى القضاء، و منجبرة من جهة السنة، فلا اشكال فى دلالتها على المطلوب. لأنّه بعد ما شدّد الإمام ابو عبد اللّه(عليه السلام)الانكار على من رجع الى السلطان الجائر و القضاء اليه، و ان ما يؤخذ بحكمه سحت و حرام و ان كان حقّا ثابتا.
قال(ع): «ينظران الى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر فى حلالنا و حرامنا، و
[1]- التنقيح ج 1/ 419.
عرف احكامنا، فليرضوا به حكما فانّى قد جعلته عليكم حاكما»[1].
دلّت هذه الرواية على ان الّذى نصبه للحكومة و القضاء هو منّا، فغيره ليس منصوبا منّا و لا يكون حكمه نافذا. فيكون من هو راوى الحديث، و الناظر فى الحلال و الحرام، و العارف بالأحكام، هو الفقيه المنصوب من قبلهم، فانّ غيره ليس منصوبا من عندهم.
و الظاهر من قوله(ع)، ممّن روى حديثنا، يعنى كان شغله ذلك و هو الفقيه فى زمان الحضور و بعده، كما يظهر هذا للمتتبع البصير بالكلام.
فانّ العامى الّذى ليس له ملكة الفقاهة و الاجتهاد، خارج عن مدلول الرواية.
و يمكن ان يستدلّ بالاختصاص بالفقيه و خروج العامّى، بقوله(ع)، و نظر فى حلالنا و حرامنا. لا من جهة مفهوم لفظ و النظر فقط، الّذى يكون بمعنى الاستنباط و الدقّة فى استخراج الحكم الشرعى، و ان كان هذا المعنى لا يخلو من قوّة.
بل لجهة قوله(ع)، حلالنا و حرامنا، فانّ الحلال و الحرام من احكام اللّه تعالى، انّما نسبا اليهم من جهة انّهم مبيّنون للاحكام و العارفون بها، و انّهم، محالّ احكام اللّه تعالى فى بيانها، و معنى النظر فى ذلك، هو النظر، فى الفتاوى و الاخبار الصادرة عنهم(عليهم السلام).
فجعل المنصب لمن نظر فى الحلال و الحرام الصادرين منهم، اى النظر فى اخبارهم و فتاويهم، و هو شأن الفقيه العارف بمكانة الأدلّة، لا العامى.
و قد يمكن ان يستدلّ بذلك بقوله(ع): عرف احكامنا، من اضافة لفظ (الأحكام) اليهم(عليهم السلام)، و من مفهوم لفظ (عرف) فانّ العرفان بالشىء لغة و عرفا، ليس مطلق العلم به، بل متضمّن بالتشخيص من جهة خصوصيّاته، و التمييز من مشتركاته، و شقوقه، و جميع اطرافه.
فكأنّ قوله(ع): و عرف احكامنا، هو انّه جعل النصب لمن كان مشخّصا للاحكام، و
[1]- الكافى ج 1/ 54- من لا يحضره الفقيه ج 3/ 5- تهذيب الأحكام للشيخ الطوسى ج 6/ 301.