قوله تعالى شأنه:إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.[1]
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر[2].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): العلماء حصون الاسلام[3].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): العلماء امناء الرسل[4].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): العلماء ورثة الانبياء[5].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): العلماء خلفاء رسول اللّه[6].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): انّهم خير خلق اللّه بعد الائمّة اذا صلحوا[7].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): انّهم حكّام على الملوك[8].
و قوله(صلّى اللّه عليه و آله): انّ مجارى الأمور و الأحكام على ايدى العلماء باللّه الّا مناء على حلاله و حرامه[9].
و الى غير ذلك من الروايات الواردة فى هذا الباب.
فانّ المجموع من هذه الروايات حاكية بالتواتر على انّ الفقيه الجامع للشرائط يكون هو المتيقّن المنصوب فى تصدّى امر الولاية فى زمن الغيبة، خصوصا التوقيع المبارك من ناحيته المقدّسة، فانّه صريح فى نصّ الفقيه فى هذا المنصب العظيم نيابة عنه(عليه السلام).
ما صدر عن بعض الأساطين:
فانّ فى مجموع هذه الروايات دلالة تامّة على المطلوب فلا مجال لما صدر عن بعض
[1]- سورة فاطر، الآية 28
[2]- الكافى ج 1/ 26.
[3]- بحار الانوار ج 79 و 67/ 287
[4]- المدرك
[5]- وسائل الشيعة ج 18/ 35.
[6]- المدرك ج 18/ 66.
[7]- بحار الانوار ج 2/ 89.
[8]- مستدرك الوسائل ج 17/ 316.
[9]- تحف العقول ص 169.
الاساطين[1]. فى انّه لا ولاية للفقيه الّا فى الأمور الحسبيّة و القضاء و الفتوى فى الأحكام. لانّ الروايات قاصرة عن الدلالة إمّا سندا او دلالة.
و الجواب عن هذا البيان هو انّ الاستناد فى اثبات الولاية للفقيه ليس مجرد الروايات الواردة حتّى يمكن المناقشة من حيث السند او الدلالة، بل الاستناد هو طريق المستند من دليل العقل و بناء العقلاء فى ذلك و هو سليم عن المناقشة، و الروايات مع تواترها مؤيّدة لذلك.
الولاية المطلقة ثابتة بالأدلّة:
و بالجملة الظّاهر عندنا ان الولاية المطلقة ثابتة للفقيه الجامع للشرائط نيابة عن الإمام(عليه السلام)مع ملاحظة جميع المبانى و اللوازم فى هذا الباب.
و هذه قضية قياساتها معها.
الّا فيما هو مختصّ بالإمام(عليه السلام)على ما ذكر فى محلّه، فلا دخل للفقيه فيه.
و قد يستدلّ بالمقبولة و المشهورة ايضا، فنقول.
الاستدلال بمقبولة عمر بن حنظلة:
و ممّا يستدلّ فى المقام مقبولة عمر بن حنظلة فى القضاء بل فى مطلق الحكومة، للفقيه. و هى لاشتهارها بين الأصحاب و التعويل عليها فى القضاء، و منجبرة من جهة السنة، فلا اشكال فى دلالتها على المطلوب. لأنّه بعد ما شدّد الإمام ابو عبد اللّه(عليه السلام)الانكار على من رجع الى السلطان الجائر و القضاء اليه، و ان ما يؤخذ بحكمه سحت و حرام و ان كان حقّا ثابتا.
قال(ع): «ينظران الى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر فى حلالنا و حرامنا، و
[1]- التنقيح ج 1/ 419.
عرف احكامنا، فليرضوا به حكما فانّى قد جعلته عليكم حاكما»[1].
دلّت هذه الرواية على ان الّذى نصبه للحكومة و القضاء هو منّا، فغيره ليس منصوبا منّا و لا يكون حكمه نافذا. فيكون من هو راوى الحديث، و الناظر فى الحلال و الحرام، و العارف بالأحكام، هو الفقيه المنصوب من قبلهم، فانّ غيره ليس منصوبا من عندهم.
و الظاهر من قوله(ع)، ممّن روى حديثنا، يعنى كان شغله ذلك و هو الفقيه فى زمان الحضور و بعده، كما يظهر هذا للمتتبع البصير بالكلام.
فانّ العامى الّذى ليس له ملكة الفقاهة و الاجتهاد، خارج عن مدلول الرواية.
و يمكن ان يستدلّ بالاختصاص بالفقيه و خروج العامّى، بقوله(ع)، و نظر فى حلالنا و حرامنا. لا من جهة مفهوم لفظ و النظر فقط، الّذى يكون بمعنى الاستنباط و الدقّة فى استخراج الحكم الشرعى، و ان كان هذا المعنى لا يخلو من قوّة.
بل لجهة قوله(ع)، حلالنا و حرامنا، فانّ الحلال و الحرام من احكام اللّه تعالى، انّما نسبا اليهم من جهة انّهم مبيّنون للاحكام و العارفون بها، و انّهم، محالّ احكام اللّه تعالى فى بيانها، و معنى النظر فى ذلك، هو النظر، فى الفتاوى و الاخبار الصادرة عنهم(عليهم السلام).
فجعل المنصب لمن نظر فى الحلال و الحرام الصادرين منهم، اى النظر فى اخبارهم و فتاويهم، و هو شأن الفقيه العارف بمكانة الأدلّة، لا العامى.
و قد يمكن ان يستدلّ بذلك بقوله(ع): عرف احكامنا، من اضافة لفظ (الأحكام) اليهم(عليهم السلام)، و من مفهوم لفظ (عرف) فانّ العرفان بالشىء لغة و عرفا، ليس مطلق العلم به، بل متضمّن بالتشخيص من جهة خصوصيّاته، و التمييز من مشتركاته، و شقوقه، و جميع اطرافه.
فكأنّ قوله(ع): و عرف احكامنا، هو انّه جعل النصب لمن كان مشخّصا للاحكام، و
[1]- الكافى ج 1/ 54- من لا يحضره الفقيه ج 3/ 5- تهذيب الأحكام للشيخ الطوسى ج 6/ 301.
مميّزا فتاواهم، لاجل بيان الحكم الواقعى الصادر عنهم(عليهم السلام).
و من المعلوم انّ هذه الصفة من مختصّات الفقيه المجتهد المستنبط بالأحكام.
و بالجملة، هذه الفقرات الثلاثة، معرّفة للحاكم المنصوب، و انّ ذلك هو الفقيه الجامع للشرائط، العارف بمواضع الأحكام و الأدلّة، لا غيره من العامى.
و يدلّ قوله(ع): فانّى قد جعلته عليكم حاكما، على انّ الفقيه منصوب من قبل الإمام(عليه السلام).
و يدلّ ايضا، على انّ للفقيه مضافا الى منصب القضاء و الحكومة، انّ الحكومة مفهومها اعم من القضاء المصطلح، و القضاء من شعب الحكومة و الولاية.
و مقتضى المقبولة انّه(عليه السلام)قد جعل الفقيه حاكما و واليا للأمّة الإسلامية.
فللفقيه الحكومة على النّاس فيما يحتاجون اليه من الأمور الجارية كلّها. و المورد لا يوجب التخصيص.
و قوله(ع): فتحاكما الى السلطان او الى القضاة يدلّ ايضا على اهميّة المورد ممّا يكون مرتبطا بالقضاء فقط، فانّ ما يرجع الى السلطان و الحاكم غير ما يرجع الى القضاة نوعا، فانّ شأنهم، هو التصرّف فى الأمور السياسيّة كلّها العامّة.
و قوله(ع): اذا حكم بحكمنا، ليس المراد مجرّد الفتوى بحكم اللّه تعالى، بل النسبة اليهم انّ الفقيه حاكم من قبلهم، فكان حكمه، حكمهم، و رده ردّهم.
الاستدلال بمشهورة ابى خديجة:
و من الرّوايات الدالّة على المطلوب مضافا الى ما مرّ مشهورة ابى خديجة[1]، و لا اشكال فيها الّا من جهة الظنّ بالإرسال، و يجبر من جهة الشهرة عند الأصحاب، فلذا سمّيت بالمشهورة قال بعثنى ابو عبد اللّه(ع)الى اصحابنا ... فقال(ع): قل لهم ايّاكم اذا وقعت بينكم خصومة او تدارى فى شيء من الأخذ و العطاء، ان تحاكموا الى
[1]- ابى خديجة، سالم بن مكرم ثقة عند الأصحاب.
احد من هؤلاء الفسّاق. اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا، فانّى قد جعلته عليكم قاضيا، و ايّاكم ان يخاصم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر[1].
دلّت هذه الرواية، على جعله(عليه السلام)منصب القضاء لرجل عارف بالأحكام من الحلال و الحرام. و تقريب الاستدلال من هذه الرّواية، يظهر ممّا مرّ فى مقبولة عمر بن حنظلة، الّا انّها اظهر دلالة من المشهورة.
و يمكن ان يقال، بدلالتها على الحكومة ايضا، فإنّ صدرها عامّ فى مطلق الخصومات، سواء كانت راجعة الى القضاء او الى الولاة، و القاضى فى الأمور اعم لغة و عرفا من المعنى الاصطلاحى. و ذيلها ايضا يؤكد هذا التعميم، فانّ التخاصم الى السلطان ليس فى الأمور القضائية فقط بحسب التعارف بين النّاس بل هو عامّ يشمل جميع الأمور، و هذا التعميم يستفاد فى جميع الأزمنة، لا يكون مختصّا فى تلك الزمن الّذى تكون الرواية قد صدرت منه(عليه السلام).
الاستدلال بصحيحة ابى خديجة:
و قريب من ذلك صحيحة ابى خديجة على الأصحّ[2]قال. قال ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع): «ايّاكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور و لكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، ما جعلوه بينكم، فانّى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه»[3].
صحيحة قدّاح ممّا يستدل بها:
[1]- وسائل الشيعة ج 27/ 139
[2]- من جهة وجود الوشّاء فى سند الرواية، و لكن النّجاشى صحّحه و يقول هو من عيون الأصحاب. رجال نجاشى 39.
[3]- الكافى للكلينى ج 7/ 412- من لا يحضره الفقيه ج 3/ 2.
و ممّا يستدل به على المطلوب صحيحة قدّاح[1]و قد ورد انّ الإمام الصادق(عليه السلام)قد وصفه بانّه نور فى ظلمات الارض، و قد صرّح الكشى و النجاشى بانّه هو الشيخ الثقة الفقيه قال: قال الإمام الصادق(عليه السلام): انّ العلماء ورثة الانبياء، انّ الانبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما، و لكن ورّثوا العلم فمن اخذ منه، اخذ بحظّ واحد[2].
بتقريب انّ مقتضى قوله(ع)، انّ العلماء ورثة الانبياء، انّ لهم الوراثة من الانبياء فى كلّ شيء كان من شأن الانبياء، و من شأنهم الحكومة و السياسة و القضاء بين الناس، فلا بدّ و ان تكون الحكومة مطلقا مجعولة لهم، حتّى يصحّ هذا الإطلاق فى بحت الحديث.
نتيجة الكلام فى المقام:
فتحصّل من ذلك كلّه ان القضاء و الحكومة من مناصب الفقهاء العظام، العالمين بالأحكام، العارفين بالحلال و الحرام، و هذا ممّا لا إشكال فيه. فانّ الإجماع بل الضرورة قاضية بثبوت القضاء للفقيه فى زمن الغيبة، كما انّ الاقوى ثبوت نصب الحكومة و الولاية له فى نصب الفقيه فى هذا المنصب لقوله(ع)فانّى قد جعلته عليكم حاكما بمقتضى الاطراد فى الكلام، بل و التصريح فى التوقيع المبارك: فانّهم حجّتى عليكم.
و امّا بيان حدودها و فروعها الكثيرة فى المصاديق و العناوين المنطبقة، العامّة شمولها، فيحوّل الى محل آخر من الكتب المفصّلة فى هذا الباب.
ليك ممّا يروى من خطب امير المؤمنين(عليه السلام)فى باب الحكومة[3]و ممّا كتبه[4]للاشتر حين ولّاه مصر.
[1]- وسائل الشيعة ج 18 ابواب صفات القاضى.
[2]- الكافى ج 1/ 26
[3]- نهج البلاغة من الخطبة 130 و من الخطبة 207.
[4]- نهج البلاغة من كتابته(ع)للاشتر، الكتابة 53.
كتابة عهده(ع)لمالك الاشتر:
قال امير المؤمنين(عليه السلام)فى كتابة عهده لمالك الاشتر النخعى حين ولّاه مصرا.
و اعلم انّ الرعيّة طبقات لا يصلح بعضها الّا ببعض و لا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود اللّه و منها كتّاب العامّة و الخاصّة و منها قضاة العدل و منها عمّال الانصاف و الرفق و منها اهل الجزية و الخراج من اهل الذمّة و سلمة الناس و منها التجار و اهل الصناعات و منها الطبقة العلى من دوى الحاجة و المسكنة، و كلّ قد سمّى اللّه له سهمه و وضع على حدّه و فريضته فى كتابه، او سنّة نبيّه، عهدا محفوظا، فالجنود باذن اللّه حصون الرعيّة و زين الولاة و عزّ الدين و سبل الامن، و ليس تقوم الرعيّة الّا بهم ثمّ لا قوام للجنود الّا بما يخرج اللّه لهم من الخراج الّذى يقوون به على جهاد عدوّهم و يعتمدون عليه فيما يصلحهم و يكون من وراء حاجتهم، ثمّ لا قوام لهذين الصنفين الّا بالصنف الثالث من القضاة و العمال و الكتّاب لا يحكمون من العاقد و يجمعون من المنافع و يؤتمنون عليه من خواص الأمور و عوامها و لا قوام لهم جميعا الّا بالتجّار و ذوى الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم و يقيمون من اسواقهم و يكفونهم من الترفّق بايديهم ممّا لا يبلغه رفق غيرهم ثمّ الطبقة السفلى من اهل الحاجة و المسكنة الّذين يحقّ رفدهم و معونتهم و فى اللّه لكلّ سعة و لكلّ على الوالى حقّ بقدر ما يصلحه و ليس يخرج الوالى من حقيقة ما الزمه اللّه من ذلك الّا بالاهتمام و الاستعانة باللّه و توطين نفسه على لزوم الحق، و الصبر عليه فيما خفّ او ثقل ...[1].
ممّا يلزم التنبيه عليه:
و ممّا يلزم التّنبيه عليه، هو انّ الولاية و ان كانت ثابتة للفقيه بمقتضى الأدلّة الّتى قدّمناها.
[1]- نهج البلاغة الكتاب 53 ممّا كتبه(ع).
و هو وال للامّة الإسلامية و عليه ادارة الأمور و تدبيرها على اساس العدل و اعلاء كلمة الإسلام و حفظ المسلمين عن الفتور و الى غير ذلك ممّا يجوز له الحكومة العامّة.
المشاورة مع الخبراء الأتقياء:
الّا انّ الفقيه من حيث انّه ليس بمعصوم، لا بدّ له فى ادارة الأمور و الصيانة من المشاورة مع الخبراء الأتقياء و التوجه بآرائهم و انظارهم و تجاربهم و عليه ان يحترز من متابعة الهوى و مبادرة الغضب و الحرص و حبّ المقام و حبّ النفس و امثالها، و ان يخلّص نفسه للّه تعالى و يتضرّع اليه سلوك سبيل الانبياء و الائمّة(عليهم السلام)، و ان كان غيره من الفقهاء، اليق بذلك قدّمه على نفسه، و هذا كان من دأب الفقهاء العظام الصالحين، و انّ اللّه تعالى لمع المحسنين و اليه المصير.
على الفقيه تربية نفسه دائما:
و يجب على الفقيه الوالى للامّة، تربية نفسه دائما و يلزم عليه ان يبدأ بنفسه قبل غيره. قال الإمام امير المؤمنين(ع): من نصب نفسه للناس اماما فعليه ان يبدوا بتعليم نفسه قبل تعليم غيره و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه[1].
و قال(ع)فى عهده لمالك الاشتر: «فليكن احبّ الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك و شحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك»[2].
و قال(ع): انّ اللّه تعالى فرض على ائمّة الحق ان يقدّروا انفسهم بصفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره[3].
[1]- بحار الانوار ج 2/ 56.
[2]- كتابة عهده(ع)لمالك الاشتر، كتابة 53 من نهج البلاغة.
[3]- نهج البلاغة ابن ابى الحديد ج 11/ 32.