احد من هؤلاء الفسّاق. اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا، فانّى قد جعلته عليكم قاضيا، و ايّاكم ان يخاصم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر[1].
دلّت هذه الرواية، على جعله(عليه السلام)منصب القضاء لرجل عارف بالأحكام من الحلال و الحرام. و تقريب الاستدلال من هذه الرّواية، يظهر ممّا مرّ فى مقبولة عمر بن حنظلة، الّا انّها اظهر دلالة من المشهورة.
و يمكن ان يقال، بدلالتها على الحكومة ايضا، فإنّ صدرها عامّ فى مطلق الخصومات، سواء كانت راجعة الى القضاء او الى الولاة، و القاضى فى الأمور اعم لغة و عرفا من المعنى الاصطلاحى. و ذيلها ايضا يؤكد هذا التعميم، فانّ التخاصم الى السلطان ليس فى الأمور القضائية فقط بحسب التعارف بين النّاس بل هو عامّ يشمل جميع الأمور، و هذا التعميم يستفاد فى جميع الأزمنة، لا يكون مختصّا فى تلك الزمن الّذى تكون الرواية قد صدرت منه(عليه السلام).
الاستدلال بصحيحة ابى خديجة:
و قريب من ذلك صحيحة ابى خديجة على الأصحّ[2]قال. قال ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع): «ايّاكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور و لكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، ما جعلوه بينكم، فانّى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه»[3].
صحيحة قدّاح ممّا يستدل بها:
[1]- وسائل الشيعة ج 27/ 139
[2]- من جهة وجود الوشّاء فى سند الرواية، و لكن النّجاشى صحّحه و يقول هو من عيون الأصحاب. رجال نجاشى 39.
[3]- الكافى للكلينى ج 7/ 412- من لا يحضره الفقيه ج 3/ 2.
و ممّا يستدل به على المطلوب صحيحة قدّاح[1]و قد ورد انّ الإمام الصادق(عليه السلام)قد وصفه بانّه نور فى ظلمات الارض، و قد صرّح الكشى و النجاشى بانّه هو الشيخ الثقة الفقيه قال: قال الإمام الصادق(عليه السلام): انّ العلماء ورثة الانبياء، انّ الانبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما، و لكن ورّثوا العلم فمن اخذ منه، اخذ بحظّ واحد[2].
بتقريب انّ مقتضى قوله(ع)، انّ العلماء ورثة الانبياء، انّ لهم الوراثة من الانبياء فى كلّ شيء كان من شأن الانبياء، و من شأنهم الحكومة و السياسة و القضاء بين الناس، فلا بدّ و ان تكون الحكومة مطلقا مجعولة لهم، حتّى يصحّ هذا الإطلاق فى بحت الحديث.
نتيجة الكلام فى المقام:
فتحصّل من ذلك كلّه ان القضاء و الحكومة من مناصب الفقهاء العظام، العالمين بالأحكام، العارفين بالحلال و الحرام، و هذا ممّا لا إشكال فيه. فانّ الإجماع بل الضرورة قاضية بثبوت القضاء للفقيه فى زمن الغيبة، كما انّ الاقوى ثبوت نصب الحكومة و الولاية له فى نصب الفقيه فى هذا المنصب لقوله(ع)فانّى قد جعلته عليكم حاكما بمقتضى الاطراد فى الكلام، بل و التصريح فى التوقيع المبارك: فانّهم حجّتى عليكم.
و امّا بيان حدودها و فروعها الكثيرة فى المصاديق و العناوين المنطبقة، العامّة شمولها، فيحوّل الى محل آخر من الكتب المفصّلة فى هذا الباب.
ليك ممّا يروى من خطب امير المؤمنين(عليه السلام)فى باب الحكومة[3]و ممّا كتبه[4]للاشتر حين ولّاه مصر.
[1]- وسائل الشيعة ج 18 ابواب صفات القاضى.
[2]- الكافى ج 1/ 26
[3]- نهج البلاغة من الخطبة 130 و من الخطبة 207.
[4]- نهج البلاغة من كتابته(ع)للاشتر، الكتابة 53.
كتابة عهده(ع)لمالك الاشتر:
قال امير المؤمنين(عليه السلام)فى كتابة عهده لمالك الاشتر النخعى حين ولّاه مصرا.
و اعلم انّ الرعيّة طبقات لا يصلح بعضها الّا ببعض و لا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود اللّه و منها كتّاب العامّة و الخاصّة و منها قضاة العدل و منها عمّال الانصاف و الرفق و منها اهل الجزية و الخراج من اهل الذمّة و سلمة الناس و منها التجار و اهل الصناعات و منها الطبقة العلى من دوى الحاجة و المسكنة، و كلّ قد سمّى اللّه له سهمه و وضع على حدّه و فريضته فى كتابه، او سنّة نبيّه، عهدا محفوظا، فالجنود باذن اللّه حصون الرعيّة و زين الولاة و عزّ الدين و سبل الامن، و ليس تقوم الرعيّة الّا بهم ثمّ لا قوام للجنود الّا بما يخرج اللّه لهم من الخراج الّذى يقوون به على جهاد عدوّهم و يعتمدون عليه فيما يصلحهم و يكون من وراء حاجتهم، ثمّ لا قوام لهذين الصنفين الّا بالصنف الثالث من القضاة و العمال و الكتّاب لا يحكمون من العاقد و يجمعون من المنافع و يؤتمنون عليه من خواص الأمور و عوامها و لا قوام لهم جميعا الّا بالتجّار و ذوى الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم و يقيمون من اسواقهم و يكفونهم من الترفّق بايديهم ممّا لا يبلغه رفق غيرهم ثمّ الطبقة السفلى من اهل الحاجة و المسكنة الّذين يحقّ رفدهم و معونتهم و فى اللّه لكلّ سعة و لكلّ على الوالى حقّ بقدر ما يصلحه و ليس يخرج الوالى من حقيقة ما الزمه اللّه من ذلك الّا بالاهتمام و الاستعانة باللّه و توطين نفسه على لزوم الحق، و الصبر عليه فيما خفّ او ثقل ...[1].
ممّا يلزم التنبيه عليه:
و ممّا يلزم التّنبيه عليه، هو انّ الولاية و ان كانت ثابتة للفقيه بمقتضى الأدلّة الّتى قدّمناها.
[1]- نهج البلاغة الكتاب 53 ممّا كتبه(ع).
و هو وال للامّة الإسلامية و عليه ادارة الأمور و تدبيرها على اساس العدل و اعلاء كلمة الإسلام و حفظ المسلمين عن الفتور و الى غير ذلك ممّا يجوز له الحكومة العامّة.
المشاورة مع الخبراء الأتقياء:
الّا انّ الفقيه من حيث انّه ليس بمعصوم، لا بدّ له فى ادارة الأمور و الصيانة من المشاورة مع الخبراء الأتقياء و التوجه بآرائهم و انظارهم و تجاربهم و عليه ان يحترز من متابعة الهوى و مبادرة الغضب و الحرص و حبّ المقام و حبّ النفس و امثالها، و ان يخلّص نفسه للّه تعالى و يتضرّع اليه سلوك سبيل الانبياء و الائمّة(عليهم السلام)، و ان كان غيره من الفقهاء، اليق بذلك قدّمه على نفسه، و هذا كان من دأب الفقهاء العظام الصالحين، و انّ اللّه تعالى لمع المحسنين و اليه المصير.
على الفقيه تربية نفسه دائما:
و يجب على الفقيه الوالى للامّة، تربية نفسه دائما و يلزم عليه ان يبدأ بنفسه قبل غيره. قال الإمام امير المؤمنين(ع): من نصب نفسه للناس اماما فعليه ان يبدوا بتعليم نفسه قبل تعليم غيره و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه[1].
و قال(ع)فى عهده لمالك الاشتر: «فليكن احبّ الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك و شحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك»[2].
و قال(ع): انّ اللّه تعالى فرض على ائمّة الحق ان يقدّروا انفسهم بصفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره[3].
[1]- بحار الانوار ج 2/ 56.
[2]- كتابة عهده(ع)لمالك الاشتر، كتابة 53 من نهج البلاغة.
[3]- نهج البلاغة ابن ابى الحديد ج 11/ 32.
و هذا تمام الكلام فيما اتخذته فى المقام اجمالا فى باب ولاية الفقيه و ان كان له تفصيلات من الكلام، و كان له مقام آخر فيما بحثه الاكابر العظام من الأساطين فى كتاب المكاسب و القضاء، و للّه الحمد.
هل يشترط الأعلميّة فى نبوت الولاية:
ثمّ انّه بعد ما ثبتت الولاية المطلقة للفقيه، لا بدّ و ان يبحث فى انّ الولاية بهذا المعنى الجامع هل يشترط فيها الأعلميّة، او انّها ثابتة لمطلق الفقيه. و الظّاهر هو المعنى الثانى.
و ذلك لانّ الأدلّة الّتى قائمة على ولاية الفقيه، حسب ما قدّمناه، ليس فيها شيء الى اعتبار الأعلميّة فى تصدى الولاية على الأمور، بل يكفى انّه العارف بالأحكام من الحلال و الحرام مما ورد فى الإسلام، و لذلك لم يلتزم به الأصحاب فى كلماتهم على ما حققناه.
كلام صاحب الجواهر:
قال صاحب الجواهر(قدّه)فى كتاب القضاء، بعد ذهابه الى عدم لزوم تقليد الأعلم و بيان الاستدلال عليه: بل لعلّ اصل تاهل المفضول و كونه منصوبا يجرى قبضه و ولايته مجرى قبض الأفضل من القطعيّات الّتى لا ينبغى الوسوسة فيها خصوصا بعد ملاحظة النصوص الواردة للنصب، الظاهرة فى نصب جميع الموصوفين بالوصف، لا الافضل منهم[1].
كلام الشيخ الانصارى:
و قال شيخنا الاعظم الانصارى قدّه: سائر مناصب الحاكم كالتصرّف فى زمان الإمام
[1]- جواهر الكلام ج 40/ 44.
و تولّى امر الايتام و الغيّب يثبت للمفضول، فانّ الأعلميّة لا تكون مرجّحا فى مقام النصب، و انّما هو مع الاختلاف فى الفتوى[1].
كلام السيد المجاهد:
و قال السيّد المجاهد(قدّه)فى كلماته فى باب التّقليد: التاسع هل حكم غير الاستفتاء و الترافع من سائر ما يشترط فى مباشرته الاجتهاد حكمها، فيجب اعتبار الأعلم او لا، و لم نجد نصّا فى هذا الباب لاحد من الأصحاب، و لكن ظاهر اطلاق كلامهم فى بعض المقامات عدم اشتراط ذلك[2].
و هكذا الكلام على ما حكى عن الأساطين العظام[3](قدّس اللّه ارواحهم)من ثبوت هذه المناصب للمفضول ايضا.
و هل يثبت هذا المنصب للمفضول مع وجود الافضل فى سائر الولايات دون البلد، فالظّاهر عدم الاشتراط.
المستفاد من الروايات:
و السرّ فى ذلك هو ان الجمع المضاف و كذا المصدر المضاف يفيد العموم و مقتضى ذلك جعل المنصب لمن عرف جميع الأحكام و هذا يساوى الأعلميّة. لكن لا يستفاد منهما العموم فى المقام.
بل المتبادر كفاية عرفان مقدار معتدا به من الأحكام على ما حقّقناه فيما سبق.
لانّ وقوع الفقرات فى الحديث، فى مقابل المنع عن الرجوع الى حكّام الجور، يمنع عن استفادة العموم.
[1]- رسالة الاجتهاد و التّقليد للشيخ الاعظم ص 81.
[2]- كتاب مفاتيح الاصول للسيّد المجاهد باب تقليد الاعلم.
[3]- و هو العلامة الميرزا الرشتى فى باب تقليد الاعلم.
و الظّاهر، هو انّ المنصب لمن كان عارفا بالأحكام و ناظرا فى الحلال و الحرام، فى مقابل المنحرفين عنهم، الحاكمين باجتهادهم بين الناس، بل الظاهر صدق قوله(ع)، عرف احكامنا، على من عرف مقدارا معتدّا به من الأحكام.
المراد من رواية الحديث:
و المراد من رواية الحديث ايضا، ليس هو مجرّد الرواية، ضرورة عدم مدخليّتها فى جعل المنصب، بل المراد ان تكون فتواه على طبق الرواية لما كان المتعارف فى تلك الأزمنة، الإفتاء بصورة الرواية، و اليه ينظر قوله(ع)و روى حديثنا.
المعرفة الفعلية للاحكام:
و لأنّ الظاهر من قوله(ع)، عرف احكامنا، هو المعرفة الفعلية للفقيه، و هى غير حاصلة بجميع الأحكام لغير الائمّة(عليهم السلام)، بل غير ممكنة التحقّق عادة لغيرهم.
فجعل المنصب له لغو.
فليس المراد معرفة جميع الأحكام، و صرفها الى مجرّد القوّة و الملكة للاستنباط، ممّا لا وجه له.
فيجب صرفها الى معرفة الأحكام بمقدار معتدّ به. و على فرض التسليم نقول.
انه لو فرض امكان معرفة الفعلية بجميع الأحكام، لا الى طريق تشخيص هذا الفقيه، فمن اين علم انّه عارف بجميع الأحكام فعلا؟ فلا معنى للامر بالرجوع الى المجهول.
فلا بدّ من الحمل على المتعارف المتبادر، و المجتهد العارف بالأحكام بمقدار معتدّ به الّذى يصدق انّه عارف بالأحكام، و ان كان هو غير الأعلم. فيجب ان يكون بحيث يصدق عليه انّه ممّن عرف احكامهم.
جعل المنصب لمن هو عارف بالأحكام:
فالمقصود من هذه الصحيحة فى جعل المنصب، هو العارف بالأحكام منهم بمقدار
معتدّ به الذى يصدق عليه انّه عارف بالأحكام. فاعتبار لزوم الاجتهاد المطلق و العارف بجميع الأحكام، سواء كان بمعنى الملكة، او بمعنى العلم الفعلى، بالأحكام، ممّا لا دليل عليه، و لا يستفاد من الأدلّة فى المقام. بل الأدلّة حاكية على خلافه. نعم لا اشكال فى اعتبار علم بجميع ما له مدخليّة فى المنصب.
لا اشكال بالارجاع الى الافضل:
و لا يخفى عليك انّه لا اشكال، بل لا يبعد اختصاص الولاية بالأفضل عند التعدّد و الإرجاع اليه، فى البلد، نظرا الى كون الافضل و الأعلم فى البلد ام فى كلّ عصر و مصر عند الوصول اليه، هو الأليق بالمقام فى هذا المنصب الجليل فى زمن الغيبة، من قبل الإمام(عليه السلام)، لان هذا المنصب، نيابة عامّة من جانب حضرته (روحى فداه و عجّل اللّه تعالى له الفرج و النصر)، و هو من اعظم المناصب الروحانيّة، فى الإسلام.
هذا تمام الكلام مع التخليص فى باب مستندات ولاية الفقيه هنا، و فى هذا الباب تفصيلات، لا بدّ للطّالب الرّجوع الى الكتب المفصّلة.