بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 184

الخارجى.

و يمكن القول بانّ التعريفين، راجعين الى معنى واحد، لأنّ المراد من الملكة هى الملكة الباعثة عن الاجتناب بالفعل لا مجرد الاقتضاء، لأنّ الملكة النفسانيّة بما هى ليست هى العدالة فى الشريعة المقدسة، بل المعتبر هى الملكة المتلبسة بالعمل المقترنة باتيان الواجبات و ترك المحرمات.

فيصحّ ان يقال فى التعريف: أن العدالة هى الأعمال الخارجيّة من الفعل و الترك، الناشئة عن وجود الملكة النفسانيّة.

فالمراد من التعريفين معنى واحد، و ان كان اللفظ مختلفا.

العدالة مجرد نفس العمل:

الثالث: انّ العدالة، هى نفس الأعمال الخارجيّة من الفعل و الترك، من دون اعتبار اقترانها بالملكة النفسانيّة و صدورها عنها. كما عن السرائر و صاحب الوسيلة.

و النسبة بين هذا القول و الأوّلين العموم المطلق بناء على رجوع الثانى الى الأوّل، و العموم من وجه مع الأوّل خاصة، و العموم المطلق مع الثانى بناء على عدم الرجوع الى الأوّل، و الوجه فى الكلّ ظاهر.

فالعدالة على هذا المعنى، هى الاستقامة العملية على جادّة الشرع و عدم الانحراف عنها يمينا و لا شمالا.

العدالة و هى الإسلام:

الرابع: القول بانّ العدالة هى الإسلام و عدم ظهور الفسق فى الخارج.

كما نسب ذلك الى الشيخ فى الخلاف و المفيد فى كتاب الاشراف و ابن الجنيد.

و على ذلك المعنى، فلا بدّ من الحكم بعدالة اكثر المسلمين ما لم يظهر منهم الخلاف فى الدّين، و ان لم نعاشر معهم جليسا.


صفحه 185

العدالة حسن الظاهر:

الخامس: القول بانّ العدالة هى حسن الظاهر فحسب، كما هو المنسوب الى القدماء و على هذا المعنى، لا يمكننا الحكم بعدالة المسلم، إلّا بعد احراز حسن الظاهر منه بالمعاشرة معه و لو فى الجملة، آتيا بالواجبات و غير مرتكب بالمعاصى، خلافا للمعنى السابق.

الإسلام و حسن الظاهر معرّفان للعدالة:

و الصّحيح انّ حسن الظاهر و الإسلام كليهما معرّفان للعدالة مع عدم ظهور الفسق، لا انّهما نفس العدالة فى المعنى.

لأنّ حسن الظاهر كاشف عن وجود العدالة فى الشخص كما انّ الإسلام يرشد اليه.

و بالجملة القولان الاخيران راجعان الى القولين الأوّلين، و معه فلا بد من التكلم و البحث فى المعنيين الأوّلين. و هما ان العدالة هى نفس الأعمال الخارجيّة من دون اعتبار صدورها عن الملكة النفسانيّة، او انّها هى الأعمال الخارجيّة الصادرة عن الملكة المقتضية لذلك.


صفحه 186

حقيقة العدالة

و لكن لم تثبت انّ للعدالة حقيقة شرعيّة و لا متشرّعة و انّما هى بمعناها اللغوى و هى فى اللغة بمعنى الاستواء و الاستقامة و قد استعملت فى الشرع كذلك بمعنى الاستقامة فى الدّين و عدم الانحراف.

و هى اذا اسندت الى الأمور المحسوسة، يراد منها الاستقامة الحسيّة الخارجيّة، فيقال هذا الجدار عدل مستقيم، إذا لم يكن فيه اعوجاج و انحراف فيكون العدالة و الاستقامة من الأمور المحسوسة، و اذا اسندت الى الأمور المعنوية، فيقال الاستقامة المعنوية، و ذلك فى العقيدة و الاخلاق، فاذا قيل فلان عدل فى عقيدته و اخلاقه، يراد انّه مستقيم العقيدة اى سلك طريقا مستقيما لا اعوجاج فيه فهو يوصله الى الحقّ، او خلقه مستقيم اى لا افراط و لا تفريط له اى لا اعوجاج فيه، و قد تسند الى الذّوات فيقال زيد عدل، معناه انه مستقيم فى عهدة التكاليف المتوجّهة اليه.

و حيث ان الشّارع يراه مستقيما فى جادّة الشرع فهو عدل عنده.

فالعدالة المطلقة المنسوبة الى الذوات هى الاستقامة العمليّة الغير المنحرفة، كما يقتضيه معناها اللغوى مع قطع النظر عن الأدلّة الشرعيّة.

حاصل الكلام:

فالمتحصّل من ذلك، أنّ العدالة ليست لها حقيقة شرعيّة و انّما استعملت فى الكتاب و السنّة بمعناها اللغوى، اى الاستقامة فى الدّين فى فعل الواجبات و ترك‌


صفحه 187

المحرمات على ما يقتضى الشرع الأنور، فلا اعوجاج فيه و لا انحراف.

غاية الأمر انّ هذا المعنى و هو فعل الواجبات و ترك المحرّمات، يكون منبعثا عن التزام نفسانى و امر قلبى، و هو الخوف من اللّه تعالى او رجاء ثوابه.

و على هذا ان العدالة ليس من الأوصاف النفسانيّة فحسب، و انما هى صفة للعمل المنبعث عمّا فى النفس مطابقا للمعنى اللغوى.

فيستدعى الكلام هنا الى التّحقيق و التفحّص فى معنى العدالة و المباحثة حولها.


صفحه 188

العدالة فى اللغة

العدالة فى اللغة و كلمات الاعلام:

فنقول: العدالة بحسب المعنى اللغوى هى الاستقامة و عدم الاعوجاج.

قال ابن منظور اللغوى على ما حكى عنه:

قد عدل الرجل، بالضّم، عدالة ....

و قال تاج العروس: عدل الرجل ككرم عدالة، صار عدلا

كلام الشيخ فى المبسوط:

و قال الشيخ فى المبسوط: العدالة فى اللغة، ان يكون الإنسان متعادلا فى الأحوال متساويا.

و قد صرح بمثل ذلك المعنى ابن ادريس الحلّى فى السرائر.

و لا يخفى انّ تفسير العدالة بالمتعادل من باب تفسير المجمل بالمبيّن، فلا اشكال عليه من لزوم الدور.

و كأنّ التبادر من تفسير اللغوى للعدالة، هو الّذى حكاه الشيخ و الحلّى، بان العدالة عند اهل اللغة صفة الفعل، لا صفة النفس للانسان.

و لكن التفسير الذى ذكره صاحب تاج العروس، لا ظهور له فى ذلك المعنى، بل كان فيه اشعار بكونها من صفات النفس.

كلام بعض الأساطين:


صفحه 189

و عن بعض الأساطين من المعاصرين:

انّ العدالة شرعا من صفات الفعل، لا من صفات النفس، و يشير الى هذا المعنى قوله تعالى:فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ...و قوله تعالى:وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ...[1].

الجواب عن هذا الكلام:

و فيه أوّلا: انّ اثبات الحقيقة الشرعيّة بما ورد فى الكتاب، سيما فى المجعولات الشرعيّة فى محل منع و ردع.

و ثانياً: أنّ فعل (عدل) الّذى جاء فى الآيتين الشريفتين متعدّ، و انّه من باب ضرب، و اما العدالة حسب ما صرّح به الأكابر من اهل اللغة، عدل، و هو فعل قاصر من باب كرم، فكيف يصحّ الاستدلال باحدهما على الآخر.

ثمّ إن المقصود من المتعادل، هو القائم الذى لا يكون له ميل الى احد جانبيه، فيقال، قد تعادل الميزان، اذا تساوت كفتاه فى الجانبين.

تعريف صاحب المدارك:

قال صاحب المدارك: العدالة لغة، الاستواء و الاستقامة.

و لا يخفى أنّ الاستقامة عطف تفسيرى، اذ المراد من المعطوف و المعطوف عليه امر واحد.

فتحصّل ممّا ذكرنا، انّ العدالة بحسب معناها اللغوى، ان يكون الإنسان مستقيما فى مشيه و متساويا فى احواله و افعاله عند الغضب و الطرب، فلا يكون له افراط و لا تفريط.

[1]- دروس فى فقه الشيعة ج 1/ 135.


صفحه 190

كلام المحقق الكمبانى‌[1]:

قال بعض الأكابر(قدّه):

انّ العدالة عند اهل اللغة، هى الاستواء او الاستقامة او ما اشبه ذلك مما يراد منهما او يقاربهما مفهوما، انتهى.

حقيقة هذا الكلام:

فالاستقامة على هذا المعنى تفسيرى على ما اسلفنا، و المراد بالاستواء، هو الاستواء فى الدّين بمعنى عدم الانحراف عن الاصول و الفروع.

فيقال فى الأمور الحسّية، الجدار مستقيم، اذا لم يكن فيه اعوجاج و لا انحراف.

و فى الأمور المعنوية، كالعقيدة و الاخلاق يقال فلان له عقيدة مستقيمة، اى غير مشوّشة، فلا اعوجاج فيها.

و يقال فى الذوات ان زيدا مستقيم فى الدّين يعنى مستقيم فى الخروج عن عهدة التكليف و الإتيان بما يلزم به فى جادّة الشرع.

و على هذا فالعدالة بمعنى الاستواء المنسوبة الى الذوات، و هى الاستقامة العمليّة فى طريق الشريعة و الاوامر الالهيّة بلا انحراف فى العقيدة و العمل، على ما يقتضيه معناها اللغوى.

و يلزم ان تكون هذه الاستقامة فى الدّين مستمرّة، بأن تصير كالطبيعة الثانوية للانسان المكلّف.

فالاستقامة فى حين دون حين، ليست من العدالة فى شى‌ء، فإنّ المكلّف لا يكون مستقيما بذلك، فى طريق الدين، و لا مالكا فيه بداع دون داع، فلا يمكن الوثوق به فى هذه الاستقامة الحينية.

لأنّه قد يستقيم و قد لا يستقيم، فلا يعتمد به، مع انّ المعتبر فى العادل، ان يوثق‌

[1]- المحقق الكمبانى فى رسالة فى الاجتهاد و التّقليد.


صفحه 191

بدينه دائما، و لا يتحقّق هذا إلّا بالاستمرار فى الاستقامة فى الدين.

و كذا الحال فى الاستقامة بالاضافة الى ترك المحرم، فانّ الترك فى بعض الأحيان دون بعض، ليس من العدالة كما انّ فعل الواجب فى حين دون حين كذلك.

نتيجة الكلام:

و الحاصل ان العدالة هى الاستقامة المستمرّة فى الدّين، و ما يلزم به شرعا فى العمل به، حسب الدليل على ما يقتضيه المعنى اللغوى لها.