بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 194

البطن و الفرج و اليد و اللسان.

فإنّ العفاف و ان كان فضيلة القوّة الشهويّة، لكن مجرّد تحقّق هذه الفضيلة منه، غير تعديل القوى الثلاث بحيث يكون موجبا لاجتماع كل الفضائل النفسانيّة فى الشخص.

و امّا اجتناب الكبائر بحسب الأركان منضمّا الى كفّ النّفس بحسب الجنان، فلا يكون لازما خاصّا لكنّه العدالة الأخلاقية، بل ربما ينشأ كما هو الغالب فى المتديّنين عن خوف نفسانى من العقاب المترتّب على ارتكاب الكبائر، لا عن فضيلة النفس تقتضى اجتنابها.

و الخوف من العقاب بما هو ليس كمالا و لا فضيلة. للنفس كما عليه اهله.

و امّا كون العدالة الشرعيّة مجرد الاجتناب عن الكبائر او عن ملكة نفسانية، أو مجرد الملكة مع عدم ملاحظة تأثيرها فى الاجتناب عن كبيرة، او الإسلام مع عدم ظهور الفسق، او من الظاهر فقط.

ففيه وجوه و اعتبارات بل و الأقوال.

و نحن الآن نشير هنا الى مسلك الفقهاء لنطالب مفهوم العدالة عند الشّرع على مسلك القوم.

العدالة فى تعريف الفقهاء:

و قد كان فى معنى العدالة فى تعريف الفقهاء العظام تعريفات على مسالك مختلفة متعدّدة.

العدالة و كلام شيخ المفيد:

قال الشيخ المفيد(قدّه): على ما حكى عنه فى المختلف: «العدل هو من كان معروفا بالدين، و الورع عن محارم اللّه تعالى».

و الظاهر انّ مادّة المعرفة فى هذا التعريف، اذ اطلقت، يراد منها الواقع، بان تكون‌


صفحه 195

المعرفة طريقا اليه.

و لكن توصيفه(قدّه)، العدل بمن كاف معروفا، يشبهه بانّ المعروفيّة فى التفسير، قد اطلق على العدل، بعنوان الموضوعيّة، فيصير المراد فى هذا التعريف، هو انّ العدالة نفس المعروفيّة بالدين، و هى الاشتهار بالورع عن محارم اللّه تعالى.

و هذا المعنى قد اصطلح عليه فى لسان القوم، بحسن الظاهر.

و قد ذهب جمع كثير من المتأخّرين انّ العدالة هى نفس حسن الظاهر.

لكن اذا فرضنا، إفادة التعريف معنى آخر، و هو ان العدل، هو الموصوف بالدّين و الورع فكان العدالة عنده صفة نفسانيّة، فإن الورع من صفات النفس.

و على هذا التفسير، تكون العدالة، امرا حقيقيّا، سواء كانت معروفة ام لا.

العدالة و كلام الشيخ الطوسى:

و قال الشيخ الطوسى فى كتابه المبسوط فى معنى العدالة:

«انّ العدالة فى الشريعة هو من كان عدلا فى دينه، عدلا فى مروّته، عدلا فى احكامه.

ثمّ قال(قدّه)، فالعدل فى الدّين هو ان يكون مسلما لا يعرف منه شى‌ء من اسباب الفسق، و العدل فى المروّة ان يكون مجتنبا للأمور التى تسقط المروّة، مثل الاكل فى السوق و لبس الثياب المضيّقة و ثياب المخصوص بالنساء، و العدل فى الاحكام، ان يكون بالغا عادلا عندنا و عندهم ان يكون حدّا».

العدالة و كلام الشيخ الأنصارى:

و قال الشيخ الأعظم الانصارى(قدّه)فى رسالته فى العدالة: «انّ ظاهر كلام المفيد، ان العدالة عبارة عن الاستقامة الفعلية، لكن عن ملكة.

فلا يصدق العدل على من لم يتّفق له فعل الكبيرة مع عدم الملكة».

لكن قد عرفت منّا، انّ صفة المعروفية فى التفسير من قوله، قد اخّرت على سبيل الموضوعيّة، فمن لم يتّفق له فعل كبيرة، فلا محالة انه يصير معروفا بالدّين و الورع، و


صفحه 196

لو لم تكن له ملكة.

العدالة و كلام ابن ادريس الحلى:

و قريب من ذلك كلام الحلّى(قدّه)فى كتاب السرائر و ان اختلف عنه فى تعريف العدل فى الدّين بانه لا يخلّ بواجب، و لا يرتكب قبيحا.

و قد كان ظاهر هذا التعريف، هو أنّ العدالة ان تكون صفة للافعال الخارجية، فتكون هى الاستقامة فى الاعمال.

و ان شئت قلت، انّها عبارة عن عدم الإخلال بواجب و عدم ارتكاب قبيح، و القبيح هو الحرام بقرينة المقابلة.

و امّا المروّة، فسيأتى الكلام فيه.

و امّا لفظ البالغ العاقل، على ما فسرّه، فهو الموصوف بالعدالة، و الموصوف يكون فى رتبة متقدّمة على الوصف، فلا يمكن ان يكون داخلا فيه.

العدالة و كلام ابن حمزة:

و قد عرّف العدالة فى كلام ابن حمزة فى كتابه (الوسيلة)، بانّ العدالة فى الدين، هو الاجتناب من الكبائر، و من الإصرار على الإصرار على الصغائر.

و هذا التعريف راجع الى تعريف الشيخ فى المبسوط.

و اليه يرجع ايضا ما اختاره الشيخ الأعظم فى تعريفه، حيث قال(قدّه):

«التّحقيق انّ العدالة فى كلام الشارع، الاستقامة، و الاستقامة المطلقة فى نظر الشارع، هو الاستقامة على جادّة الشرع، و عدم الميل عنها».

فقوله(قدّه)، ان الاستقامة على جادّة الشرع و عدم الميل عنها، مرادف للاجتناب عن محارم اللّه تعالى، و المآثم فى الدين.

و لعلّه قد اخذ منه بعض الأساطين حيث قال فى التعريف، بانّ العدالة هى الاستقامة فى جادّة الشرع، و عدم الانحراف عنها يمينا و لا شمالا.


صفحه 197

العدالة و كلام العلّامة الحلّى:

و قال العلامة(قدّه)فى كتابه (التحرير) فى معنى العدالة: العدالة كيفيّة نفسانيّة راسخة فى النفس تبعث على ملازمة التقوى و المروّة، و تحصل بالامتناع من الكبائر، و من الإصرار على الصغائر.

و قال(قدّه)فى كتابه (المختلف):

«و التّحقيق انّ العدالة كيفيّة نفسانيّة راسخة تبعث المتّصف بها على ملازمة التقوى و المروّة، و تتحقّق باجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر».

و كان(قدّه)، قد عرّفها فى كتابه (القواعد) بمثل هذا التعريف الذى ذكره فى المختلف. و هذا التعريف، مشهور من العلامة و من تأخّر عنه على ما ذكره الشيخ الأعظم فى رسالته فى العدالة.

و يمكن ارجاع تعريف الثانى الى الثالث بدعوى انّ المراد من اجتناب الذنب فى الثّانى، هو الذى انبعث عن داع الهىّ، فلا يراد منه الاجتناب المطلق، و لو عن غير هذا الداعى الالهى.

فاذا كان الباعث، لعدم الاخلال بواجب و عدم الارتكاب لقبيح، هو الداعى الالهى، فلا محالة يكون الباعث، امرا نفسيّا، و كيفيّة راسخة فى النفس.

و لازم ذلك القول، معنى مقدار زمان تتقدّم صدق هذا الرسوخ و الاجتناب من الذّنوب حتّى يظهر حال الإنسان.

العدالة و ما ذهب اليه الشيخ الأعظم:

و قد قال الشيخ الأعظم الأنصارى(قدّه):

ان فى معنى العدالة قولان آخران،

الأوّل: العدالة هى الإسلام و عدم ظهور الفسق.

الثانى: العدالة هى حسن الظاهر، انتهى‌


صفحه 198

و لا يخفى عليك ان هذين التعريفين فى معنى واحد.

لأنّ حسن الظاهر هو نفس عدم ظهور الفسق عند وجود الموضوع.

و التعبيران، و ان كانا مختلفين بحسب الايجاب و السلب، الّا انهما متّفقان فى المقصود بقرينة صحّة الحمل بينهما.

ثمّ قال هو(قدّه):

انّه لا ريب فى انّ هذين المعنيين لا يكونان، قولين فى معنى العدالة، بل هما طريقان الى معنى واحد فى العدالة.

و استشهد فى ذلك بكلمات جماعة من الأصحاب، فانّهم قد جعلوا هذين التّفسيرين من جعل عنوان واحد، و هو ما تعرف به العدالة.

و على هذا يكون مراده(قدّس سرّه)فى كلامه هو المعنى الواحد لمفهوم العدالة، و هو حسن الظاهر للمسلم. و على هذا التعريف من ان العدالة نفس حسن الظاهر من المسلم المعتقد، فلا يكون هذا قول جديد فى المسألة، بل هو عين ما ذكره الشيخ المفيد(قدّه)فى مقالته، على ما بينّاه سابقا.

فلا بأس لنا بالورود فى معنى حسن الظاهر و التفسير منه و بيان المراد منه.


صفحه 199

الكلام فيما تعرف به العدالة:

انّ العدالة صفة للشخص باعتبار نفسه، و اتّصافه بها، غير تابع لمعرفة احد و اطّلاعه بذلك.

فللعدالة وجود واقعى ثبوتى، غير تابع لوجودها العلمى الاثباتى كما بينّاه فى محلّه.

و لذلك جعلت من ناحية الشرع امارات لمعرفتها عند الجهل بها، مثل الظاهر حسن الظهر الكاشف عن وجودها، او غيره من الأمارات على ما سيأتى بيانها.

العدالة و حسن الظاهر:

الكلام هنا فى ان العدالة هل تكون هى نفس حسن الظاهر، ام يكون حسن الظاهر كاشفا لها و طريقا اليها.

صفات الإنسان على نوعين:

و التّحقيق يستدعى بيان مقدّمة.

و هى انّ صفات الإنسان على نوعين.

العدالة امر ثبوتى واقعى:

الأوّل: ما يكون الاتصاف به غير متوقّف على الغير و معرفته.

فيكون الإنسان متّصفا بذلك الصفة، سواء كان قد عرّفه الغير ام لا. و تكون الصفة امرا ثبوتيّا واقعيّا له، مثل الشجاعة للانسان الشجاع، سواء قد عرفه احد من الناس ام لم يعرفه.


صفحه 200

و من المعلوم انّ العدالة من هذا القبيل من الأوصاف، حيث ان العدالة و الاستقامة فى الدّين ثابت فى الشخص، سواء كان قد عرفه غيره بهذه الصفة، ام لا.

فالعدالة على هذا المعنى امر ثبوتى واقعى.

العدالة امر حقيقى اضافى:

الثانى: ما يكون الاتصاف به موقوفا على وجود الغير، فيكون الصفة امرا حقيقيّا اضافيّا، مثل الشهرة و المعروفية و امثالهما.

فانّ الرجل لا يوصف بالشهرة الّا بعد وجود الغير، و انّ الشى‌ء لا يوصف بالمعروفيّة فى الدّين إلّا بلحاظ الغير.

و من المعلوم انّ حسن الظاهر من هذا القبيل. فتبيّن لك ان العدالة صفة للشخص باعتبار نفسه، و حسن الظاهر صفة له باعتبار غيره، فكيف التّوفيق؟ لان الأوّل معنى اسميّ، و الثانى معنى حرفى، فلا يجوز اتّحادهما معا، لأنّ كلّ واحد منهما من مقولة مستقلّة.

فلو كانت العدالة نفس حسن الظاهر، يلزم منه ان يكون من يجتنب عن الذنوب ليس بعادل اذا لم يعرفه احد بهذه الصفة، مع ان المتبادر من التوصيف بالعدالة خلاف ذلك. فلا يمكن ان يكون العدالة هى نفس حسن الظاهر لوجود التغاير بينهما.

نعم يكون حسن الظاهر كاشفا عنها، فلا اشكال فيه.

كاشفية حسن الظاهر عن وجود العدالة:

قد سبق الكلام منّا، بأنّ حسن الظاهر لا يمكن ان يكون عين العدالة، لأنّ العدالة معنى اسميّ، و حسن الظاهر معنى حرفى و كل واحد منهما من مقولة غير الآخر فلا يجوز اتّحادهما. فلا بدّ و ان يكون حسن الظاهر هو الكاشف عن وجود العدالة، و امارة عليها.

و يتحقّق بيان هذا التعريف بما يدلّ فى الأخبار على ذلك.


صفحه 201

النصوص الواردة فى المقام:

و قد تضافرت النصوص، و استفاضت فى الدلالة بأنّ حسن الظاهر كاشف عن العدالة فى الشخص.

فمنها: صحيحة عبد اللّه بن ابى يعفور، و قد يعرّف فيها باجتناب الكبائر التى اوعد اللّه تعالى عليها بالنار.[1]

و منها: صحيحة ابن مسلم عن ابى جعفر(ع)قال: لو كان الأمر الينا لأجزنا شهادة الرجل اذا علم منه خير، الحديث.[2]

و الخير هو حسن الظاهر منه.

و منها: رواية ابى بصير عن الصادق(ع)قال: لا بأس بشهادة الضّيف اذا كان عفيفا صائنا، الحديث.[3]

و العفة و الصون هو ستر العيوب و حسن الظاهر.

و منها: صحيحة حريز عن الصادق(ع)قال:

اذا كانوا اربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور، اجيزت شهادتهم جميعا، الحديث.[4]

و منها: خبر عبد الكريم بن ابى يعفور عن ابى جعفر(ع)قال: يقبل شهادة المرأة و النسوة اذا كنّ مستورات من اهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف، مطيعات للازواج، تاركات للبذاء و التبرّج الى الرجال، الحديث.[5]

و منها: صحيح ابن المغيرة عن الرضا(ع)قال: كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح فى نفسه جازت شهادته.[6]

[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 10.

[2]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 10.

[3]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 10.

[4]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 2.

[5]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 5.

[6]- وسائل الشيعة 41/ 5.