الكلام فيما تثبت به العدالة
و امّا ما تثبت به العدالة، فهو امّا بخبر الثقة، او بوجود البيّنة، او الشياع فى ذلك، او الشهادة من العدلين.
ثبوت العدالة بخبر الثقة:
و قد ثبّت فى محلّه حجيّة قول الثقة فى جميع الموضوعات، الّا ما خرج بالدليل، فتثبت به وجود العدالة.
و امّا الدليل الدالّ على ثبوت العدالة بخبر الثقة، فيمكن ان يستفاد بتوثيقات الأئمّة(عليهم السلام)فى الموارد العديدة فى الروايات حول عدّة من الاصحاب، ارشادا لشيعتهم كى يعرفونهم.
و من المعلوم أنّ حكاية هذه التوثيقات عنهم، تكشف عن حجية قول الثقة عندهم(عليهم السلام).
و بعبارة اخرى ان اخبار الإمام(ع)عن وثوق رجل عنده دليل على حجيّة قوله، و هو الراوى عنه(عليه السلام)، فاذا لم يكن خبر الراوى عنه حجّة عندهم(عليهم السلام)، فلا معنى لتوثيقه لهذا الراوى.
فحكاية الراوى عنه(ع)، و كذلك نقل الأصحاب خبر هذا الراوى كاشف يقينىّ عن حجيّة قوله عند الإمام(ع).
خبر الثقة و سيرة المتشرّعة:
و يمكن الاستدلال على حجيّة خبر الثقة بالعدالة، بسيرة المتشرّعة من الصحابة و العلماء على العمل باقوال الرجاليّين الموثّقين للرواة.
فلو لم ترجع هذه السيرة الى سيرة العقلاء عموما، لكانت هذه السيرة دليلا خاصّا آخر، على ثبوت العدالة و الوثاقة بأخبار الثقة فى الشرع.
ثبوت العدالة بالبيّنة:
لا ريب فى حجيّة البينة فى الجملة، كما فى باب المرافعات، و فيما ورد بالخصوص فى باب رؤية الهلال، و الفسق و الطلاق و غيرها.
و يغنيك البحث عن حجيّة البيّنة فى ثبوت العدالة، حجيّة قول الثقة فى الموضوعات و فى خصوص العدالة.
فالبحث هنا فى حجية البيّنة، على فرض عدم حجية قول الثقة فى الموضوعات كما اشتهر بين المتأخّرين.
و لا يخفى ثبوت حجية البيّنة على ما مرّ منا فى اثبات حجيتها فى مطلق الموضوعات حتّى بناء على عدم حجية قول الثقة.
الاحتجاج بفعل النبى(ص):
و احتجّ فى ثبوت العدالة بالبيّنة، بما حكى عن فعل النبى(صلّى اللّه عليه و آله)، ببعث رجلين من خيار الصحابة الى قبيلتهم و محلّتهم حتّى يفحصا عن حالهم حتّى يعمل فى القضاء باخبارهما جرحا و تعديلا.
و الإشكال فى هذا الدليل بالضعف، لأنه منقول عن التفسير المنسوب الى العسكرى(ع)و لم تثبت النسبة، غير وارد لان الشواهد الحاليّة، تشهد بصحّة الخبر، فلا وقع لهذا الإشكال.
الاحتجاج بخبر علقمة:
و كذا يمكن الاحتجاج على ثبوت العدالة بالبيّنة بخبر علقمة. لقوله(ع): فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا، و لم يشهد عليه شاهدان، فهو من اهل الستر و العدالة.[1]
و تقريب الاستدلال، انّه قد جعل ثبوت الفسق موقوفا على احد الأمرين، الرؤية، و شهادة الشاهدين، كما انّه جعل ثبوت العدالة على فقدان كلا الأمرين، فيكون هو من أهل الستر و العدالة.
فيفيد الخبر، إنّ شهادة الشاهدين عند الشارع مثل العلم الوجدانى فى الحجيّة عنده.
و مضافا الى ان لقاء خصوصية المورد عند العرف يفيد التعميم.
الّا ان الرواية ضعيف السند و الدلالة، لأنها تدلّ على اجراء اصالة العدالة فى كل مسلم على هذا الطريق، و ما اسهل الأمر لو كان كذلك.
ثبوت العدالة بالشياع:
و قد تثبت العدالة بالشياع فى العرف، فإنّه مفيد للوثوق و هو حجّة عند العقلاء. و امّا اذا لم يفد الوثوق، فلا يكون حجّة و لا قائل بحجيّة مثل ذلك، و قد قيل بأنّه ربّ شهرة لا اصل له.
الشياع طريق تعبّدى:
لكن النصوص الواردة فى الباب و اطلاقاتها ترشد الى انّ الشياع طريق تعبديّ لثبوت العدالة شرعا.
مثل قوله(ع)فى صحيحة: فاذا سئل عنه فى قبيلته و محلّته، قالوا ما رأينا منه الّا خيرا.[2]
و قد علّق فى ذيل الرواية، نفوذ شهادته بين المسلمين على كونه مشهورا بالخير.
[1]- التفسير المنسوب الى الإمام العسكرى(ع).
[2]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 41/ 2.
و قوله(ع): كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح جازت شهادته[1]، فإنّ المعروفية هى الشياع دون غيره.
و قوله(ع): اذا كان لا يعرف لفسق[2]، الحديث، فان عدم المعروفيّة بالفسق، عند العرف ملازم للمعروفيّة بالصلاح.
كما انّ عدم الفسق عند الشرع، مساوق للصلاح. و يدلّ على ذلك ما حكى عن فعل النّبى(صلّى اللّه عليه و آله)، من بعثه رجلين من صحابته الى محل الشهود للاختبار[3]، فانّ حصول المعرفة للرجلين كثيرا ما يحصل من الشياع فى المحل من الحال. فيحصل النتيجة من ثبوت العدالة بالشياع بهذا التفسير.
ثبوت العدالة بالشهادة:
انّ الشهادة و الأخبار بالعدالة بالعدلين تثبت العدالة كما انّ الشهادة بالعدلين يثبت كلّ مشهود به.
الشهادة بالكتابة:
و كما انّ الشهادة تكون قوليّا، فكذلك تكون كتبيّا ايضا، و لا فرق بينهما من جهة الإفادة و الشهادة من جانب العقل و النقل.
فانّ العقلاء، لا يفرّقون بينهما فى الافادة، و لصدق الأخبار الكتبى بمثل الأخبار اللفظى، كما ان الأمر كذلك فى الاقرار الكتبى فى الدعاوى، فانه مثل الاقرار اللفظى فى الافادة و اثبات المظلومية.
الشهادة الفعليّة:
[1]- وسائل الشيعة 10/ 41.
[2]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 10/ 41.
[3]- المدرك، تفسير الامام العسكرى(ع).
و امّا الأخبار الفعلى و الشهادة الفعليّة مثل ان يجعله شاهدا فى الحكم، او يقتدى به فى الصّلاة. فهو ايضا يفيد بالشهادة على العدالة و تثبت به العدالة، لأنّ العقل لا يرى فرقا بين الشهادة الفعليّة و الشهادة القوليّة فى الافادة على المطلوب، اذا كان الثقة فى مقام الحكاية بخبره الفعلى عن المطلوب. و لصدق العناوين، مثل الشهادة و الابلاغ، و الخبر، و نحوها من الالفاظ الواردة فى النصوص على ذلك الشهادة الفعليّة.
و من المعلوم انّ العقلاء لا يفرّقون بين الخبر القولى و بين الخبر الفعلى من حيث الإفادة و الوثوق.
مثل ما اذا قصد الأمير، الأخبار بامانة رجل، فيعطيه مفتاح خزانته تجاه الناس، او بأمر الاستاذ احد تلامذته بالجواب عن المسألة إخبارا عن علم تلميذه، كما يرشد الى ذلك ارجاع ائمّة الدّين(عليهم السلام)الى بعض الأصحاب بالجواب عن المسائل و الإفتاء بين الناس.
فكلّ ذلك دليل على الوثوق و الشهادة على العدالة.
و قد اتّفق المسلمون على انّ السنّة لا تختصّ بالقول فقط، بل السنّة تعمّ القول و الفعل و التقرير. فلو لم يكن الفعل و التقرير مفيدا للخبر، فلا تعمّهما السنّة.
الإشكال فى المسألة:
فإن قلت: لما ذا يشترط التلفّظ فى البيّنة على الدعاوى عند القاضى؟
جواب الإشكال:
قلت: من أجل وجود دليله خاصّ فى باب المرافعات، و ليس ذلك من أجل عدم شمول الشهادة الفعليّة، فهذا تخصيص تعبّدى و ليس بتخصّص.
و على هذا فالشهادة الفعليّة تكون دليلا لثبوت العدالة، كما انّ الشهادة القوليّة تثبت بها العدالة، و مفيدة للوثوق بها.
ما ذهب اليه الشيخ الأعظم:
قال الشيخ الأعظم الأنصارى(قدّه)فى رسالته فى العدالة:
«انّ الاعتماد على الأخبار الفعلى، اذا لم يفد الوثوق بالعدالة، فى غاية الإشكال لفقد ما يطمئنّ به النفس من الدّليل عليه تعبّدا».
الجواب عن كلام الشيخ:
و فيه انّ اطلاقات الموجودة فى الأدلّة و الصدق العرفى للالفاظ، و السيرة العقلائية، كلّها دليل واضح لحصول الاطمئنان، فالمسألة كادت تكون من البديهيّات، فلا اشكال.
التّحقيق عندنا:
و التّحقيق عندنا هو انّ الخبر الفعلى، خبر حقيقة و مصداقا له واقعا، فيكون مثل الخبر القولى، و لا فرق بينهما فى الإفادة.
و الى ما ذكرنا يشهد ما ذكره الشهيد(قدّه)فى الدروس، من القول بعدم الفعل بين القولى من الشهادة و بين الفعلى منها.
نعم، اذا لم يكن الثقة فى مقام الإخبار بفعله و كذا بكتابته، فلا سبيل الى القول بحجيّة ذلك، للتأمّل فى صدق عنوان الشهادة على وجود العدالة.
فهو نظير التلفّظ بالخبر القولى غير مريد الى مدلوله، او لا يكون فى قصده الجدّ فى مدلول لفظه، فلا يعتمد على كلامه و لا يوصف بالوثوق.
الشهادة بالتقرير:
و قد يكون الأخبار فى وجود العدالة بالتقرير، فلذا قد يقال بانّ سكوت المرأة فى بعض الأحوال مخبر، عن رضاها فى المسألة.
فيمكن ان يقال بانّ التقرير ايضا يقوم مقام الخبر القولى عن وجود العدالة. لكن فيه تأمّل و اشكال من حيث عدم شمول الدليل لمثل ذلك، الّا اذا قلنا بانّ المقام مما يكون السكوت فيه حراما، فيفيد حينئذ فى المطلوب الّا فى باب التقيّة.
نتيجة البحث:
و الحاصل انّ ثبوت العدالة يتحقّق بخبر الثقة، و كذا تثبت بالبيّنة و الشياع المفيد، و كما أنّها تثبت بالقول، كذلك تثبت بالفعل و الكتابة على ما يستفاد من الأدلّة.
و امّا ثبوتها بالتقرير باعتبار اجراء اصالة الصحّة فى فعل من يجعل السكوت فى هذا المقام، إخبارا عن وجود العدالة، الّا انه محلّ تأمّل و اشكال، إلّا فى بعض الموارد الذى كان معه شاهد الحال و المقام حتّى يفيد المطلوب.
العدالة و الاجتناب عن المعصية
الاجتناب عن الكبائر:
قد اجمع فقهاؤنا(قدّس اللّه ارواحهم)، على أنّ ارتكاب الكبيرة و لو مرّة واحدة مضرّ بالعدالة و مخلّ بالملكة النفسانيّة.
العدالة و الاجتناب عن الكبيرة:
فالعدل، هو من لا يرتكب كبيرة اصلا. و يدلّ على ذلك اطلاق قوله(ع)فى الصحيحة، و تعرف باجتناب الكبائر[1].
و كذا اطلاق قوله(ع)، و الدلالة على ذلك كلّه، ان يكون ساترا لجميع عيوبه[2].
و كذا يشهد قوله(ع)فى خبر علقمة، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان فهو من اهل الستر و العدالة[3].
و كذا خبر علاء بن سيّابة، لا بأس اذا كان لا يعرف بالفسق[4].
فإنّ تنكير الذنب و الفسق فى الخبرين الأخيرين، يشملان الدخول فى الجريمة و لو بمرّة واحدة. فمن دخل فيها مرّة فقد خرج عن نطاق العدالة.
مقتضى حكم الشرع بنحو القضية العلمية:
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 10/ 41.
[2]- المدرك.
[3]- المدرك.
[4]- المدرك.