و قوله(ع): كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح جازت شهادته[1]، فإنّ المعروفية هى الشياع دون غيره.
و قوله(ع): اذا كان لا يعرف لفسق[2]، الحديث، فان عدم المعروفيّة بالفسق، عند العرف ملازم للمعروفيّة بالصلاح.
كما انّ عدم الفسق عند الشرع، مساوق للصلاح. و يدلّ على ذلك ما حكى عن فعل النّبى(صلّى اللّه عليه و آله)، من بعثه رجلين من صحابته الى محل الشهود للاختبار[3]، فانّ حصول المعرفة للرجلين كثيرا ما يحصل من الشياع فى المحل من الحال. فيحصل النتيجة من ثبوت العدالة بالشياع بهذا التفسير.
ثبوت العدالة بالشهادة:
انّ الشهادة و الأخبار بالعدالة بالعدلين تثبت العدالة كما انّ الشهادة بالعدلين يثبت كلّ مشهود به.
الشهادة بالكتابة:
و كما انّ الشهادة تكون قوليّا، فكذلك تكون كتبيّا ايضا، و لا فرق بينهما من جهة الإفادة و الشهادة من جانب العقل و النقل.
فانّ العقلاء، لا يفرّقون بينهما فى الافادة، و لصدق الأخبار الكتبى بمثل الأخبار اللفظى، كما ان الأمر كذلك فى الاقرار الكتبى فى الدعاوى، فانه مثل الاقرار اللفظى فى الافادة و اثبات المظلومية.
الشهادة الفعليّة:
[1]- وسائل الشيعة 10/ 41.
[2]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 10/ 41.
[3]- المدرك، تفسير الامام العسكرى(ع).
و امّا الأخبار الفعلى و الشهادة الفعليّة مثل ان يجعله شاهدا فى الحكم، او يقتدى به فى الصّلاة. فهو ايضا يفيد بالشهادة على العدالة و تثبت به العدالة، لأنّ العقل لا يرى فرقا بين الشهادة الفعليّة و الشهادة القوليّة فى الافادة على المطلوب، اذا كان الثقة فى مقام الحكاية بخبره الفعلى عن المطلوب. و لصدق العناوين، مثل الشهادة و الابلاغ، و الخبر، و نحوها من الالفاظ الواردة فى النصوص على ذلك الشهادة الفعليّة.
و من المعلوم انّ العقلاء لا يفرّقون بين الخبر القولى و بين الخبر الفعلى من حيث الإفادة و الوثوق.
مثل ما اذا قصد الأمير، الأخبار بامانة رجل، فيعطيه مفتاح خزانته تجاه الناس، او بأمر الاستاذ احد تلامذته بالجواب عن المسألة إخبارا عن علم تلميذه، كما يرشد الى ذلك ارجاع ائمّة الدّين(عليهم السلام)الى بعض الأصحاب بالجواب عن المسائل و الإفتاء بين الناس.
فكلّ ذلك دليل على الوثوق و الشهادة على العدالة.
و قد اتّفق المسلمون على انّ السنّة لا تختصّ بالقول فقط، بل السنّة تعمّ القول و الفعل و التقرير. فلو لم يكن الفعل و التقرير مفيدا للخبر، فلا تعمّهما السنّة.
الإشكال فى المسألة:
فإن قلت: لما ذا يشترط التلفّظ فى البيّنة على الدعاوى عند القاضى؟
جواب الإشكال:
قلت: من أجل وجود دليله خاصّ فى باب المرافعات، و ليس ذلك من أجل عدم شمول الشهادة الفعليّة، فهذا تخصيص تعبّدى و ليس بتخصّص.
و على هذا فالشهادة الفعليّة تكون دليلا لثبوت العدالة، كما انّ الشهادة القوليّة تثبت بها العدالة، و مفيدة للوثوق بها.
ما ذهب اليه الشيخ الأعظم:
قال الشيخ الأعظم الأنصارى(قدّه)فى رسالته فى العدالة:
«انّ الاعتماد على الأخبار الفعلى، اذا لم يفد الوثوق بالعدالة، فى غاية الإشكال لفقد ما يطمئنّ به النفس من الدّليل عليه تعبّدا».
الجواب عن كلام الشيخ:
و فيه انّ اطلاقات الموجودة فى الأدلّة و الصدق العرفى للالفاظ، و السيرة العقلائية، كلّها دليل واضح لحصول الاطمئنان، فالمسألة كادت تكون من البديهيّات، فلا اشكال.
التّحقيق عندنا:
و التّحقيق عندنا هو انّ الخبر الفعلى، خبر حقيقة و مصداقا له واقعا، فيكون مثل الخبر القولى، و لا فرق بينهما فى الإفادة.
و الى ما ذكرنا يشهد ما ذكره الشهيد(قدّه)فى الدروس، من القول بعدم الفعل بين القولى من الشهادة و بين الفعلى منها.
نعم، اذا لم يكن الثقة فى مقام الإخبار بفعله و كذا بكتابته، فلا سبيل الى القول بحجيّة ذلك، للتأمّل فى صدق عنوان الشهادة على وجود العدالة.
فهو نظير التلفّظ بالخبر القولى غير مريد الى مدلوله، او لا يكون فى قصده الجدّ فى مدلول لفظه، فلا يعتمد على كلامه و لا يوصف بالوثوق.
الشهادة بالتقرير:
و قد يكون الأخبار فى وجود العدالة بالتقرير، فلذا قد يقال بانّ سكوت المرأة فى بعض الأحوال مخبر، عن رضاها فى المسألة.
فيمكن ان يقال بانّ التقرير ايضا يقوم مقام الخبر القولى عن وجود العدالة. لكن فيه تأمّل و اشكال من حيث عدم شمول الدليل لمثل ذلك، الّا اذا قلنا بانّ المقام مما يكون السكوت فيه حراما، فيفيد حينئذ فى المطلوب الّا فى باب التقيّة.
نتيجة البحث:
و الحاصل انّ ثبوت العدالة يتحقّق بخبر الثقة، و كذا تثبت بالبيّنة و الشياع المفيد، و كما أنّها تثبت بالقول، كذلك تثبت بالفعل و الكتابة على ما يستفاد من الأدلّة.
و امّا ثبوتها بالتقرير باعتبار اجراء اصالة الصحّة فى فعل من يجعل السكوت فى هذا المقام، إخبارا عن وجود العدالة، الّا انه محلّ تأمّل و اشكال، إلّا فى بعض الموارد الذى كان معه شاهد الحال و المقام حتّى يفيد المطلوب.
العدالة و الاجتناب عن المعصية
الاجتناب عن الكبائر:
قد اجمع فقهاؤنا(قدّس اللّه ارواحهم)، على أنّ ارتكاب الكبيرة و لو مرّة واحدة مضرّ بالعدالة و مخلّ بالملكة النفسانيّة.
العدالة و الاجتناب عن الكبيرة:
فالعدل، هو من لا يرتكب كبيرة اصلا. و يدلّ على ذلك اطلاق قوله(ع)فى الصحيحة، و تعرف باجتناب الكبائر[1].
و كذا اطلاق قوله(ع)، و الدلالة على ذلك كلّه، ان يكون ساترا لجميع عيوبه[2].
و كذا يشهد قوله(ع)فى خبر علقمة، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان فهو من اهل الستر و العدالة[3].
و كذا خبر علاء بن سيّابة، لا بأس اذا كان لا يعرف بالفسق[4].
فإنّ تنكير الذنب و الفسق فى الخبرين الأخيرين، يشملان الدخول فى الجريمة و لو بمرّة واحدة. فمن دخل فيها مرّة فقد خرج عن نطاق العدالة.
مقتضى حكم الشرع بنحو القضية العلمية:
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 10/ 41.
[2]- المدرك.
[3]- المدرك.
[4]- المدرك.
هذا كله بمقتضى حكم الشرع، فان ظاهر النص و الفتوى، اشتراط التاثير الفعلى للملكة بنحو قضية العلمية.
حكم العرف بنحو وجود المقتضى:
لكنّ عند العرف، تكون الملكات صفات نفسانيّة مأخوذة بنحو وجود المقتضى، لا بنحو العلميّة، و لذا جبن الشجاع فى ملحمة، غير دالّ على زوال ملكة الشجاعة، فقد يجتمع الجبن مع الشجاعة، امّا لضعف فى الملكة، او لوجود قوّة المعارضة.
هذا بخلاف ملكة العدالة عند الشارع، فإنّها لا تجتمع مع اى كبيرة اصلا.
الاجتناب عن الصغائر:
و امّا الاجتناب عن صغار الذنوب، فهل يكون داخلا فى العدالة، ام لا، بل الملاك هو الاجتناب عن الكبيرة فقط؟
وجهان بل قولان.
اطلاق الأدلّة و لزوم الاجتناب:
احتجّوا للأوّل، بانّ اطلاق متعلق الستر و العفاف فى الرواية دليل على ذلك.
فانّ حذف المتعلق مفيد للاطلاق و العموم، كما فى قوله(ع)، و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، الحديث[1].
فالعدالة متحقّقة و متقوّمة، بالاجتناب عن مطلق الآثام كبارها و صغارها.
كما فى قوله(ع): و الدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه[2].
اذ يكون من المعلوم أنّ كلمة الجميع، من ادوات العموم و تفيد المعنى العامّ يشمل
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات 10/ 41.
[2]- المدرك.
جميع الموارد.
القول فى عدم دخول الصغيرة فى الرواية:
هذا، و لكن يشكل ذلك، بل و يقوى القول الثانى.
بانّ الكبيرة لا يختصّ صدورها بالبطن و الفرج و اليد و اللسان، بل قد تكون صادرة عن عضو آخر، مثل الفرار عن الزحف و مثل الرياء و مثل عقوق الوالدين، فإنّ صدورها غير مختصّ بكونه من عضو خاصّ دون عضو.
فيكون تخصيص الاعضاء الاربعة بالذكر، من جهة كثرة صدور الكبائر منها.
قرينيّة الموجود فى الانصراف:
و على هذا فإطلاق الكفّ فى الرواية على الجميع لا يخلو من التأمّل، من جهة احتمال قرينيّة الموجود، و سوق الكلام الى جهة الكبائر فقط.
و ممّا ذكرنا يظهر حال الاستدلال بعموم قوله(ع): بجميع عيوبه[1].
فانّ سبق الكلام بشىء قد يصير قرينة على انّ المقصود من العيب هو الكبيرة فقط.
القرينة الثانية للانصراف:
و هناك قرينة أخرى فى الرواية شاهدة على المطلوب، و هى الفقرة الاخيرة فى ذيل الكلام. و هى قوله(ع): حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه.
فانّه لو كان المقصود من قوله(ع): جميع عيوبه، هو الكبائر و الصغائر معا، لما بقى ما وراء ذلك عيب و عثرة يلزم ذكره، مع انّ المتبادر منه وجود عيوب و عثرات ما وراء ذلك المذكور.
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات.
و يستفاد الحكم من الإطلاق:
و يمكن الاستدلال لعدم دخول الصغائر فى العدالة، باطلاق قوله(ع): و يعرف باجتناب الكبائر[1].
فإنّ اطلاقه حاكم بعدالة من عرف باجتناب الكبائر، سواء عرف باجتناب الصغائر ام لا.
[1]- وسائل الشيعة كتاب الشهادات ج 10/ 41.