فان وجود هذه الخصال الثلاثة كاشفة عن استقامته على طريق الشرع فى سائر الجهات، لوجود الملازمة الغالبيّة.
الّا ان العدالة تدور مدار الاجتناب عن الكبائر فقط. او انّ المدار، هو الاجتناب عن الظلم فى المعاملة مع النّاس، او الكذب، او خلف الوعد، فقط. بل كلّ هذه كاشفة عن تحفّظه عن دينه و عن مطلق المعاصى.
و لأجل ذلك ربما يقوى النظر فى انّ دوران العدالة يدور مدار الاجتناب عن مطلق المعاصى.
التّحقيق فى المسألة:
و التّحقيق أنّ اجتناب الكبائر، ان كان منبعثا عن فضائل نفسانيّة، فلا محالة يلازم اجتناب سائر المعاصى ايضا، لأنّه لا فرق فى مقتضيات الفضائل النفسانيّة فى الإنسان بين معصية دون معصية.
و إن كان منبعثا عن الخوف من العقوبة المترتّبة على المعاصى، فحينئذ حيث أن المعاصى متفاوتة فيما يترتّب عليها من العقوبات، فيمكن ان تؤثّر عليه شدّة عقوبات الكبائر فى شدّة الخوف من ارتكابها، دون غيرها من الذنوب، فلا ملازمة بينهما اصلا. نعم الاجتناب عن الصغائر للخوف من عقوباتها، يلازم الاجتناب عن الكبائر جدّا بالأولويّة.
الاجتناب عن الذنوب كلها:
فالملاك هو الاجتناب عن الذنوب كلّها فى تحقّق العدالة، الّا ان اطلاق الذنب فى رواية علقمة مقيد بخصوص الكبائر الّتى انيطت بها حقيقة العدالة على ما صرّح فى صحيحة ابن ابى يعفور.
ما فى ذيل الصحيحة:
و امّا قوله(ع)فى ذيل هذه الصحيحة فهو فرع لصدرها، لأنّ السّتر الذى جعل امارة، ستر تلك الذنوب و العيوب التى كان اظهارها فسقا، و هى الذنوب الكبائر، لأن قوله(ع): و تعرف باجتناب الكبائر، فى تمام بيان حقيقة العدالة، و قوله(ع): و الدليل على ذلك كلّه الخ، فى مقام بيان. الأمارة على تلك الحقيقة.
ما قيل ان اجتناب الكبائر امارة على اجتناب الصغائر:
و منه تبيّن الجواب عن جعل معرفة اجتناب الكبائر أمارة على اجتناب الصغائر بل و تكفيرا لها لو كانت.
الفرق بين الرّوايتين:
و به ظهر الفرق بينها و بين ما ورد فى الرواية المذكورة آنفا، من ان العادل من عامل الناس فلم يظلمهم ...، فانّه لا بأس بان تكون هذه الخصال امارة على استقامته فى سائر الأفعال على حدّ الدّين.
بخلاف ما افيد فى صحيحة ابن ابى يعفور فى مقام شرح الحقيقة، فلا دلالة لهذه الرواية على ان ترك مطلق المعصية مناط للعدالة، نظرا الى أنّ خلف الوعد ليس من الكبائر.
و ذلك لأنّ المترتّب على هذه الخصال، كمال المروّة و ظهور العدالة، فلعلّ للوفاء بالوعد دخلا فى كمال المروّة لا فى خصوص العدالة.
دلالة لهذه الرواية على وجوب الوفاء بالموعد و حرمة التخلّف، فضلا عن كون خلفه من الكبائر.
ما يشعر فى الرواية:
و فى الرواية اشعار ايضا بمقابلة كمال المروّة للعدالة، لا انّها مأخوذة فيها. و يمكن ان يقال بانّ مقتضى تكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر، كما هو ظاهر الكتاب و صريح
السنّة، هو دوران العدالة مدار خصوص اجتناب الكبائر، حيث انّ فعل الصغيرة من المجتنب عن الكبائر دائما من باب المقتضى المقرون بالمانع، فلا يؤثّر شيئا، بل هو اولى من التوبة، فانّها رفع و هذا دفع.
فتزول العدالة بالكبيرة، و تعود بالتوبة و لا تزول بالصغيرة، لمكان المانع المتعارف لمقتضى الإزالة.
فى حقيقة المعاصى
حقيقة الكبيرة:
و الكلام هنا فى حقيقة المعصية الكبيرة و الصغيرة، و ما يمتاز به الكبيرة عن الصغيرة.
ما اوعد اللّه تعالى بالنار:
ظاهر جملة من الأخبار، أنّ الكبيرة هى ما اوعد اللّه تعالى عليه بالنّار. بل هو صريح رواية عبّاد بن كثير، قال(ع): كل ما اوعد اللّه عليه النّار.
شدّة المبغوضية:
و الوجه فى ذلك أنّ الا يعاد على شىء بالخصوص يكشف عن شدّة المبغوضيّة فيه و اهمّية طلب تركه.
و التنصيص على شىء بكونه كبيرة محرّمة، هو الإخبار بكونه مما اوعد اللّه عليه بالنّار، بدليل الالتزام، و ان لم يكن بحسب الظاهر ذكر ايعاد عليه فى القرآن و السنّة.
الكبائر فى صحيحة عبد العظيم الحسنى:
و قد ورد فى الرواية الصحيحة عن عبد العظيم الحسنى، جملة من الكبائر التى نطق الكتاب بها و بعقوباتها غير النار.
بل و ربّما لم يتعرّض القرآن لعقوبة فعله بشىء من العقاب، و انّما دلّ على حرمته
فقط، فيكشف انّه كبيرة فيطلب تركه.
كما فى قوله(ع): فى كتمان الشهادة بأنّه كبيرة استشهادا بقوله تعالى: و من يكتمها فانه آثم قلبه[1].
ترك الصلاة متعمّدا:
كما ورد فى ترك الصلاة متعمّدا، استشهادا بقوله(صلّى اللّه عليه و آله): من ترك الصلاة متعمّدا فقد برء من ذمّة اللّه و ذمّة رسول اللّه.
مع انّ السؤال عن معرفة الكبائر من الكتاب، فلعلّ الوجه فيه اثبات الصغرى لما فى الكتاب، و المناسب لهذه الصغرى القضية.
الخروج من ذمّة اللّه تعالى:
قوله تعالى: و نسوق المجرمين الى جهنّم وردا لا يملكون الشّفاعة الّا من اتّخذ عند الرحمن عهدا. فمن خرج عن ذمّة اللّه و امانته و ضمانه، فلا عهد له منه تعالى، فيكون ممن يساق الى جهنم وردا، بخلاف المجرم الذى عمل الصالحات، فانه فى امان اللّه و ضمانه، فهو يملك الشّفاعة و لا يساق الى النار.
لأنّ فى صدر الخبر قوله(صلّى اللّه عليه و آله)، من صلّى المغرب و العشاء، كان فى ذمّة اللّه، و من ترك الصلاة متعمّدا برىء من ذمّة اللّه الخ.
فيظهر منه ان المصلّى فى امان اللّه و ضمانه تعالى شأنه العزيز، فهو فى عهد منه تعالى، فلا يساق الى النّار، بل ترجى له الشفاعة إن شاء اللّه تعالى.
كتمان الشهادة:
و هكذا قوله(ع): فى كتمان الشهادة إنّه كبيرة، على ما قلناه آنفا، استشهادا بقوله
[1]- بقرة/ 283.
تعالى، و من يكتمها فإنّه آثم قلبه.
عقوق الوالدين:
و كذا قوله(ع): فى عقوق الوالدين، انّه كبيرة لأنّ اللّه سبحانه، جعل العاقّ جبّارا شقيّا و قد دلت الآية على عقوبة الشقى بقوله تعالى:فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ.و كذا من يبوء للإثم، فهو من اصحاب النار لقوله تعالى:
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ.
الاثم بالفواحش:
و كذا قوله تعالى:وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً.
فان الأثام جزاء الإثم الذى فصلّه تعالى بعده بقوله يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلو فيه مهانا. و فى الحديث انه الاثم و الفواحش.
و قد استدلّ الإمام الكاظم(ع): على حرمة الإثم بقوله تعالى:إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَالى قوله تعالىوَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ،ثمّ استدلّ(عليه السلام)بآية اخرى اطلق الإثم فيها على الخمر.
شرب الخمر:
و لعلّه ايضا من هذا القبيل ما اجاب(ع)فى الصحيحة عن انّ شرب الخمر كبيرة، بانّه نهى اللّه تعالى عنه كما نهى عن عبادة الاوثان. و مقتضى ظاهره ان يكون فعل كل منهىّ عنه كبيرة.
الانصاب و الازلام:
و هكذا قوله تعالى:إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ
عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ.
فانّ الانصاب على ما ورد فى العيون عن الباقر(ع)فى تفسيرها، ما ذبح على النصب و هى ما ذبحت تقرّبا لما كان يعبدون من النيران عند المجوس، او للاصنام عند المشركين فى العرب، فانّ الذبح بهذا العنوان عبادة للاصنام.
و كذا فى الكافى، ان الأنصاب ما ذبحوا لآلهتهم الاوثان.
و فى تفسير القمّى عن الإمام الباقر قال(ع): انّ الأنصاب الأوثان التى كان يعبدها المشركون.
عبادة الاوثان:
بل و فى آخر هذا الخبر ما لفظه، و قرن اللّه الخمر و الميسر مع الأوثان.
و على هذا يكون هذا كالمفسّر للصحيحة و موافقا لها فى المعنى.
و عليه فيدلّ الاقتران بينهما على مساواتهما فى شدّة المبغوضية، و ما يترتب على عبادة الأوثان من العقوبة، قال اللّه تعالى:إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ.
اكل الرباء:
و كذا قوله(ع): فى أكل الربا، فانّه قد استدل بقوله تعالى:لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ.
و معناه انه يحشر كالمصروع و المغلول يغلّ و يطرق به، بحيث يعذّب به و يفتضح على رءوس الاشهاد.
و استدلّ(ع)بقوله تعالى و من يضلل بات بما غلّ يوم القيامة.
العدالة و ترك الذنوب كلها:
و الى غير ذلك من الذنوب التى جاءت فى القرآن و السنة من الكبائر، يوجب
الاقتران بها عمدا ذهاب العدالة.
الجمع بين الصحيحة و النيران فى الكبائر:
فالجمع بين هذه الصحيحة الطويلة فى بيان الكبائر و بين ما دلّ على انّ الميزان فى معرفة الكبائر، هو الايعاد بالنار.
يقتضى حمل النّار على العذاب الأخروى من انواع العذاب التى تضمّنت الصحيحة، فانّه اولى من حمل العقوبات فى الصحيحة على خصوص التعذيب بالنار.
فانّ من جملة الكبائر ما لا دلالة عليه فى الكتاب الّا على انه لا خلاف لهم، اى لا نصيب لهم من الخير، و هو اعمّ من التعذيب بالنار، إلّا بالملازمة بين عدم النصب الأخروى من الخبر و دخوله فى النار.
الّا ان يقال ان الصحيحة ليست فى مقام اعطاء القاعدة و الميزان لمعرفة الكبائر، بل كانت فى مقام استخراج الكبائر المعلوم كونها كبيرة من الكتاب العزيز.
لكنّ الظاهر من قوله(ع): الكبائر ما اوعد اللّه عليها بالنار، هو فى مقام بيان ان كلّ كبيرة حكمه كذا، فلا يكون مطلق العقوبة مناط الكبيرة. فالتّحقيق هو ما ذكرنا من الجمع بينهما، و اللّه العالم بالحقائق.
المناط فى فعل الكبيرة:
ثمّ انّ المناط الواقعى لكون فعل المعصية كبيرة، هو كونه ذا مفسدة قويّة، فتنبعث منها مبغوضية شديدة، فتترتّب عليها عقوبة عظيمة و هى النار.
العقاب و نفس العنوان الكبيرة:
الّا ان الايعاد بالنار تارة على نفس ذلك العنوان الّذى فيه المفسدة القوية، و اخرى على العنوان الملازم لذلك العقوبة. مثلا عنوان الكفر و قد رتّب عليه العقاب، فانّ فى هذا العنوان مفسدة شديدة الموجبة للدخول فى النار و هكذا مثل عنوان الخسران،