فى حقيقة المعاصى
حقيقة الكبيرة:
و الكلام هنا فى حقيقة المعصية الكبيرة و الصغيرة، و ما يمتاز به الكبيرة عن الصغيرة.
ما اوعد اللّه تعالى بالنار:
ظاهر جملة من الأخبار، أنّ الكبيرة هى ما اوعد اللّه تعالى عليه بالنّار. بل هو صريح رواية عبّاد بن كثير، قال(ع): كل ما اوعد اللّه عليه النّار.
شدّة المبغوضية:
و الوجه فى ذلك أنّ الا يعاد على شىء بالخصوص يكشف عن شدّة المبغوضيّة فيه و اهمّية طلب تركه.
و التنصيص على شىء بكونه كبيرة محرّمة، هو الإخبار بكونه مما اوعد اللّه عليه بالنّار، بدليل الالتزام، و ان لم يكن بحسب الظاهر ذكر ايعاد عليه فى القرآن و السنّة.
الكبائر فى صحيحة عبد العظيم الحسنى:
و قد ورد فى الرواية الصحيحة عن عبد العظيم الحسنى، جملة من الكبائر التى نطق الكتاب بها و بعقوباتها غير النار.
بل و ربّما لم يتعرّض القرآن لعقوبة فعله بشىء من العقاب، و انّما دلّ على حرمته
فقط، فيكشف انّه كبيرة فيطلب تركه.
كما فى قوله(ع): فى كتمان الشهادة بأنّه كبيرة استشهادا بقوله تعالى: و من يكتمها فانه آثم قلبه[1].
ترك الصلاة متعمّدا:
كما ورد فى ترك الصلاة متعمّدا، استشهادا بقوله(صلّى اللّه عليه و آله): من ترك الصلاة متعمّدا فقد برء من ذمّة اللّه و ذمّة رسول اللّه.
مع انّ السؤال عن معرفة الكبائر من الكتاب، فلعلّ الوجه فيه اثبات الصغرى لما فى الكتاب، و المناسب لهذه الصغرى القضية.
الخروج من ذمّة اللّه تعالى:
قوله تعالى: و نسوق المجرمين الى جهنّم وردا لا يملكون الشّفاعة الّا من اتّخذ عند الرحمن عهدا. فمن خرج عن ذمّة اللّه و امانته و ضمانه، فلا عهد له منه تعالى، فيكون ممن يساق الى جهنم وردا، بخلاف المجرم الذى عمل الصالحات، فانه فى امان اللّه و ضمانه، فهو يملك الشّفاعة و لا يساق الى النار.
لأنّ فى صدر الخبر قوله(صلّى اللّه عليه و آله)، من صلّى المغرب و العشاء، كان فى ذمّة اللّه، و من ترك الصلاة متعمّدا برىء من ذمّة اللّه الخ.
فيظهر منه ان المصلّى فى امان اللّه و ضمانه تعالى شأنه العزيز، فهو فى عهد منه تعالى، فلا يساق الى النّار، بل ترجى له الشفاعة إن شاء اللّه تعالى.
كتمان الشهادة:
و هكذا قوله(ع): فى كتمان الشهادة إنّه كبيرة، على ما قلناه آنفا، استشهادا بقوله
[1]- بقرة/ 283.
تعالى، و من يكتمها فإنّه آثم قلبه.
عقوق الوالدين:
و كذا قوله(ع): فى عقوق الوالدين، انّه كبيرة لأنّ اللّه سبحانه، جعل العاقّ جبّارا شقيّا و قد دلت الآية على عقوبة الشقى بقوله تعالى:فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ.و كذا من يبوء للإثم، فهو من اصحاب النار لقوله تعالى:
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ.
الاثم بالفواحش:
و كذا قوله تعالى:وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً.
فان الأثام جزاء الإثم الذى فصلّه تعالى بعده بقوله يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلو فيه مهانا. و فى الحديث انه الاثم و الفواحش.
و قد استدلّ الإمام الكاظم(ع): على حرمة الإثم بقوله تعالى:إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَالى قوله تعالىوَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ،ثمّ استدلّ(عليه السلام)بآية اخرى اطلق الإثم فيها على الخمر.
شرب الخمر:
و لعلّه ايضا من هذا القبيل ما اجاب(ع)فى الصحيحة عن انّ شرب الخمر كبيرة، بانّه نهى اللّه تعالى عنه كما نهى عن عبادة الاوثان. و مقتضى ظاهره ان يكون فعل كل منهىّ عنه كبيرة.
الانصاب و الازلام:
و هكذا قوله تعالى:إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ
عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ.
فانّ الانصاب على ما ورد فى العيون عن الباقر(ع)فى تفسيرها، ما ذبح على النصب و هى ما ذبحت تقرّبا لما كان يعبدون من النيران عند المجوس، او للاصنام عند المشركين فى العرب، فانّ الذبح بهذا العنوان عبادة للاصنام.
و كذا فى الكافى، ان الأنصاب ما ذبحوا لآلهتهم الاوثان.
و فى تفسير القمّى عن الإمام الباقر قال(ع): انّ الأنصاب الأوثان التى كان يعبدها المشركون.
عبادة الاوثان:
بل و فى آخر هذا الخبر ما لفظه، و قرن اللّه الخمر و الميسر مع الأوثان.
و على هذا يكون هذا كالمفسّر للصحيحة و موافقا لها فى المعنى.
و عليه فيدلّ الاقتران بينهما على مساواتهما فى شدّة المبغوضية، و ما يترتب على عبادة الأوثان من العقوبة، قال اللّه تعالى:إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ.
اكل الرباء:
و كذا قوله(ع): فى أكل الربا، فانّه قد استدل بقوله تعالى:لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ.
و معناه انه يحشر كالمصروع و المغلول يغلّ و يطرق به، بحيث يعذّب به و يفتضح على رءوس الاشهاد.
و استدلّ(ع)بقوله تعالى و من يضلل بات بما غلّ يوم القيامة.
العدالة و ترك الذنوب كلها:
و الى غير ذلك من الذنوب التى جاءت فى القرآن و السنة من الكبائر، يوجب
الاقتران بها عمدا ذهاب العدالة.
الجمع بين الصحيحة و النيران فى الكبائر:
فالجمع بين هذه الصحيحة الطويلة فى بيان الكبائر و بين ما دلّ على انّ الميزان فى معرفة الكبائر، هو الايعاد بالنار.
يقتضى حمل النّار على العذاب الأخروى من انواع العذاب التى تضمّنت الصحيحة، فانّه اولى من حمل العقوبات فى الصحيحة على خصوص التعذيب بالنار.
فانّ من جملة الكبائر ما لا دلالة عليه فى الكتاب الّا على انه لا خلاف لهم، اى لا نصيب لهم من الخير، و هو اعمّ من التعذيب بالنار، إلّا بالملازمة بين عدم النصب الأخروى من الخبر و دخوله فى النار.
الّا ان يقال ان الصحيحة ليست فى مقام اعطاء القاعدة و الميزان لمعرفة الكبائر، بل كانت فى مقام استخراج الكبائر المعلوم كونها كبيرة من الكتاب العزيز.
لكنّ الظاهر من قوله(ع): الكبائر ما اوعد اللّه عليها بالنار، هو فى مقام بيان ان كلّ كبيرة حكمه كذا، فلا يكون مطلق العقوبة مناط الكبيرة. فالتّحقيق هو ما ذكرنا من الجمع بينهما، و اللّه العالم بالحقائق.
المناط فى فعل الكبيرة:
ثمّ انّ المناط الواقعى لكون فعل المعصية كبيرة، هو كونه ذا مفسدة قويّة، فتنبعث منها مبغوضية شديدة، فتترتّب عليها عقوبة عظيمة و هى النار.
العقاب و نفس العنوان الكبيرة:
الّا ان الايعاد بالنار تارة على نفس ذلك العنوان الّذى فيه المفسدة القوية، و اخرى على العنوان الملازم لذلك العقوبة. مثلا عنوان الكفر و قد رتّب عليه العقاب، فانّ فى هذا العنوان مفسدة شديدة الموجبة للدخول فى النار و هكذا مثل عنوان الخسران،
الذى ليس هو نفس ذا مفسدة، بل بسبب فعل ما فيه المفسدة حتّى يقع الفاعل فى خسران ذلك الفعل الملازم للعقاب الأخروى.
و فى بيان الكبائر التى اوعد عليها النار، ربّما يلاحظ نفس العنوان الأوّل، و يقال اليائس من روح اللّه كبيرة، لأنّ اللّه تعالى يقول:إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ،و الكفر بعنوانه يكون فيه اعظم المفاسد، و اوعد عليه بالنار.
العقاب و العنوان الملازم للكبيرة:
و ربّما يلاحظ العنوان الثانى، و يقال الأمن من مكر اللّه تعالى كبيرة جدّا، لأنّ اللّه تعالى يقول:فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ،و يكون الخاسر فى النار.
و بهذا الاعتبار تارة نفس ترك الصلاة كبيرة لأنه كفر، اذا كان من غير علّة عذرية.
حيث انه لمحض الاستخفاف و ردع الدين، و هو كفر يوجب الدخول فى النار.
و أخرى ان تركها ملازم للكبيرة، لأنّ تركها عمدا من غير عذر يوجب الخروج عن ذمّة اللّه تعالى، و من خرج عن ذمّته، فهو من الخاسرين يوم القيامة، و هم الذين من اصحاب النار. فهذا العنوان ملازم لما يوجب الدخول فى النار. فلا منافاة بينهما، من حيث العنوان الأصلى او العنوان الملازم، لتساويهما فى النتيجة و هى العقوبة الأخروية و الدخول فى النار، فالمناط واحد.
حقيقة الإصرار على الصغائر
و امّا الإصرار على الصغائر من الذّنوب، فهل هو داخل فى الكبيرة ام لا؟ فيه بحث.
القول المشهور:
و المشهور عند الأصحاب فى ثبوت العدالة، هو الاجتناب عن الكبيرة و عدم الإصرار على الصغيرة. فانّ الإصرار على الصغيرة بنفسه من الكبائر و لا صغيرة مع الإصرار. و الصغيرة دون الإصرار مكفّرة عند الاجتناب عن الكبيرة، لقوله تعالى:إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ، نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ.او بالاستغفار عن الذنب لقوله(ع): التائب من الذّنب كمن لا ذنب له.
استدلال المشهور:
و قد استدلّ المشهور لقولهم، برواية ابن ابى يعفور المتقدّمة، لما ورد فيها من قوله(ع): و تعرف باجتناب الكبائر التى اوعد اللّه عليها النار. بتقريب أنّ الاجتناب عن الصغائر لو كان معتبرا فى تحقّق العدالة، لم يكن للحصر باجتناب الكبائر وجه.
فيستفاد منها مجرّد اجتناب الكبائر فقط.
و لقوله تعالى:إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ.و هذا هو الوعد بالعفو عن الصغيرة، فبقى الكبيرة بحالها تحت العنوان.
و على التقدير المذكور، كأنّ ترك الكبائر تكون مثل التوبة، انه مانعا عن العقاب فى الصغيرة، فلا يمكن ان يكون ارتكابها موجبا للفسق و منافيا للعدالة ما لم يكن بحد
الإصرار.
و ذلك لأنّ التوبة، رافعة للمعصية و عقابها، فانّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
فالاجتناب عن الكبيرة يكون بمثل التوبة يكون رافعا عن المعصية الصغيرة و العقاب عليها، فلا يجتمع مع الفسق، و لا تضرّ بالعدالة. و هذا خلاصة كلام الاصحاب دليلا بالنسبة الى الصغيرة و عدم مانعيّتها للعدالة.
ما ذهب اليه شيخنا الأعظم:
قال الشيخ الأعظم الأنصارى(قدّه): مستدلّا لثبوت العدالة بقوله(ع): لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار بارجاع النفى فى الكبيرة الى ذاتها حكما و ارجاع النفى فى الصغيرة الى خصوص الوصف.
و بقوله(ع): الإصرار على الذنب، امن من مكر اللّه، بضميمة ما ورد من انّ الامن من مكر اللّه من الكبائر لقوله تعالى:فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ.
و كذا بقوله(ع): فى رواية العيون باستناده الى فضل بن شاذان عن الرضا(عليه السلام)فى بيان تعداد الكبائر، ثمّ قال(ع): و الإصرار على صغار الذنوب، فيدلّ على انّ الإصرار فى صغار الذنوب كبيرة. هذا تمام الكلام منه(قدّس سرّه).
ما ذهب المحقق الكمبانى:
و قال المحقق الكمبانى(قدّه)فى نقد كلام الشيخ الأنصارى.
انّ المعنى من هذه الروايات المذكورة فى كلامه، رجوع الى النفى فى الصغيرة و فى الكبيرة معا الى ذاتهما حكما لا الى ذاتها حقيقة.
فلا معنى انّ الصغيرة بسبب المداومة و الإصرار عليها تنقلب الى الكبيرة حتّى ينتفى عنها وصف الصغيرة.
او يكون نفس الإصرار على الصغيرة من جملة الكبائر، فانّه الذى ينطبق عليه عنوان الأمن من مكر اللّه تعالى و هو من الكبائر. دون نفس المعاصى الصغيرة التى ليس