بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 234

فعليّة مقتضاها و هى العقوبة.

فاذا اصرّ العيد عليها، بقيت على حالها من الاقتضاء من دون تأثير للمانع فى المانعيّة عن عقوبتها، و كلّ مقتض بلا مانع، يؤثّر أثره.

فلا دليل على القول بأنّ نفس الإصرار ذنب آخر غير الصغائر، بل يوجب عدم الخروج عن مقتضى الذنب و هو العقاب.

و على هذا فقد بقيت الصغائر من الذنوب على حالها من جهة اقتضاء العقوبة مع الإصرار.

الإصرار لا يوجب عنوانا جديدا:

فلا يصحّ القول بتحقّق عنوان الكبيرة على الصغائر مع الإصرار عليها، الّا مجرد نفس الصغائر، على حالها من الاقتضاء فى العقوبة على درجاتها. فلا يستفاد من الرواية معنى آخر غير هذا. هذا تمام الكلام منه.

نتيجة البحث المستفاد:

و الحاصل ان المستفاد من هذه الروايات، عدم كون الإصرار فى الصغائر، داخلا فى عنوان الكبيرة اصلا.

بل تكون الصغيرة فى حدّ ذاتها، مكفّرة بسبب الاجتناب عن الكبيرة، او بالاستغفار للكبيرة. و حينئذ لا صغيرة فى البين مع الإصرار على هذه الصورة. هذا اوّلا،

و ثانيا، انّ الإصرار على الصغائر لو كان مع الإصرار على الكبائر من غير اجتناب و غير استغفار، لتكون الصغائر على حدّ ذاتها من الاقتضاء للعقوبة، من غير مانع للمنع منها، فالعقوبة باعتبار وجود المقتضى لها.

فلا صغيرة مع الإصرار فى هذه الصورة اذا كانت مقتضية للعقوبة على ما عليها، مثل الكبيرة.


صفحه 235

ثبوت العدالة مع اجتناب الكبيرة:

و على كلا التقديرين، يدلّ الكلام على عدم اشتراط الاجتناب عن الصغائر فى ثبوت العدالة، فيكون الملاك فى ثبوت العدالة هو الاجتناب عن الكبائر، و الصغائر من الذنوب تكون مكفّرة، فلا صغيرة مع الإصرار، او تكون على حسب اقتضائها مستقلّة من غير تداخل بينها و بين الكبائر.

الاستدلال باطلاق الصحيحة:

و يمكن الاستدلال على عدم دخول الاجتناب عن الصغيرة فى ثبوت العدالة، باطلاق قوله(ع)فى صحيحة حريز.

قال(ع): اذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور اجيزت شهادتهم.

فإنّ شهادة الزّور فى النص من باب المثال، فهى كناية عن مطلق الكبائر.

الاستدلال برواية امير المؤمنين:

و مثله ما عن امير المؤمنين(عليه السلام)، قال انّ المسلمين عدول، بعضهم على بعض، إلّا مجلودا فى حدّ لم يتب منه، او معروفا بشهادة الزور، او ظنينا.

خبر علاء و خبر علقمة:

و امّا خبر علاء بن سيّابة، قال سألت أبا عبد اللّه(ع)عن شهادة من يلعب بالحمام، قال(ع): لا بأس اذا كان لا يعرف بفسق. و كذا خبر علقمة، قال(ع): فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا، او لم يشهد عليه شاهدان فهو من اهل الستر و العدالة.

فلا سبيل لهما للمعارضة، لضعف السند فيهما، و لضعف دلالتهما، من جهة الشّك فى اطلاق الفسق و الذنب، بحيث يعمّ الصغيرة، فانّهما واردان موردا آخر، فلا نظر لهما من هذه الجهة


صفحه 236

و لاحتمال انصراف الفسق و الذنب فيهما الى الكبيرة. اذ لا يطلق الفسق او الذنب على الصغيرة، إلّا بالتوصيف بالصغر، فيقال انّه ذنب صغير.

لا تداخل بين الصغيرة و الكبيرة:

فالصغيرة فى حدّ ذاتها مستقل كما انّ الكبيرة ايضا كذلك، فلا تداخل فى البين من حيث ذاتهما.

نعم الإصرار على الصغيرة يكون حكمه، حكم الكبيرة بحكم النصّ، كما اشرنا اليه فى اوّل البحث.

و لعلّ هذا هو المقصود من كلام الشيخ(قدّس سرّه)، من انّ الإصرار على الصغيرة داخل فى الكبيرة. هذا تمام الكلام على مسلك القوم على ما افاده الاستاذ.

التّحقيق عندنا يجب الاجتناب عن كلّ الذنوب فى ثبوت العدالة:

الّا انّه لا ينبغى عليك ان فى النفس شى‌ء. اذ التعرّض عن حريم اللّه سبحانه و رب جليل و مالك بلا بديل، خروج عن جادّة الاستقامة و انّ الصحيح فى مقام العبوديّة، هو أنّه لا فرق بين المعاصى الكبيرة و الصغيرة، و انّ ارتكاب أيّة معصية كانت صدرت من العبد، فهى تنافى الاستقامة فى جادّة الشرع و العدالة و حريم اللّه سبحانه.

مقتضى مفهوم العدالة:

و يدلّنا على ذلك، ملاحظة مقتضى نفس مفهوم العدالة، حيث انّ ارتكاب المعصية على اطلاقها انحراف عن الجادّة و طغيان فى الدّين و خروج عن مقام العبوديّة، و مانع عن كون مرتكبها خيّرا مأمونا عفيفا فى الدّين من العناوين الواردة فى الرواية، بلا فرق بين الصغائر و الكبائر. و كذلك الحال بالاضافة الى ستر العيوب المدلول عليه‌


صفحه 237

فى الرواية. فانّ ارتكاب الصغائر ينافى ستر العيوب و لا يتّصف مرتكبها، بأنّه ساتر فى عيوبه.

فانّ المعصية من العيوب و كيف لا يكون معصية اللّه سبحانه عيبا و خروجا عن وظيفة العبوديّة، و لو كانت المعصية صغيرة؟!

انّ المعاصى كلّها كبيرة:

و من هنا ذهب جمع الى ان المعاصى كلّها كبيرة فى نفسها كما ذكرنا سابقا.

فانّ المعصية الكبيرة، كبيرة على كلّ حال، و انّما تنقسم المعاصى الى الصغائر و الكبائر من جهة مقايستها بما هو اعظم منها من حيث العقوبة و المبغوضية.

لوضوح انّ معصية الزنا اكبر و اعظم ذنبا من معصية الكذب، كما أنّ معصية قتل النفس المحترمة أعظم من معصية الزنا و هكذا ...

المعاصى كلّها منافية للعدالة:

و بالجملة، المعاصى كلّها منافية للعدالة باطلاقها صغيرة و كبيرة مع العمد و الإصرار.

و ذلك لأنّ ارتكاب الصغائر قد يكون مع العمد و الالتفات الى حرمتها و كونها معصية من دون ان يكون هناك اىّ عذر من الاعذار العرفيّة، و لا شبهة انّه حينئذ يوجب الفسق و ينافى العدالة و هو مناف للاستقامة فى الدين.

و قد يكون ارتكابها مع عدم الالتفات الى حرمتها حال الارتكاب او مستندا الى وجود عذر شديد عرفى.

فانّ الذنوب التى فى انظار الشرع كبيرة، قد يتسامحون العرف فى امرها، فكثيرا ما لا يلتفتون الى حرمتها، او يلتفتون اليها إلّا انّهم يكتفون فى ارتكابها الى اعذار عرفية مسامحة كترك الأمر بالمعروف مثلا، او الخروج عن مجلس الغيبة او غير ذلك ممّا يكون متداولا فى العرف.


صفحه 238

تسامح العرف فى بعض الصغائر:

و الظاهر انّ هذه الأمور المذكورة لا تكون منافيا لاتّصافه بكونه من اهل الستر و العفاف و الخير و الصلاح من العناوين المذكورة فى الأخبار الواردة فى الباب.

و الكبائر مثل الزنا و شرب الخمر و قتل نفس محترمة و نظائرها ممّا يرونها كبيرة، فانّها غير قابلة عندهم للمسامحة، و لا يقبلون فيها الاعتذار بالأعذار العرفيّة.

ثبوت العدالة: يلازم بالاجتناب عن الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر:

فالمعتبر فى تحقّق العدالة هو ان يكون الإنسان مجتنبا عن كلّ ما هو كبيرة شرعا، و كذا الإصرار فى الصغائر التى تجاوز بها مع الالتفات الى حرمتها من غير عذر من الأعذار العرفيّة، دون الصغائر التى فعل بها مرّة او مرّتين، او فعل و لا يلتفت الى حرمتها او مع وجود عذر. حيث انّ مفهوم العدالة و الفسق كسائر المفاهيم التى يفتقر فيها التّسامحات العرفيّة.

كلام صاحب مصباح الفقيه:

و قد قال المحقّق الهمدانى فى المصباح: «انّ العدالة هى الاستقامة فى جادّة الشرع، و ارتكاب المعصية، خروج عن الجادّة سواء كانت المعصية من الكبائر او الصغائر، لكن يفصّل فى الصغائر بين ما كان صدورها عن عمد و التفات، فإنّها حينئذ مثل الكبيرة قادحة فى العدالة، و بين ما كان صدورها من غير التفات الى حرمتها، او صدرت مع الغفلة او لعذر من الأعذار العرفية، فانّها غير قادحة للعدالة».

هذا ما افاده صاحب المصباح مع التلخيص منّا.

الذنوب كلّها قادحة للعدالة:


صفحه 239

و هو صريح بانّ الذنوب الكبيرة و الصغيرة كلّها قادحة، الّا الصغيرة لعذر تسامحا. و على هذا كان ارتكاب الصغيرة لا عن عذر و غفلة، بل فعله عمدا مع الاطلاع عن حرمتها، فلا شبهة فى انّه حرام يوجب الانحراف و الفسق، و يمنع عن صدق العناوين عليه من الخيّر و العفيف و الكاف بطنه و غيرها، و خصوصا مع الإصرار عليها، و التكرّر بها.

و امّا اذا كان مع العذر و الغفلة، فهو مغفور له لقوله تعالى:إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ،بالعفو عن الصغائر على التقدير المذكور.

و حينئذ فالصّحيح انّ ارتكاب المعصية كبيرة كانت ام صغيرة تستتبع الفسق و الانحراف عن جادّة الشرع و الاستقامة فى الدّين و ينافى العدالة.

امّا المذهب المشهور:

هذا كلّه فى عدم الفرق بين المعاصى عندنا. لكن المشهور بين الأصحاب فى ثبوت العدالة، هو الاجتناب عن الكبيرة مع عدم الإصرار على الصغيرة، فتكون الصغائر من الذّنوب لو صدرت فى بعض الاحيان مكفّرة بترك الكبائر. و هذا فى الحقيقة رجوع الى ما قلناه.

معنى الإصرار على الصغائر:

فقد وقع الكلام فيه من حيث انّه هل بمعنى المداومة على فعل الصغائر من الذنوب، او هل هو الاكثار منها فى الفعل الخارجى؟ سواء كانت من نوع واحد او من انواع مختلفة؟

الإصرار عند اللغويين:

فالمحكيّ عن اللغويين، انّ الإصرار بمعنى الملازمة و المداومة، كما انّ المروىّ فى جملة من الروايات تحقّق ذلك، من غير الندم و الاستغفار. و الجامع بين موارد


صفحه 240

استعمالاته من هذه المادّة، هو ضمّ شى‌ء الى شى‌ء بنحو يلازمه و يلاقيه، فكان فعل شى‌ء مرة بعد اخرى مكررا، هو المضموم، بعض الى بعض، فيكون صرير الاقلام بملاحظة اصوات حركاتها المتعاقبة بعضها ببعض.

و صدقه هو العزم على شى‌ء بعد فعله مرّة بعد مرّة مرارا، و انضمامه الى الفاعل بملاحظة بقاء عزمه على فعله و قد فعل.

الإصرار و الصدق العرفى:

و الحاصل انّ معنى الإصرار، هو الصدق العرفى فى تكرار العمل فى الخارج سواء كان من نوع واحد او من أنواع مختلفة.

ثمّ إنّ الإصرار على الصغيرة، يتحقّق بمجرد العزم على العود، او بما يتحقّق به العزم على العود من فعل خارجى، فيكون الاتّحاد فى الأوّل جنسيّا و على الثانى نوعيّا.

ما ذهب اليه الشيخ الأعظم:

و قد ذهب الشيخ الأعظم الانصارى(قدّه): بالتّفصيل بين ما اذا كان العزم مستمرّا من حين الارتكاب على الصغيرة، فلا يعتبر الاتّحاد، و ما اذا حدث بعد فعلها اوّلا قبل التوبة، فيعتبر الاتّحاد و يتحقّق الإصرار.

و تصوير هذا المعنى منه، لعلّ من جهة انّ الإصرار لا بدّ فيه من نحو اتّحاد و وحدة اتصاليّة بين الملتبس بالمعصية، مع المعصية فى تحقّق معنى الإصرار، و الاستمرار فى المعصية. اعاذنا اللّه من شرور انفسنا، آمين آمين.


صفحه 241

العدالة و المروّة

هل المروّة معتبرة فى تحقّق العدالة، ام لا؟ و اختلف الأصحاب فى ذلك، فقال جمع بانّ المروّة معتبرة فى العدل و العدالة، و بعض آخر لم يعتبر.

معنى المروّة:

و المروّة هى الفضيلة الأخلاقيّة العرفيّة و من محاسن الآداب الكرامة الإنسانية، التى تتعلق بالمرء، و البعد عن المساوى الفعليّة الرديّة الموجبة لدناءة الطبع فى الإنسان.

قال المحقّق الكمبانى(قدّه):

المروّة فى الإنسان، بمعنى انّه اذا وافق الإنسان قوّته البهيمية البشريّة بالفطرة، كان بهيمية بحسب المعنى، كما انّه اذا وافق قوّته الغضبيّة كان سبعا، لا انسانا بما هو.

الإنسانية و اقتضاء الاعتدال:

فإنّ الإنسانية المحضة تقتضى الاعتدال فى القوّة الشهويّة بالعفة، و فى القوّة الغضبية بالشجاعة، و فى المدركة بالعلم و الحكمة، و فى مقام النفس الناطقة بالعدالة.

و لذا جعلوا مركوب المروّة فى الخارج من فضائل العدالة الاخلاقيّة فى فنّ الاخلاق.

فركوب المروّة بهذا المعنى من فضائل النفس، و امّا الإتيان بما ينافيها منبعث عن رذيلة نفسانيّة للانسان.

الإنسان و الفضائل النفسانيّة: