استعمالاته من هذه المادّة، هو ضمّ شىء الى شىء بنحو يلازمه و يلاقيه، فكان فعل شىء مرة بعد اخرى مكررا، هو المضموم، بعض الى بعض، فيكون صرير الاقلام بملاحظة اصوات حركاتها المتعاقبة بعضها ببعض.
و صدقه هو العزم على شىء بعد فعله مرّة بعد مرّة مرارا، و انضمامه الى الفاعل بملاحظة بقاء عزمه على فعله و قد فعل.
الإصرار و الصدق العرفى:
و الحاصل انّ معنى الإصرار، هو الصدق العرفى فى تكرار العمل فى الخارج سواء كان من نوع واحد او من أنواع مختلفة.
ثمّ إنّ الإصرار على الصغيرة، يتحقّق بمجرد العزم على العود، او بما يتحقّق به العزم على العود من فعل خارجى، فيكون الاتّحاد فى الأوّل جنسيّا و على الثانى نوعيّا.
ما ذهب اليه الشيخ الأعظم:
و قد ذهب الشيخ الأعظم الانصارى(قدّه): بالتّفصيل بين ما اذا كان العزم مستمرّا من حين الارتكاب على الصغيرة، فلا يعتبر الاتّحاد، و ما اذا حدث بعد فعلها اوّلا قبل التوبة، فيعتبر الاتّحاد و يتحقّق الإصرار.
و تصوير هذا المعنى منه، لعلّ من جهة انّ الإصرار لا بدّ فيه من نحو اتّحاد و وحدة اتصاليّة بين الملتبس بالمعصية، مع المعصية فى تحقّق معنى الإصرار، و الاستمرار فى المعصية. اعاذنا اللّه من شرور انفسنا، آمين آمين.
العدالة و المروّة
هل المروّة معتبرة فى تحقّق العدالة، ام لا؟ و اختلف الأصحاب فى ذلك، فقال جمع بانّ المروّة معتبرة فى العدل و العدالة، و بعض آخر لم يعتبر.
معنى المروّة:
و المروّة هى الفضيلة الأخلاقيّة العرفيّة و من محاسن الآداب الكرامة الإنسانية، التى تتعلق بالمرء، و البعد عن المساوى الفعليّة الرديّة الموجبة لدناءة الطبع فى الإنسان.
قال المحقّق الكمبانى(قدّه):
المروّة فى الإنسان، بمعنى انّه اذا وافق الإنسان قوّته البهيمية البشريّة بالفطرة، كان بهيمية بحسب المعنى، كما انّه اذا وافق قوّته الغضبيّة كان سبعا، لا انسانا بما هو.
الإنسانية و اقتضاء الاعتدال:
فإنّ الإنسانية المحضة تقتضى الاعتدال فى القوّة الشهويّة بالعفة، و فى القوّة الغضبية بالشجاعة، و فى المدركة بالعلم و الحكمة، و فى مقام النفس الناطقة بالعدالة.
و لذا جعلوا مركوب المروّة فى الخارج من فضائل العدالة الاخلاقيّة فى فنّ الاخلاق.
فركوب المروّة بهذا المعنى من فضائل النفس، و امّا الإتيان بما ينافيها منبعث عن رذيلة نفسانيّة للانسان.
الإنسان و الفضائل النفسانيّة:
فكانت الفضائل النفسانيّة و محاسن الآداب و البعد عن المساوى من العدالة الأخلاقية و كرامة الإنسانية للمرء، غير داخلة فى العدالة الشرعيّة للمرء.
و على هذا الاعتبار فالأعمال المستهجنة و الافعال الرذيلة بحسب الاشخاص و الامصار ممّا لم يكن بنفسه حراما شرعا، فلا دخالة لها فى الحرمة الشرعيّة، لأنّه لا موجب لاعتبار عدمها فى العدالة الشرعيّة.
نعم، كان بعض ما يستهجن فى العادة يكون كاشفا عن رذيلة باطنيّة نفسانيّة، كدناءة النّفس و قصر الهمّة و امثالهما فهو مناف العدالة الأخلاقية فقط دون العدالة الشرعيّة.
العدالة كاشفة عن الحياء فى المرء:
و توهّم انّه كاشف عن عدم الحياء فى المرء المرادف للعفاف المعتبر فى العدالة، و عدم المبالاة فى الدّين على ما صرح به الحديث فى ثبوت العدالة.
مدفوع: بانّ الاستحياء من الناس بلحاظ ما جرت عليه عادتهم لا ربط له بالاستحياء من اللّه فى الدين، لأنّه التعدّى عن حدود اللّه جلّ سبحانه و تعالى شأنه.
و العفاف بناء على مرادفته مع الحياء فى الدّين، لا يراد منه الا الحياء باعتبار المعنى الثّانى بالنسبة الى حدود اللّه تعالى فى حفظ الاوامر و النواهى الإلهيّة.
و امّا عدم المبالاة بحسب العادات العرفيّة فهو غير داخل فى العدالة، و ان كان ما يحسن تحصيله من الفضائل الاخلاقية مما كملت به النفس و من شرافة الإنسان.
و هذا غير المبالاة بالأمور الدينيّة الشرعيّة من الواجبات و المحرّمات، فما يكون من العدالة الاخلاقية، لا يكون داخلا فى العدالة الشرعيّة.
و حينئذ فالمروّة، و ان كانت من المحاسن و الفضائل للمرء، إلّا أنّها غير معتبرة فى تحقّق العدالة الشرعيّة.
لزوم الفحص فى الأدلّة و الأقوال:
و الّذى ينبغى الآن أن نتفحّص فى لسان الأخبار و كلمات الفقهاء ما هو حقيقة الحال
فى المسألة و ما هو المستفاد من الإطلاقات الواردة فى المقام من لسان الأدلّة.
المروّة فى الأخبار:
فمنها، عن ابى عبد اللّه(ع)فقال المروّة مروّتان، مروّة الحضر و مروّة السفر، امّا مروّة الحضر، فتلاوة القرآن و حضور المساجد، و صحبة اهل الخير، و النظر فى الفقه.
و المروّة فى السفر، فبذل الزاد فى غير ما يسخط اللّه، و قلّة الخلاف على من صحبك، و ترك الرواية عليهم اذا فارقتهم.
و المقصود من المروّة فى هذه الرواية هو بيان صنف من محاسن الآداب الّتى تتعلّق بالمروّة باعتبار نفسه، و باعتبار عشرته مع غيره.
و منها: قول امير المؤمنين(ع)فقال: لا تتمّ مروّة الرجل حتّى يتّفقه فى دينه، و يقتصد فى عيشته، و يصبر على النائبة اذا نزلت به و يستعزب مرارة اخوانه.
و المقصود من المروّة فى هذا الكلام الشريف، هو الفضيلة و حسن الشيم للرجل فى عيشته.
و منها: قوله(ع)حين سئل عن المروّة فقال(ع): لا تفصل شيئا فى السرّ تستحيى منه فى العلانية.
و منها قوله(ع): فى جواب من سأله عن المروّة. فقال شحّ الرجل على دينه، و اصلاحه ماله، و قيامه بالحقوق.
و يقصد من المروّة فى هذين الروايتين هو ما يقرب من معنى العدالة.
و منها قوله(ع): من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروّته، و ظهرت عدالته.
و يقصد من المروّة فى هذا الخبر ما يقرب العدالة، لكنها تفترق عنها، بان المروّة صفة للجوارح، و العدالة صفة للجوانح. هذا فى باب الرويات الواردة في معنى المروّة.
المروّة و اقوال الفقهاء:
و امّا الاقوال فى معنى المروّة، فإنّ الفقهاء قالوا بدخول المروّة فى العدالة زائدا على اصل معنى العدالة.
و اوّل من اعتبرها صريحا منهم، هو العلامة(قدّه)، فى كلماته.
و من المناسب ان نبيّن المراد من المروّة فى كلماتهم قبل الدخول فى البحث عن اعتبارها فى العدالة.
كلام صاحب الحدائق:
قال صاحب الحدائق، بانّه قد فسّر المروّة باتّباع الإنسان محاسن العادات و الاجتناب عن مساويها و ما ينفر عنه النفس من المباحات، و يؤذن بدناءة النفس، كما فى الأكل فى الاسواق و البول فى الشوارع و كشف الرأس فى المجامع، و لبس الفقيه لباس الجندى، و المضايقة فى اليسير الّذى لا يناسب الفقيه.
كلام فخر المحققين:
و قال فخر المحققين فى تفسير المروّة: «انّها اجتناب ما يسقط المحل و العزّة من القلوب و يدلّ على عدم الحياء و عدم المبالاة. من الاستنقاص. و قد ورد عنه(صلّى اللّه عليه و آله)، التزامه بترك منافيات المروّة».
المحاسن و المساوى بحسب الاقوام و الامكنة:
ثمّ إنّ المحاسن و المساوى فى العادات العرفيّة مختلفة على حسب الاقوام و الأعصار و البلاد، بل قد يختلف بالنسبة الى الافراد، بل بالنسبة الى شخص واحد فى حال دون حال.
المروّة صفة اعتباريّة:
و اذن، كانت المروّة، ليست بصفة واقعيّة، بل هى امر اعتبارى يختلف حسنا و قبحا،
باختلاف الاشخاص و الازمنة و البلاد و غير ذلك.
بل يختلف بحسب اختلاف الانظار، فلا سبيل عليها الى الحكم بالحسن المطلق، و على منافياتها بالقبح المطلق.
الأوصاف المنافية للمروّة عند الجميع:
نعم، قد يكون هناك اوصاف منافية للمروّة عند الجميع فى جميع الأحوال.
قال الإمام ابو جعفر الباقر(عليه السلام): المروّة ان لا تطمع فتدلّ، و لا يسأل فتقل، و لا تبخل فتشمّ، و لا تجهل فتخصم. فقيل له، و من يقدر على ذلك؟
فقال(ع): من احبّ ان يكون كالنّاظر فى الحدقة، و المسك فى الطيب، و كالخليفة فى يومكم هذا القدر.
و لا يعدّ خافيا على احد انه لا يجوز الحكم بالفسق على الصفة التى تسقط عزّة الموصوف بها عن القلوب.
كلام الشهيد:
و قال الشهيد(قدّه): «انّ المروّة تنزية النفس عن الدناءة التى لا تليق بامثالها» انتهى.
و المقصود هو حفظ محاسن الأوصاف و فضائل الآداب و الأعمال و التنزيه عن المساوى فى اعتبار العدالة و حفظ العز للمرء.
المروّة تعمّ الأفعال و الأقوال:
ثمّ اعلم ان المنافى للمروّة لا يختصّ بالافعال فقط كما يوهم فى الأمثلة المذكورة، بل يعم الأحوال و الأقوال جميعا فان المساوى القولى ايضا تسقط عزّة فاعلها عن القلوب.
التّحقيق فى المسألة:
و التّحقيق هو عدم اعتبار المروّة فى العدل زائدا على الكفّ عن الآثام و المعاصى الشرعيّة. و ان كانت للمروّة دخل فى كمال الشخص و عزّه فى العرف، فضلا لاعتبار الشخصيّة. و ذلك، لأنّ فى اعتبار المروّة فى العدل يلزم ان يكون الرجل عادلا عند قوم، و ليس بعادل عند الآخرين، لما قلنا من انّ المحاسن و المساوى مختلفتان فى الأقوام و الاعصار، مع اتّحاد افعاله و عاداته العرفيّة، و لا يجوز اجتماع النقيضين.
و مضافا على ذلك انّ لازم اعتبار وصف المروّة فى العدل، ارتفاع وصفى العادل و الفاسق، عمّن يصلح للاتّصاف بكلّ منهما، اذا كان هو كافّا عن الآثام دون منافيات المروّة العرفيّة. مع ان العدالة صفة للشّخص باعتبار نفسه و اتّصافه بها من غير تابع لمعرفة احد بذلك.
العدالة لها وجود ثبوتى:
فللعدالة وجود واقعى ثبوتىّ، غير تابع لوجودها العلمى الاثباتى على ما حقّقناه سابقا. و لذلك جعلت من ناحية الشرع امارات لمعرفتها عند الجهل بها.
بخلاف صفة المروّة فإنّ ثبوتها عين اثباتها، و وجودها العينى تابع لوجودها العلمى.
و افتراض وجودها مخفيا عن الغير فرض لاجتماع النقيضين.
سيّما ان المروّة، امر يظهر بمجرّد المعاشرة فلا تحتاج الى امارة منصوبة لمعرفتها، و هذا هو الحال فى جميع الأوصاف التى تكون موجوديتها تابعة لمعلوميتها.
المستفاد من اطلاقات الادلة:
و اطلاقات الأدلّة اللفظية ايضا تدلّ على عدم اعتبار المروّة فى العادل كما فى قوله(ع): و يعرف باجتناب الكبائر.
فإنّ المتبادر منه، ان من عرف باجتناب الكبائر، يقبل شهادته بين المسلمين، لهم و عليهم، و لو كان مرتكبا لخلاف المروّة عندهم.
و يدلّ عليه ايضا، الإطلاق المقامى الوارد فى صحيحة ابن ابى يعفور. فان
الإمام(عليه السلام)عند الجواب عن سؤاله، يكون فى مقام بيان جميع ما له دخل فى قبول الشهادة. فهذا الإطلاق حاكم بعدم اعتبار المروّة فى ثبوت العدالة.
و كذا اطلاق قوله(ع): اذا كان اربعة من المسلمين، ليس يعرفون بشهادة الزور، اجيزت شهادتهم.
و امّا خبر على بن سيّابة فهو نصّ على عدم اعتبار المروّة.
قال سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن شهادة من يلعب بالحمام؟ قال(ع): لا بأس اذا كان لا يعرف بفسق.
و مثل هذا الإطلاق، خبر علقمة، قال(ع): فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان، فهو من اهل الستر و العدالة، و شهادته مقبولة و ان كان فى نفسه مذنبا.
ثمّ اعلم انه لو كانت المروّة معتبرة فى العدالة لدى الشارع الحكيم، ابان و شاع من جهة كثرة الابتلاء بها. و انت لا تجد الدلالة الى اعتبارها فى الأخبار الواردة بهذا المعنى المتبادر العرفى الموجود بايدينا. و عدم الدليل، دليل العدم.
القائلون باعتبار المروّة فى العدالة:
و امّا القائلون باعتبار المروّة فى العدالة احتجّوا بوجوه:
من الوجوه ما قاله شيخنا الأعظم الانصارى(قدّه)فى رسالته فى العدالة، بعد جملة من الكلام فى المسألة.
فقال(قدّه): ان الأنسب ان يقال ان ذلك انّما يستفاد من لفظى الستر و العفاف الراجعين الى معنى واحد.
فيكون المراد بالسّتر فى الحديث المشهور فى الكافى فى جنود العقل و الجهل، هو ما يقابل التبرّج بما يقبح و يستهجن عند الشرع و العرف، و لا ريب ان منافيات المروّة ممّا يستهجن فى العرف، فهى منافية للستر و العفاف شرعا، و المروّة لازمة للعفاف.
و ظاهر كلامه هو اعتبار المروّة فى العدالة شرعا، لإنّها لازمة للعفاف، و هو ما دلّ