فى المسألة و ما هو المستفاد من الإطلاقات الواردة فى المقام من لسان الأدلّة.
المروّة فى الأخبار:
فمنها، عن ابى عبد اللّه(ع)فقال المروّة مروّتان، مروّة الحضر و مروّة السفر، امّا مروّة الحضر، فتلاوة القرآن و حضور المساجد، و صحبة اهل الخير، و النظر فى الفقه.
و المروّة فى السفر، فبذل الزاد فى غير ما يسخط اللّه، و قلّة الخلاف على من صحبك، و ترك الرواية عليهم اذا فارقتهم.
و المقصود من المروّة فى هذه الرواية هو بيان صنف من محاسن الآداب الّتى تتعلّق بالمروّة باعتبار نفسه، و باعتبار عشرته مع غيره.
و منها: قول امير المؤمنين(ع)فقال: لا تتمّ مروّة الرجل حتّى يتّفقه فى دينه، و يقتصد فى عيشته، و يصبر على النائبة اذا نزلت به و يستعزب مرارة اخوانه.
و المقصود من المروّة فى هذا الكلام الشريف، هو الفضيلة و حسن الشيم للرجل فى عيشته.
و منها: قوله(ع)حين سئل عن المروّة فقال(ع): لا تفصل شيئا فى السرّ تستحيى منه فى العلانية.
و منها قوله(ع): فى جواب من سأله عن المروّة. فقال شحّ الرجل على دينه، و اصلاحه ماله، و قيامه بالحقوق.
و يقصد من المروّة فى هذين الروايتين هو ما يقرب من معنى العدالة.
و منها قوله(ع): من عامل الناس فلم يظلمهم و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروّته، و ظهرت عدالته.
و يقصد من المروّة فى هذا الخبر ما يقرب العدالة، لكنها تفترق عنها، بان المروّة صفة للجوارح، و العدالة صفة للجوانح. هذا فى باب الرويات الواردة في معنى المروّة.
المروّة و اقوال الفقهاء:
و امّا الاقوال فى معنى المروّة، فإنّ الفقهاء قالوا بدخول المروّة فى العدالة زائدا على اصل معنى العدالة.
و اوّل من اعتبرها صريحا منهم، هو العلامة(قدّه)، فى كلماته.
و من المناسب ان نبيّن المراد من المروّة فى كلماتهم قبل الدخول فى البحث عن اعتبارها فى العدالة.
كلام صاحب الحدائق:
قال صاحب الحدائق، بانّه قد فسّر المروّة باتّباع الإنسان محاسن العادات و الاجتناب عن مساويها و ما ينفر عنه النفس من المباحات، و يؤذن بدناءة النفس، كما فى الأكل فى الاسواق و البول فى الشوارع و كشف الرأس فى المجامع، و لبس الفقيه لباس الجندى، و المضايقة فى اليسير الّذى لا يناسب الفقيه.
كلام فخر المحققين:
و قال فخر المحققين فى تفسير المروّة: «انّها اجتناب ما يسقط المحل و العزّة من القلوب و يدلّ على عدم الحياء و عدم المبالاة. من الاستنقاص. و قد ورد عنه(صلّى اللّه عليه و آله)، التزامه بترك منافيات المروّة».
المحاسن و المساوى بحسب الاقوام و الامكنة:
ثمّ إنّ المحاسن و المساوى فى العادات العرفيّة مختلفة على حسب الاقوام و الأعصار و البلاد، بل قد يختلف بالنسبة الى الافراد، بل بالنسبة الى شخص واحد فى حال دون حال.
المروّة صفة اعتباريّة:
و اذن، كانت المروّة، ليست بصفة واقعيّة، بل هى امر اعتبارى يختلف حسنا و قبحا،
باختلاف الاشخاص و الازمنة و البلاد و غير ذلك.
بل يختلف بحسب اختلاف الانظار، فلا سبيل عليها الى الحكم بالحسن المطلق، و على منافياتها بالقبح المطلق.
الأوصاف المنافية للمروّة عند الجميع:
نعم، قد يكون هناك اوصاف منافية للمروّة عند الجميع فى جميع الأحوال.
قال الإمام ابو جعفر الباقر(عليه السلام): المروّة ان لا تطمع فتدلّ، و لا يسأل فتقل، و لا تبخل فتشمّ، و لا تجهل فتخصم. فقيل له، و من يقدر على ذلك؟
فقال(ع): من احبّ ان يكون كالنّاظر فى الحدقة، و المسك فى الطيب، و كالخليفة فى يومكم هذا القدر.
و لا يعدّ خافيا على احد انه لا يجوز الحكم بالفسق على الصفة التى تسقط عزّة الموصوف بها عن القلوب.
كلام الشهيد:
و قال الشهيد(قدّه): «انّ المروّة تنزية النفس عن الدناءة التى لا تليق بامثالها» انتهى.
و المقصود هو حفظ محاسن الأوصاف و فضائل الآداب و الأعمال و التنزيه عن المساوى فى اعتبار العدالة و حفظ العز للمرء.
المروّة تعمّ الأفعال و الأقوال:
ثمّ اعلم ان المنافى للمروّة لا يختصّ بالافعال فقط كما يوهم فى الأمثلة المذكورة، بل يعم الأحوال و الأقوال جميعا فان المساوى القولى ايضا تسقط عزّة فاعلها عن القلوب.
التّحقيق فى المسألة:
و التّحقيق هو عدم اعتبار المروّة فى العدل زائدا على الكفّ عن الآثام و المعاصى الشرعيّة. و ان كانت للمروّة دخل فى كمال الشخص و عزّه فى العرف، فضلا لاعتبار الشخصيّة. و ذلك، لأنّ فى اعتبار المروّة فى العدل يلزم ان يكون الرجل عادلا عند قوم، و ليس بعادل عند الآخرين، لما قلنا من انّ المحاسن و المساوى مختلفتان فى الأقوام و الاعصار، مع اتّحاد افعاله و عاداته العرفيّة، و لا يجوز اجتماع النقيضين.
و مضافا على ذلك انّ لازم اعتبار وصف المروّة فى العدل، ارتفاع وصفى العادل و الفاسق، عمّن يصلح للاتّصاف بكلّ منهما، اذا كان هو كافّا عن الآثام دون منافيات المروّة العرفيّة. مع ان العدالة صفة للشّخص باعتبار نفسه و اتّصافه بها من غير تابع لمعرفة احد بذلك.
العدالة لها وجود ثبوتى:
فللعدالة وجود واقعى ثبوتىّ، غير تابع لوجودها العلمى الاثباتى على ما حقّقناه سابقا. و لذلك جعلت من ناحية الشرع امارات لمعرفتها عند الجهل بها.
بخلاف صفة المروّة فإنّ ثبوتها عين اثباتها، و وجودها العينى تابع لوجودها العلمى.
و افتراض وجودها مخفيا عن الغير فرض لاجتماع النقيضين.
سيّما ان المروّة، امر يظهر بمجرّد المعاشرة فلا تحتاج الى امارة منصوبة لمعرفتها، و هذا هو الحال فى جميع الأوصاف التى تكون موجوديتها تابعة لمعلوميتها.
المستفاد من اطلاقات الادلة:
و اطلاقات الأدلّة اللفظية ايضا تدلّ على عدم اعتبار المروّة فى العادل كما فى قوله(ع): و يعرف باجتناب الكبائر.
فإنّ المتبادر منه، ان من عرف باجتناب الكبائر، يقبل شهادته بين المسلمين، لهم و عليهم، و لو كان مرتكبا لخلاف المروّة عندهم.
و يدلّ عليه ايضا، الإطلاق المقامى الوارد فى صحيحة ابن ابى يعفور. فان
الإمام(عليه السلام)عند الجواب عن سؤاله، يكون فى مقام بيان جميع ما له دخل فى قبول الشهادة. فهذا الإطلاق حاكم بعدم اعتبار المروّة فى ثبوت العدالة.
و كذا اطلاق قوله(ع): اذا كان اربعة من المسلمين، ليس يعرفون بشهادة الزور، اجيزت شهادتهم.
و امّا خبر على بن سيّابة فهو نصّ على عدم اعتبار المروّة.
قال سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن شهادة من يلعب بالحمام؟ قال(ع): لا بأس اذا كان لا يعرف بفسق.
و مثل هذا الإطلاق، خبر علقمة، قال(ع): فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا و لم يشهد عليه شاهدان، فهو من اهل الستر و العدالة، و شهادته مقبولة و ان كان فى نفسه مذنبا.
ثمّ اعلم انه لو كانت المروّة معتبرة فى العدالة لدى الشارع الحكيم، ابان و شاع من جهة كثرة الابتلاء بها. و انت لا تجد الدلالة الى اعتبارها فى الأخبار الواردة بهذا المعنى المتبادر العرفى الموجود بايدينا. و عدم الدليل، دليل العدم.
القائلون باعتبار المروّة فى العدالة:
و امّا القائلون باعتبار المروّة فى العدالة احتجّوا بوجوه:
من الوجوه ما قاله شيخنا الأعظم الانصارى(قدّه)فى رسالته فى العدالة، بعد جملة من الكلام فى المسألة.
فقال(قدّه): ان الأنسب ان يقال ان ذلك انّما يستفاد من لفظى الستر و العفاف الراجعين الى معنى واحد.
فيكون المراد بالسّتر فى الحديث المشهور فى الكافى فى جنود العقل و الجهل، هو ما يقابل التبرّج بما يقبح و يستهجن عند الشرع و العرف، و لا ريب ان منافيات المروّة ممّا يستهجن فى العرف، فهى منافية للستر و العفاف شرعا، و المروّة لازمة للعفاف.
و ظاهر كلامه هو اعتبار المروّة فى العدالة شرعا، لإنّها لازمة للعفاف، و هو ما دلّ
عليه الدليل فيدخله فى العدالة.
العفاف صفة للتستر:
و لكن يمكن ان يقال بانّ المراد من السّتر و العفاف فى الرواية هو صفة الستر و العفاف فى المرء، لا ما يظهر منه من الفعل بحسب العادة المحليّة او العرفية او القوميّة. و ليس ذلك تبرّجا و تظاهرا بما يقبح و يستهجن شرعا. فلا وجه لجعله اعم من تفسير التبرج من انّه التظاهر بما يستهجن و يقبح شرعا و عرفا.
المقصود من المستهجن عند العرف:
فانّ المقصود من المستهجن عند العرف هو ما يستهجن عندهم بما هم اهل العرف بحسب الأعصار و الأمصار، لا ما هو المستهجن شرعا، كما لا يخفى على الخبير بالعرف.
فالحديث فى مقام بيان فضائل الأخلاق و توابعها، و كذا رذائل الاخلاق و لوازمها، بما هى كمالات للنفس الناطقة و نقائض لها.
فالعادات العرفيّة الغير المبتنية على الاحوال الشرعيّة او العقلية، اجنبيّة عن مقام العدالة.
العدالة و المنافيات العرفية:
و ما يكون من المنافيات العرفيّة للمروة كالأكل فى السوق، و لبس الفقيه لباس الجندى و غير ذلك، لا تكون بما هى كاشفة عن عدم المبالاة فى الدين.
فمورد التبرّج المقابل للستر فى قوله(ع): ان يكون ساترا لعيوبه، هو التظاهر بما يقبح شرعا او عقلا، لا ما هو لا يكون كذلك، بل هو عادة عرفية او فعل منه فى دفعة واحدة فى قضية.
فالكلام هنا ما هو المستهجن عند العرف الكاشف عن عدم المبالات فى الدّين على
ما هو ظاهر الرواية، المستفاد من لفظى الستر و العفاف، المقابل للفظ التبرّج و التّظاهر فيما يقبح و يستهجن شرعا و عرفا عند العقلاء.
دليل آخر فى اعتبار المروّة:
و قال بعض ممّن اعتبرها فى العدالة: بانّ قوله(ع)كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، دليل واضح على اعتبارها فى العدالة. و وجه الاعتبار هو ان حذف المتعلق دليل على إفادة العموم، فيفيد عموم الكفّ عن القبائح الشرعيّة و العرفيّة معا.
الجواب عن هذا الدليل:
و امّا الجواب عن هذا الدليل، هو عدم صحّة هذا الاحتجاج.
اذ المتبادر من هذه القبائح فى كلام الشارع هو ما يكون عيبا عند الشرع، و المناسبة فى نسبة الكلام مع المتكلم شاهد واضح لذلك.
فافادة حذف المتعلق، توجب الانصراف الى العيوب التى تكون عيبا عند الشارع دون غيره. و يشهد لذلك قوله(ع): و تعرف باجتناب الكبائر.
فدعوى، ان المتبادر من الكفّ فى كلامه(ع)، هو الكفّ عن محرمات اللّه تعالى لا عن محرّمات عرفية فى قرية او عند قوم مسلّمة و فى محله.
التعفّف عند الشارع:
مع انّ المتبادر هو التعفف و التستر عن العيب الحقيقى لدى الشارع، لا كلّ عيب الذى يكون عيبا عند قوم دون قوم.
و لا يخفى أن اشتراط العدالة فى الشاهد فى الإسلام، انّما يكون من باب حصول الوثوق بصدق كلامه، و انّه لا يكذب، و اين المروّة من هذا القبيل؟
حاصل الكلام:
و الحاصل انه قد تبيّن لك انّه لا دخل للمروة فى ثبوت العدالة الشرعيّة و العفاف الشرعى، لعدم شمول الدليل لذلك، و انصراف الإطلاقات عنها.
و امّا دخالتها فى العدالة الاخلاقية العرفيّة و كرامة الإنسان فى الفضيلة، فله وجه، و لكن هى غير ما نحن بصدده. فنتيجة البحث انه لا دخل للمروّة فى العدالة الشرعيّة.