عنه عن دليله تفصيلا كما انّ ساير الخبراء ايضا فى هذا الشأن.
شبهة الأخباريين:
و على هذا، انّ الشبهة بين اصحابنا الأخباريين الّذين يقولون بانّه لا معنى للاجتهاد فى الدّين، و المرجع الوحيد فى الأحكام انّما هو الرّوايات فقط، و بين الأصوليين الّذين يقولون بلزوم الاجتهاد فى الأحكام، لا محصّل له.
لأنّ فهم الحكم الشرعى من الأخبار ايضا هو الاجتهاد و العرفان بالحلال و الحرام حسب مقتضى الدليل، و هذا المعنى هو رأى الاصولى و اجتهاده. فالملاك بين الاصولى و الاخبارى واحد و هو تحصيل الوظيفة المقرّرة فى الشّريعة حسب الدّليل الشرعى من الأخبار و الآيات.
فلا وجه لتأبّى علمائنا الاخباريين عن لفظ الاجتهاد، اذ لو لم يكن الاجتهاد فى البين، لا نسدّ باب معرفة الأحكام فى غير الضروريّات من الدّين.
و يظهر من اخبار اهل البيت(ع)و آثارهم انّ الاجتهاد بالمعنى المتعارف الذى هو الموجود فى اعصارنا، هو موجود و متعارف فى اعصارهم(عليهم السلام)، و انّهم مضافا الى عدم ردعهم عن الاجتهادات التى كانت تقع على اساس القرآن العظيم و السنّة النبويّة و اخبار اهل البيت(عليهم السلام)، انّ هذا الاجتهاد بمرأى و مسمع منهم(ع). و قد كانوا يعلّمون الأصحاب طريق الاجتهاد الصحيح فى كلماتهم(ع)و يرشدون اليه و يأمرون به. و قد نشأ و تربّى فى تلك الاعصار، ببركة هذه التربية، فقهاء مجتهدون و المحدّثون من رواة الحديث ممّن يكون فى عصرهم و من تلامذتهم.
و الرّوايات الّتى يستفاد منها هذا الأمر كثيرة جدّا، و فيها روايات صحاح و موثّقات تدلّ على امرهم(ع)اصحابهم الى تفريع الفروع على الاصول المسلمة.
و عن الشّيخ الطوسى: باسناده عن ابن محبوب عن على بن الحسن بن رباط عن عبد الاعلى مولى آل سامان، قال قلت لابى عبد اللّه(ع)، عثرت فانقطع ظفرى فجعلت
على اصبعى مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟
قال(ع): يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ قال اللّه تعالى:وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، امسح عليه.[1]
و عن الصّدوق باسناده الى زرارة قال قلت لأبى جعفر(ع)، أ لا تخبرنى من اين علمت و قلت أنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟
فضحك و قال(ع): يا زرارة قال رسول اللّه(ص)و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ:
قالفَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، فعرفنا ان الوجه كلّه ينبغى ان يغسل، ثمّ قال، و ايديكم الى المرافق، فوصل اليدين الى المرفقين بالوجه، فعرفنا انّه ينبغى ان يغسله الى المرفقين، ثم فصّل بين الكلام و قال و امسحوا برءوسكم، فعرفنا حين قال برءوسكم، انّ المسح ببعض الرأس، لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه، فقال و ارجلكم الى الكعبين، فعرفنا حين وصلها بالرأس، انّ المسح على بعضها، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه(ص)، فضيّعوه، الحديث.[2]
و رواه الكلينى باسناده عن زرارة، ايضا و عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه(عليه السلام)قال: انّما علينا ان نلقى اليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا.[3]
و عن احمد بن محمّد بن ابى نصر عن الرّضا(ع)قال: علينا القاء الاصول و عليكم التفريع.[4]
و لا ريب انّ تفريع الفروع على الاصول هو العمدة فى باب الاجتهاد. و هذا دليل على انهم(عليهم السلام)يعلّمون اصحابهم طريق الاستنباط، و هذا أكبر شاهد على انّ الاجتهاد بمرأى و مسمع و ممضاة عندهم.
و امّا دليل العقل، فهو المتّبع دائما، اذ العقل هو الرّسول الباطن، لا يجوز ردعه.
[1]- وسائل الشيعة ج 1/ 327 ابواب الوضوء.
[2]- وسائل الشيعة ج 1/ 291 ابواب الوضوء.
[3]- وسائل الشيعة ج 18/ 40 من ابواب صفات القاضى.
[4]- وسائل الشيعة ج 18/ 41 من ابواب صفات القاضى.
و امّا الإجماع، فهو حجّة من باب الكشف عن وجود قول المعصوم(ع).
فلا مشكل بين الأخباريين و الاصوليين. نعم ربّما كان الإباء من ناحية الاخباريين بالنّسبة الى بعض ما يقوله المجتهد الأصولى بحجيّته، مثل اصل البراءة، و الاخبارى فى مثل هذا المورد قائل بالاحتياط. و هذا من صغريات و كلّ يعمل على رأيه، فلا يضرّ وحدة المطلوب عندهما.
و على هذا يصير النزاع بين الأخباريّين و الأصوليّين صغرويّا و ذلك غير مضرّ بصحّة نفس الاجتهاد.
و لعلّ مخالفة الاخبارى من جهة مفهوم الاجتهاد، لا مصداقه و حقيقته.
فقد زعم الأخبارى بأنّ المجتهد الأصولى يقصد من الاجتهاد، الحكم من ناحية القياس و الاستحسان، مع انّ علمائنا الإماميّة الأصوليين لا يقولون بذلك أصلا، و قد صرّحوا بذلك. و تفصيل الكلام فى النّزاع بين الأخبارى و الاصولى موكول الى محلّ آخر.
علم الاجتهاد
الاجتهاد علم مستقلّ:
الاجتهاد علم مستقلّ اسلامى غير داخل فى علم الفقه و لا فى علم اصول الفقه، و له عرض عريض فى أحكام الإسلام، و تاريخ مسلسل فى بطون الاجيال، يبدأ بانقطاع امر الوحى النّبوى الى هنا. و هو الغاية لعلم اصول الفقه الذى هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الإسلامية.
فلا يصير البحث عن الاجتهاد داخلا فى مباحث علم اصول الفقه، و الّا يلزم دخول البحث عن الغاية فى المعنى.
و لمّا كان الاجتهاد من الموضوعات الخارجيّة، و انّه ليس بحكم شرعى فرعى فلا يكون البحث عن الاجتهاد داخلا فى مباحث علم الفقه، فانّه علم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن ادلّتها التفصيليّة، و الاجتهاد طريق الى تحصيلها و مقدّمة لها.
ثمّ إنّ البحث عن الاجتهاد ليس من مباحث علم اصول الدّين الّذى مهّده الفلسفة الإسلامية و الكلام فى العقائد الدينيّة، لانّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم الفرعى الشرعى من الحجّة، و اين هذا من ذاك؟
الاجتهاد علم مستقلّ اسلامى:
فالبحث عن الاجتهاد، علم مستقلّ من العلوم الإسلامية، و ليس من مباحث الفقه و لا من مباحث اصول الفقه، و لا من مباحث اصول الدّين الاسلامى. و بما ذكرنا تبيّن الحال فى البحث عن التّقليد ايضا.
فإنّ بحث التّقليد غير داخل فى ابحاث اصول الفقه لما عرفت و ستعرف تفصيلا، كما انّه ليس بداخل فى ابحاث علم الفقه الّذى موضوعه فعل المكلّف فانّ التّقليد ليس نفس فعل المكلّف و انّما هو من العوارض الطّارية لفعله، على المعنى الصحيح عند القوم و إن قيل بانّه نفس فعل المكلّف.
فالبحث عن التّقليد ايضا علم مستقلّ من العلوم الإسلامية على التفصيل الّذى ستعرف مواضعه، إن شاء اللّه تعالى.
الاجتهاد واجب كفائى تخييرى
الاجتهاد واجب كفائى:
الاجتهاد واجب كفائىّ فى الإسلام.
فاذا اقام به بعض و تمّ اسقط الوجوب عن الباقين، و ان لم يقم به احد، أثم جميع المسلمين المكلّفين فى ذلك العصر الّذى لا يوجد فيه مجتهد.
و الدّليل على وجوبه الكفائى قوله تعالى:
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ...[1]
و التفقه فى الدّين هو الاجتهاد فى أحكام الدّين الّذى قد وجب بحكم الهى لمكان هذه الآية الكريمة، على طائفة من كلّ فرقة من المسلمين فى كلّ عصر و مصر، اذ النّفر لا يجب على جميعهم بمقتضى صريح هذه الآية الكريمة.
و العقل حاكم بوجوبه الكفائى:
من حيث انّه لو لا وجود المجتهد الفقيه العالم بالأحكام الدينى، لما امكن اطاعة اللّه تعالى، و لا اطاعة رسوله، و لا اطاعة اولى الأمر من بعده و من جانبه، فما امكن معرفة الأحكام الدينية الإسلامية الالهيّة. فوجوب الاجتهاد، وجوب طريقى عند العقل و الشّرع الى الوصول لإطاعة احكام اللّه تعالى المتعلّقة بافعال المكلّفين، و
[1]- سورة توبة 9/ 122
صيانتها عن الاندراس، و وجوب الاحتفال عن الشريعة المقدّسة عن الاضمحلال.
و يؤيّد ما ذكرنا، ما ورد من الأخبار كثيرا فى تفسير هذه الآية المباركة على الطريق الّذى ذكرناه.[1]
فالاجتهاد حينئذ يكون واجبا كفائيا لذلك المهمّ الشرعى الدّينى الاسلامى.
الاجتهاد واجب تخييرى:
ثمّ انّ الاجتهاد واجب تخييرى، و عند هذا المنظر يكون هو، عديل اخويه من التّقليد و الاحتياط.
و قد قسّموا الواجب التّخييرى فى صناعة علم اصول الفقه الى تخيير عقلىّ و تخيير شرعىّ. و يقصدون من التّخيير العقلى، هو التّخيير بين افراد طبيعة واحدة واجبة، كتخيير المكلّف بين افراد صلاة واجبة، باتيانها من حيث الافراد و المكان و الزمان.
و يقصدون بالتّخيير الشرعى، ما اذا لم يكن بين عدلى التّخيير جامع حقيقى، و يكون الواجب كلّ واحد من الأمرين، لكنّه بحيث لو أتى باحدهما، فقد عمل بالواجب، و سقط الآخر عن عهدة الوجوب، كالتّخيير بين خصال الكفارة.
و نقصد بتخيير المكلّف بين الاجتهاد و التّقليد و العمل بالاحتياط، هو انّ الواجب عند العقل احد هذه الأمور الثلاثة من الاجتهاد و التّقليد و الاحتياط على سبيل منع الخلوّ فى اصطلاح المنطقيين.
فالمراد من هذا التّخيير، هو انّ العقل حاكم بانحصار طريق الاطاعة فى العمل باحد هذه الطّرق الثلاثة، لكلّ مكلّف يؤمن باللّه تعالى و برسوله، و يعلم أنّ تشريع الأحكام، من اللّه سبحانه، الزاميّة حتميّة، و يعلم انّه ليس بمهمل من جانب اللّه فى افعاله، فامتثال تلك الأحكام واجب حتمىّ عند العقل من المكلّف لتحصيل الأمن من العقاب.
[1]- وسائل الشيعة ج 27/ 141.
من له قوّة الاستنباط
وجوب الاجتهاد لمن له قوّة الاستنباط:
و الكلام هنا فيمن له قوّة الاستنباط فعلا، و لم يتصدّ للاجتهاد بالفعل، فهل يجوز له التّقليد عن الغير، او يتعيّن عليه تحصيل الاجتهاد؟
و الموضوع لعدم جواز الرجوع الى الغير فى التّكليف، و عدم جواز تقليده عن الغير، هو وجود قوّة الاستنباط للاحكام من الأدلّة، و امكانه، و لو لم يستنبط شيئا منها بالفعل. فلو فرض حصولها لشخص من الممارسة فى مقدّمات الاجتهاد، من غير الرجوع الى مسئلة واحدة فى الفقه، لا يجوز له الرجوع الى غيره فى الفتوى مع جودة قوّة الاستنباط له فعلا، و امكانه له، من غير فرق بين من له قوّة مطلقة، او فى بعض ابواب الفقه، او فى بعض الأحكام.
لأنّ الدّليل على جواز رجوع الجاهل الى العالم، هو بناء العقلاء، و لا دليل لفظىّ هنا يتمسّك باطلاقه، و لم يثبت بناء العقلاء فى مثله من الرجوع الى غيره، فانّ من له قوّة الاستنباط و تتهيّأ له اسبابه، و يحتمل ان يكون الغير مخطئا فى اجتهاده، مع انّ له امكان طريق فعليّة الى احراز تكليفه بحسب وجود ملكة يقتدر بها استنباط الحكم، فلا يكون هذا الشخص معذورا عند العقلاء فى رجوعه الى غيره.