هذه السيرة بمرأى عند الشارع:
و هذه السيرة العقلائية فى جريها فى الأحكام كانت فى زمن الشارع و بمرأى و منظر منه.
لانّ هذه السيرة العقلائية كان من ابتداء العصر البشرى مدى القرون المتطاولة و تنتهى بانتهاء الحياة البشريّة.
فلا محالة انّها كانت بمرأى و منظر من النّبى الأعظم(ص)و اوصيائه الكرام، لأنّ المسلمين يعملون بهذه السيرة فى امتثالهم للأحكام الشرعيّة الالهيّة.
فلو كان ذلك غير مرضىّ لهم لمنعوهم و ارشدوهم الى الصواب. فلو صدر منهم ذلك الأمر، لبان و اشتهر و وصل الينا، فعدم وصوله دليل على امضاء الشرع من ناحيتهم عن هذه السيرة العقلائية للعمل بالأحكام، و كاشف على رضاهم ذلك و رضاهم، رضا اللّه تعالى. مضافا الى انّ ما ورد فى الكتاب و السنّة من الإرشاد الى إجرائها فى الشرع الأنور. قال اللّه تعالى:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.*[1]
و قال(ع): للعوام ان يقلّدوه[2].
فجواز التّقليد للعامىّ من المجتهد العالم بالأحكام امر عقلى شرعى يحكم به السيرة العقلائية و الأدلّة الشرعيّة.
[1]- نحل/ 43.
[2]- الاحتجاج للطبرسى/ 457- وسائل الشيعة ج 18/ 94.
التّقليد و حكم الشرع
الأصل الأوّلى فى جواز التّقليد:
و لما كانت اصول الشريعة الإسلامية و فروعها غير خارجة عن دائرة العقل، فانت لا تجد أمرا جوّزه الإسلام و لا يحكم به العقل، فإنّ العقل يحكم بما حكم به الشرع دائما و نهى عمّا نهى عنه دائما، فالعقل و الشرع يتعاملان معا و يحكمان بما يلازم به الحسن و القبح، فيأمران بالأوّل و ينهيان عن الثّانى.
فما يراه العقل حسنا و يحكم به، فاذن فالشرع يحكم به، و ما يراه العقل قبيحا و ينهى عنه، فاذن فالشرع ينهى عنه. و لذلك قالوا ما حكم به العقل، حكم به الشرع.
فحينئذ يكون الأصل الأوّلى العقلى فى باب التّقليد، هو بعينه الأصل الأوّلى الشرعى فى باب التّقليد، و الأصل الأوّلى العقلى فى باب السؤال عن الغير و التّقليد منه إن كان مذموما فيكون بعينه مذموما شرعا ايضا، الّا ما خرج بالدّليل الشرعى.
الآيات الواردة و الأصل الأوّلى:
و اليك ما ورد فى الكتاب العزيز.
قال اللّه تعالى:وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ، قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا
يَهْتَدُونَ.[1]
و قال تعالى:وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ، قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ[2].
و قد حكم هاتان الكريمتان بحرمة اتّباع الآباء الجهلة فانّه يكون من باب تقليد العمياء القبيحة فى نظر العقل و الدّين.
فالقرآن يذمّ قوما يتّبعون و يقلّدون آبائهم الّذين لا يعلمون شيئا و لا يهتدون.
فانّ الرجل من جهة كونه أبا لا صلاحية له للاتّباع معه انّه جاهل بالطريق و من هو جاهل بالطريق و لا يعرف، كيف يقدر على إراءة الطريق.
قال اللّه تعالى:إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً.[3]
و قال تعالى:وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.[4]
تفيد هذه الآيات الكريمة بعدم جواز اتّباع الظّنّ فانّه لا حجّة له، و هذا الاتّباع هو التّقليد الأعمى و لا يصلح ذلك و قبيحا عند العقل و الشرع. هذا بالنسبة الى التّقليد بحسب الأصل الأولى فى الشرع الأنور.
الأصل الثانوى فى جواز التّقليد:
و امّا الأصل الثانوى عند الشرع هو جواز التّقليد، و انّ رجوع الجاهل الى العالم و اتّباعه و التّقليد منه، حسن راجح و لازم شرعا و كذا عقلا.
لانّ الّذى يجب ان يتّبع هو العالم العارف بالطّريق، دون من سواه.
فثوب الحجّة هو لباس العلم، اعنى الوثوق و الاطمينان. و اتّباع العالم، هو تقليد عنه و مستحسن عند العقل و الشرع بالأصل الثانوى، لمن لا يعلم و يكون عاميا عمّا هو بصدده.
[1]- مائدة/ 104.
[2]- بقرة/ 170.
[3]- سورة الأنعام، الآية 119.
[4]- الاسراء، الآية 36.
قال اللّه تعالى:فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.[1]
و قال اللّه تعالى:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.*[2]
الاستدلال بآية النفر:
و تقريب الاستدلال بالآية الأولى التى سمّيت عندهم بآية النفر، هو انّ المأمور به فيها هو الإنذار، و المقصود من الإنذار بيان الأحكام الشريعة الواجبات و المحرّمات للمؤمنين، بشهادة نفس الآية، فانّ الظاهر منها كون الإنذار نتيجة التفقّه فى الدّين.
كر اللازم و اريد منه الملزوم.
و كلمة (لعلّ) فى الآية، مفيدة للتوقيع على الحذر و التوقّع من ناحيته تعالى شأنه العزيز، هو المطلوبيّة الذاتيّة، و مقتضية للإتيان، فكلمة لعلّ فى الآية تفيد بانّ الحذر مطلوب للّه تعالى.
كلمة (الحذر) فى الآية الكريمة:
و من المعلوم أن الحذر فعل اختيارىّ للإنسان، و قد جعل فى الآية الكريمة غاية الإنذار الواجب، فيكون الحذر واجبا بالاولويّة القطعيّة، لظهور انّ الوجوب المغيّى قد نشأ من وجوب الغاية.
و الحذر فى العرف و اللّغة بمعنى التحرّز عن الشىء فهو من الأفعال الخارجيّة و ليس بأمر نفسانىّ.
فالحذر فى الآية الكريمة كناية عن العمل بما اخبر به النافرون، و هم الرواة و المجتهدون العارفون بالأحكام، و العمل بخبر المجتهد هو التّقليد عنه.
[1]- سورة التوبة، الآية 123.
[2]- سورة النمل، الآية 43.
الآية دالّة على انّ التّقليد هو العمل:
ففى الآية دلالة على انّ تقليد العامى من المجتهد المفتى هو العمل على طبق قوله و فتواه.
و لا يخفى انّ بيان الأحكام قد يكون بحكاية قول النبىّ(ص)و الأئمّة(عليهم السلام)، و ذلك هو الرّواية و الحديث. و هذا معمول فى الصدر الأوّل و قد يكون بحكاية ما يستفيد من قولهم و فعلهم و تقريرهم(عليهم السلام)، و ذلك هو الإفتاء و الأخبار بما تفقّهوا و تحمّلوا و اجتهدوا من كلامهم(عليهم السلام)و امّا جملة(لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)فى الآية الكريمة، أظهر فى الدّلالة على الاجتهاد فى الدّين من نقل الحديث.
فان التّفقّه فى الآية هو الرأى و النظر الاجتهادي، فاذا بلغ المتفقّه الى هذه الدّرجة يجب قبول قوله.
الآية دالّة على وجوب التّقليد من الفقيه:
فتكون الآية دالّة على انّ الأحكام الصادرة من الفقيه المجتهد العالم فى الدّين، تكون حجّة على العامى، و يجب عليه ان يعمل على طبق نظره و فتواه. فتكون الآية دليلا على وجوب التّقليد للعامىّ الّذى لا اجتهاد له فى الدّين عن الفقيه العارف بالأحكام.
اشكال المحقّق الكمبانى:
لكن عند المحقّق الكمبانى(قدّس سرّه)خلاف ذلك.
و هو يقول: و من الواضح انّ صدق التفقّه فى الصدر الأوّل بتحصيل العلم بالأحكام الشريعة بالسّماع من النبى الأعظم(صلّى اللّه عليه و آله)او الائمّة. فلا دلالة للآية حينئذ الّا على حجيّة الخبر فقط و الإنذار بحكاية ما سمعوه من المعصوم، من ترتّب العقاب على شىء فعلا او تركا. بل الإفتاء و القضاء ايضا كان فى الصدر الأوّل بنقل الخبر فتدبّر.[1]
[1]- المحقّق الكمبانى فى رسالته فى الاجتهاد و التّقليد.
و حاصل مراده(قدّس سرّه)، هو عدم دلالة الآية على وجوب الرجوع الى المجتهد و جواز التّقليد عنه. بل الآية دالّة على حجيّة خبر الواحد.
و امّا الجواب: انّ الناقل للخبر فى الصدر الأوّل ايضا لم يكن بحيث لا يفهم معناه، بل كان يفهم ما اراد النبى(ص)و الإمام(ع)من الكلام، فاذا كان النّاقل، يخبر ما إدراكه و فهمه من اللّفظ و المعنى، فلم يكن مجرّد نقل اللّفظ فقط من دون فهم.
على ان الرّواة الخبراء فى الشريعة مثل زرارة و محمّد بن مسلم و ابان و غيرهم من الأصحاب الكبار العالمين بمواقف الأحكام فى الصدر الأوّل. فلا مجال بان يقال بانّهم ناقلون لفظ الحديث فقط من دون فهم و دقّة. بل انّهم يفهمون مراد الشارع من لفظ الحديث و يتفقّهون ما تحمّلوا عنهم(عليهم السلام)تفقها منهم و دقّة و يفتون بما تحمّلوا.
و على هذا فدلالة الآية على وجوب التّقليد للعامىّ من المجتهد الفقيه تامّة جدّا، و لا اشكال فيها.
تقريب الاستدلال بآية السؤال:
و امّا تقريب الاستدلال فى الآية الثانيّة الّتى قد سمّيت عندهم بآية السؤال و آية الذّكر.
انّ المخاطب بالأمر بالسّؤال، هم الّذين لا يعلمون، و المراد من اهل الذّكر هم الّذين يعلمون، بقرينة المقابلة.
كما أنّ الظاهر من الآية، هو الأمر بالسؤال للإرشاد الى تحصيل العلم، فالعلم الحاصل من السؤال يكون مطلوبا للعمل به.
فالآية الكريمة دالّة على قانون كلّى عليه تجرى سيرة العقلاء، و هى رجوع الجاهل الى العالم.
فقد امر الجاهل، بالسؤال عن العالم، ليطّلع على الدّين، اصوله و فروعه، ليعمل على طبقه، و قول العالم حجّة شرعيّة للجاهل.
فالمراد من آية الكريمة هو السؤال للعمل، لا مجرّد حصول العلم فقط.
و المقصود من اهل الذّكر هو الفقيه العالم بالدّين، لا مجرّد ناقل الحديث و هو اعرابىّ لا يفهم معناه.
فتبيّن انّ الآية دالّة على وجوب التّقليد و رجوع الجاهل الى العالم بدليل الشرع.
اشكال صاحب الكفاية:
و قد اورد عليه المحقّق الخراسانى فى الكفاية انّ الاستدلال بالآية غير تامّ.
و هو انّ إرجاع الجاهل الى العالم، لتحصيل العلم بالحكم، لا الأخذ تعبّدا من الفقيه للعمل به. و انّ المسئول عنه فيها هم علماء اهل الكتاب كما هو ظاهر الآية، او اهل بيت النّبوة، كما فسرّ فى الأخبار.
الجواب عن مقالة الكفاية:
و امّا الجواب عن المحقّق الخراسانى فى مقالته هذه، هو انّ إرجاع الجاهل الى العالم فى موردين:
احدهما: لتحصيل المعرفة العلمية من جهة كون المعرفة مطلوبة فى نفسها.
ثانيهما: لتحصيل المعرفة من جهة كون المعرفة طريقا للعمل.
و الآية تشير الى تنفيذ السيرة العقلائية من إرجاع الجاهل الى العالم فيما يتعلّق بمعالم الدّين، فى اصوله و فروعه للعلم و العمل طبقه.
و هذا جواب عن اشكاله الاوّل هنا.
و امّا الجواب عن الإشكال الثانى منه، هو انّه لا شكّ فى انّ أهل البيت: من اشرف مصاديق اهل الذّكر و افضلها، لكن لا يوجب ذلك حصر ظهور الآية بهم: بل يعمّ غيرهم ايضا، و هو ظاهر من الآية.
كما انّ علماء اهل الكتاب ايضا من مصاديق اهل الذّكر، لانّهم علماء الدين فى ملّتهم و عارفون بما جاء فى الكتاب، بلا شكّ فيه.
فالعموم فى الآية يشمل الجميع، و المورد لا يوجب تخصيص العام به و حصر الكلّى عليه. هذا تمام الكلام فى الآيتين الشريفتين.
بقى الكلام فى الروايات الواردة فى المقام.
الروايات الواردة فى جواز التّقليد:
و امّا الأخبار الواردة فى باب جواز التّقليد و وجوب رجوع الجاهل الى العالم فى تحصيل معرفة الأحكام.
و هى الاخبار الواردة فى السنّة عن النبىّ الأعظم(صلّى اللّه عليه و آله)و عن الائمة المعصومين(عليهم السلام)، ممّا يفيد تقرير الشريعة، للتقليد المتداول بين المسلمين و رجوع العامىّ بالأحكام الى علمائهم.
مثل قوله(عليهم السلام): «امّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام ان يقلّدوه»[1].
و مثل ما ورد من إرجاع الإمام(عليه السلام)، الى بعض اصحابه بقوله(ع): «خذ معالم دينك منه»[2].
و مثل التّوقيع المبارك: «و امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فانّهم حجّتى عليكم و انّا حجّة اللّه عليهم»[3].
و مثل قول ابى جعفر(ع)لأبان بن تغلب!
اجلس فى مسجد المدينة و افت النّاس فانّى احبّ ان يرى فى شيعتى مثلك[4].
و الى غير ذلك من الروايات الواردة الكثيرة فى ابواب مختلفة فى الفقه الاسلامى، و قد اشرنا الى بعض اطرافها فى باب الاجتهاد، فراجع.
[1]- وسائل الشيعة ج 18/ 94.
[2]- وسائل الشيعة 18/ 108.
[3]- اكمال الدين ج 4/ 484- الغيبة/ 186.
[4]- الفهرست للنجاشى/ 7.