بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 276

الآية دالّة على انّ التّقليد هو العمل:

ففى الآية دلالة على انّ تقليد العامى من المجتهد المفتى هو العمل على طبق قوله و فتواه.

و لا يخفى انّ بيان الأحكام قد يكون بحكاية قول النبىّ(ص)و الأئمّة(عليهم السلام)، و ذلك هو الرّواية و الحديث. و هذا معمول فى الصدر الأوّل و قد يكون بحكاية ما يستفيد من قولهم و فعلهم و تقريرهم(عليهم السلام)، و ذلك هو الإفتاء و الأخبار بما تفقّهوا و تحمّلوا و اجتهدوا من كلامهم(عليهم السلام)و امّا جملة(لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)فى الآية الكريمة، أظهر فى الدّلالة على الاجتهاد فى الدّين من نقل الحديث.

فان التّفقّه فى الآية هو الرأى و النظر الاجتهادي، فاذا بلغ المتفقّه الى هذه الدّرجة يجب قبول قوله.

الآية دالّة على وجوب التّقليد من الفقيه:

فتكون الآية دالّة على انّ الأحكام الصادرة من الفقيه المجتهد العالم فى الدّين، تكون حجّة على العامى، و يجب عليه ان يعمل على طبق نظره و فتواه. فتكون الآية دليلا على وجوب التّقليد للعامىّ الّذى لا اجتهاد له فى الدّين عن الفقيه العارف بالأحكام.

اشكال المحقّق الكمبانى:

لكن عند المحقّق الكمبانى(قدّس سرّه)خلاف ذلك.

و هو يقول: و من الواضح انّ صدق التفقّه فى الصدر الأوّل بتحصيل العلم بالأحكام الشريعة بالسّماع من النبى الأعظم(صلّى اللّه عليه و آله)او الائمّة. فلا دلالة للآية حينئذ الّا على حجيّة الخبر فقط و الإنذار بحكاية ما سمعوه من المعصوم، من ترتّب العقاب على شى‌ء فعلا او تركا. بل الإفتاء و القضاء ايضا كان فى الصدر الأوّل بنقل الخبر فتدبّر.[1]

[1]- المحقّق الكمبانى فى رسالته فى الاجتهاد و التّقليد.


صفحه 277

و حاصل مراده(قدّس سرّه)، هو عدم دلالة الآية على وجوب الرجوع الى المجتهد و جواز التّقليد عنه. بل الآية دالّة على حجيّة خبر الواحد.

و امّا الجواب: انّ الناقل للخبر فى الصدر الأوّل ايضا لم يكن بحيث لا يفهم معناه، بل كان يفهم ما اراد النبى(ص)و الإمام(ع)من الكلام، فاذا كان النّاقل، يخبر ما إدراكه و فهمه من اللّفظ و المعنى، فلم يكن مجرّد نقل اللّفظ فقط من دون فهم.

على ان الرّواة الخبراء فى الشريعة مثل زرارة و محمّد بن مسلم و ابان و غيرهم من الأصحاب الكبار العالمين بمواقف الأحكام فى الصدر الأوّل. فلا مجال بان يقال بانّهم ناقلون لفظ الحديث فقط من دون فهم و دقّة. بل انّهم يفهمون مراد الشارع من لفظ الحديث و يتفقّهون ما تحمّلوا عنهم(عليهم السلام)تفقها منهم و دقّة و يفتون بما تحمّلوا.

و على هذا فدلالة الآية على وجوب التّقليد للعامىّ من المجتهد الفقيه تامّة جدّا، و لا اشكال فيها.

تقريب الاستدلال بآية السؤال:

و امّا تقريب الاستدلال فى الآية الثانيّة الّتى قد سمّيت عندهم بآية السؤال و آية الذّكر.

انّ المخاطب بالأمر بالسّؤال، هم الّذين لا يعلمون، و المراد من اهل الذّكر هم الّذين يعلمون، بقرينة المقابلة.

كما أنّ الظاهر من الآية، هو الأمر بالسؤال للإرشاد الى تحصيل العلم، فالعلم الحاصل من السؤال يكون مطلوبا للعمل به.

فالآية الكريمة دالّة على قانون كلّى عليه تجرى سيرة العقلاء، و هى رجوع الجاهل الى العالم.

فقد امر الجاهل، بالسؤال عن العالم، ليطّلع على الدّين، اصوله و فروعه، ليعمل على طبقه، و قول العالم حجّة شرعيّة للجاهل.


صفحه 278

فالمراد من آية الكريمة هو السؤال للعمل، لا مجرّد حصول العلم فقط.

و المقصود من اهل الذّكر هو الفقيه العالم بالدّين، لا مجرّد ناقل الحديث و هو اعرابىّ لا يفهم معناه.

فتبيّن انّ الآية دالّة على وجوب التّقليد و رجوع الجاهل الى العالم بدليل الشرع.

اشكال صاحب الكفاية:

و قد اورد عليه المحقّق الخراسانى فى الكفاية انّ الاستدلال بالآية غير تامّ.

و هو انّ إرجاع الجاهل الى العالم، لتحصيل العلم بالحكم، لا الأخذ تعبّدا من الفقيه للعمل به. و انّ المسئول عنه فيها هم علماء اهل الكتاب كما هو ظاهر الآية، او اهل بيت النّبوة، كما فسرّ فى الأخبار.

الجواب عن مقالة الكفاية:

و امّا الجواب عن المحقّق الخراسانى فى مقالته هذه، هو انّ إرجاع الجاهل الى العالم فى موردين:

احدهما: لتحصيل المعرفة العلمية من جهة كون المعرفة مطلوبة فى نفسها.

ثانيهما: لتحصيل المعرفة من جهة كون المعرفة طريقا للعمل.

و الآية تشير الى تنفيذ السيرة العقلائية من إرجاع الجاهل الى العالم فيما يتعلّق بمعالم الدّين، فى اصوله و فروعه للعلم و العمل طبقه.

و هذا جواب عن اشكاله الاوّل هنا.

و امّا الجواب عن الإشكال الثانى منه، هو انّه لا شكّ فى انّ أهل البيت: من اشرف مصاديق اهل الذّكر و افضلها، لكن لا يوجب ذلك حصر ظهور الآية بهم: بل يعمّ غيرهم ايضا، و هو ظاهر من الآية.

كما انّ علماء اهل الكتاب ايضا من مصاديق اهل الذّكر، لانّهم علماء الدين فى ملّتهم و عارفون بما جاء فى الكتاب، بلا شكّ فيه.


صفحه 279

فالعموم فى الآية يشمل الجميع، و المورد لا يوجب تخصيص العام به و حصر الكلّى عليه. هذا تمام الكلام فى الآيتين الشريفتين.

بقى الكلام فى الروايات الواردة فى المقام.

الروايات الواردة فى جواز التّقليد:

و امّا الأخبار الواردة فى باب جواز التّقليد و وجوب رجوع الجاهل الى العالم فى تحصيل معرفة الأحكام.

و هى الاخبار الواردة فى السنّة عن النبىّ الأعظم(صلّى اللّه عليه و آله)و عن الائمة المعصومين(عليهم السلام)، ممّا يفيد تقرير الشريعة، للتقليد المتداول بين المسلمين و رجوع العامىّ بالأحكام الى علمائهم.

مثل قوله(عليهم السلام): «امّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام ان يقلّدوه»[1].

و مثل ما ورد من إرجاع الإمام(عليه السلام)، الى بعض اصحابه بقوله(ع): «خذ معالم دينك منه»[2].

و مثل التّوقيع المبارك: «و امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فانّهم حجّتى عليكم و انّا حجّة اللّه عليهم»[3].

و مثل قول ابى جعفر(ع)لأبان بن تغلب!

اجلس فى مسجد المدينة و افت النّاس فانّى احبّ ان يرى فى شيعتى مثلك‌[4].

و الى غير ذلك من الروايات الواردة الكثيرة فى ابواب مختلفة فى الفقه الاسلامى، و قد اشرنا الى بعض اطرافها فى باب الاجتهاد، فراجع.

[1]- وسائل الشيعة ج 18/ 94.

[2]- وسائل الشيعة 18/ 108.

[3]- اكمال الدين ج 4/ 484- الغيبة/ 186.

[4]- الفهرست للنجاشى/ 7.


صفحه 280

ما ذكره المحقّق الخراسانى:

قال المحقّق الخراسانى فى الكفاية:

بانّ هذه الاخبار على اختلاف مضامينها و تعدّد اسانيدها، لا يبعد دعوى القطع بصدورها او بعضها عن المعصومين(ع).

فتكون دليلا قاطعا على جواز التّقليد شرعا و ان لم يكن كلّ واحد منها بحجّة مفيدة[1].

فتكون دليلا قاطعا على جواز التّقليد و مخصّصا لما دلّ على عدم جواز الاتباع من الغير، و الذمّ على التّقليد فى الآيات و الرّوايات الواردة فى هذا الباب.

و لا يخفى ما فى كلامه(قدّس سرّه).

من حيث ان فى هذه الاخبار، اخبار صحيحة مستفيضة معمول بها، فتكون حجّة، مثل خبر الأمر بالإفتاء لأبان بن تغلب، و خبر إرجاع ابن ابى يعفور الى محمد بن مسلم، و خبر الإرجاع الى زكريّا بن آدم، و خبر الإرجاع الى العمرى، و الى ابنه.

و كلّ هؤلاء الاخبار صحيحة و حجّة شرعا، فالقول بأنّ كلّ واحد منها ليس بحجّة غير صحيح جدّا.

و من حيث انّ الخروج من الأصل الأوّلى للعقل الحاكم بعدم جواز التّقليد، قد كان بالتّخصيص لا بالتخصّص من جهة هذه الأخبار كما صرّح به.

لأنّ التّقليد المذموم عقلا المنهىّ عنه شرعا، هو التّقليد الأعمى الّذى لم ينشأ عن امر عقلائى و ليس فيه جهة راجحة لازمة عند العقل على ما عرّفت، لا تقليد العامى الّذى يعلم الحكم الشرعى، من العالم المتخصّص فى الدّين على التفصيل الّذى قدّمناه. فلا يصحّ قوله(قدّس سرّه).

[1]- للاشكال من حيث الدلالة او السنّة.


صفحه 281

السيرة المتشرّعة و جواز التّقليد

و ممّا احتجّوا لجواز التّقليد شرعا، وجود سيرة المتشرّعة عند الإمامية.

كلام الشّيخ الطّوسى فى السيرة المتشرّعة:

قال الشّيخ ابو جعفر الطّوسى(قدّس سرّه):

انّى وجدت عامّة الطائفة من عهد امير المؤمنين(ع)الى زماننا هذا، يرجعون الى علمائها، و يستفتون منهم فى الأحكام و العبادات، و يفتيهم العلماء فيها، و يسوّغون لهم العمل بما يفتون به‌[1].

و ما ذكره(قدّه)حقّ لا ريب فيه.

و هل هذه السيرة، الّا انّها سيرتهم فى الشريعة، و انّهم متشرّعون، فتكون دليلا شرعيّا آخر على جواز التّقليد.

و يمكن القول بانّ هذه سيرتهم من حيث انّهم عقلاء و انّ هذه السيرة سيرة عقلائيّة، و قد مرّت الإشارة اليها فيما سبق.

[1]- ما قاله الشّيخ الطّوسى فى كتابه (العدّة) فى هذا الباب.


صفحه 282

جواز التّقليد فى نفسه‌

و لا ريب فى وجوب التّقليد فى الجملة فى الأحكام الشرعيّة على العامىّ، على اىّ تقدير كان. فهل يكون وجوبه مقدّميا، او وجوبا نفسيّا، او وجوبا طريقيّا، او شرطا شرعيّا، نظير الوضوء للصّلاة.

كلام الشّيخ الأنصارى فى انّه واجب مقدّمى:

و المنسوب الى الشّيخ الأعظم الأنصارى(قدّه):

هو القول الأوّل، اى كان وجوبه مقدّميا، حيث انّه مقدّمة للأمثال الظّاهرى للأحكام الواقعيّة، و لا ينوط الواقع به ان كان حصوله بالاحتياط ممكنا، فيكون مقدّمة للامتثال فقط بحيث يسقط التكليف، لا من حيث انّه يحصل الواقع. و يؤيّد هذا الوجه، ما هو المعروف من بطلان عمل تارك طريقى الاجتهاد و التّقليد، بعد كون التّقليد هو العمل، لعدم حصول الامتثال ما لم يكن العمل مستندا الى رأى المجتهد العالم بالحكم.

بيان الإشكال فى نظر الشّيخ:

و لكن يرد عليه ان العمل صحيح من المكلّف و لو لم يكن مستندا الى الفتوى اذا طابق الواقع. او رأى من يجب عليه تقليده فى الواقع، اذا جاء له قصده القربة.

مثل ما اتى به رجاء للوصول الى الواقع.


صفحه 283

فى بيان انّه واجب نفسى:

و اختار بعض أنّه وجوب نفسىّ و وجه كون التّقليد واجبا نفسيّا. فهو أنّ التّقليد بعد كونه هو العمل على ما بيّناه، فهو مثل الصّلاة و الصّوم. فيكون ملاكه هو ملاك نفس العمل. لأنّ الإمارات على الطريقيّة لا تكون الّا لحفظ الواقع. و هو تارة يحفظ بالعلم الوجدانىّ به و العمل على طبقه. و تارة يحفظ بالإمارة، و التّقليد يكون لحفظ الواقع فهو امارة عليه و على هذا، يكون وجوب التّقليد، معناه هو وجوب الصّلاة، و وجوب الركوع، و وجوب السّجود، و الصّلاة، وجوبها نفسىّ بعنوان، انّ الصّلاة واجبة بعنوان خاصّ و هو الصّلاتية. فكما انّ وجوب الصّلاة نفسىّ فكذلك وجوب التّقليد نفسىّ من باب المقدّمة.

الإيراد على هذا الكلام:

و لكن يرد عليه، انّ وجوب تصديق العادل و كذا وجوب التّقليد، يكونان لمصلحة الطريقيّة الى الواقع، فانّ اصاب، فهو و الّا فهو معذور فقط.

و يشترط فى الوجوب النفسى، كون المصلحة و الملاك لحفظ الواقع، لكن المصلحة فى إتيان الصّلاة تكون لذاتها محضا، و مصلحة تصديق العادل و كذا مصلحة التّقليد تكون لحفظ الواقع و الطريق اليه.

و من هنا يظهر انّ الوجوب فى التّقليد ليس نفسيّا و لا مقدّميا، بل وجوبه طريق الى الواقع لحفظ مصلحة الواقع و اتيانه.

الجواب عن الإيراد:

و امّا الوجوب الشّرطى الشرعى فى التّقليد، مثل وجوب الوضوء بالنّسبة الى الصّلاة فلم يثبت به دليل.

و الحاصل أنّ المختار فى وجوب التّقليد فى نفسه، وجوب طريقى الى الواقع‌