بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 28

و امّا الإجماع، فهو حجّة من باب الكشف عن وجود قول المعصوم(ع).

فلا مشكل بين الأخباريين و الاصوليين. نعم ربّما كان الإباء من ناحية الاخباريين بالنّسبة الى بعض ما يقوله المجتهد الأصولى بحجيّته، مثل اصل البراءة، و الاخبارى فى مثل هذا المورد قائل بالاحتياط. و هذا من صغريات و كلّ يعمل على رأيه، فلا يضرّ وحدة المطلوب عندهما.

و على هذا يصير النزاع بين الأخباريّين و الأصوليّين صغرويّا و ذلك غير مضرّ بصحّة نفس الاجتهاد.

و لعلّ مخالفة الاخبارى من جهة مفهوم الاجتهاد، لا مصداقه و حقيقته.

فقد زعم الأخبارى بأنّ المجتهد الأصولى يقصد من الاجتهاد، الحكم من ناحية القياس و الاستحسان، مع انّ علمائنا الإماميّة الأصوليين لا يقولون بذلك أصلا، و قد صرّحوا بذلك. و تفصيل الكلام فى النّزاع بين الأخبارى و الاصولى موكول الى محلّ آخر.


صفحه 29

علم الاجتهاد

الاجتهاد علم مستقلّ:

الاجتهاد علم مستقلّ اسلامى غير داخل فى علم الفقه و لا فى علم اصول الفقه، و له عرض عريض فى أحكام الإسلام، و تاريخ مسلسل فى بطون الاجيال، يبدأ بانقطاع امر الوحى النّبوى الى هنا. و هو الغاية لعلم اصول الفقه الذى هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الإسلامية.

فلا يصير البحث عن الاجتهاد داخلا فى مباحث علم اصول الفقه، و الّا يلزم دخول البحث عن الغاية فى المعنى.

و لمّا كان الاجتهاد من الموضوعات الخارجيّة، و انّه ليس بحكم شرعى فرعى فلا يكون البحث عن الاجتهاد داخلا فى مباحث علم الفقه، فانّه علم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن ادلّتها التفصيليّة، و الاجتهاد طريق الى تحصيلها و مقدّمة لها.

ثمّ إنّ البحث عن الاجتهاد ليس من مباحث علم اصول الدّين الّذى مهّده الفلسفة الإسلامية و الكلام فى العقائد الدينيّة، لانّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم الفرعى الشرعى من الحجّة، و اين هذا من ذاك؟


صفحه 30

الاجتهاد علم مستقلّ اسلامى:

فالبحث عن الاجتهاد، علم مستقلّ من العلوم الإسلامية، و ليس من مباحث الفقه و لا من مباحث اصول الفقه، و لا من مباحث اصول الدّين الاسلامى. و بما ذكرنا تبيّن الحال فى البحث عن التّقليد ايضا.

فإنّ بحث التّقليد غير داخل فى ابحاث اصول الفقه لما عرفت و ستعرف تفصيلا، كما انّه ليس بداخل فى ابحاث علم الفقه الّذى موضوعه فعل المكلّف فانّ التّقليد ليس نفس فعل المكلّف و انّما هو من العوارض الطّارية لفعله، على المعنى الصحيح عند القوم و إن قيل بانّه نفس فعل المكلّف.

فالبحث عن التّقليد ايضا علم مستقلّ من العلوم الإسلامية على التفصيل الّذى ستعرف مواضعه، إن شاء اللّه تعالى.


صفحه 31

الاجتهاد واجب كفائى تخييرى‌

الاجتهاد واجب كفائى:

الاجتهاد واجب كفائىّ فى الإسلام.

فاذا اقام به بعض و تمّ اسقط الوجوب عن الباقين، و ان لم يقم به احد، أثم جميع المسلمين المكلّفين فى ذلك العصر الّذى لا يوجد فيه مجتهد.

و الدّليل على وجوبه الكفائى قوله تعالى:

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ...[1]

و التفقه فى الدّين هو الاجتهاد فى أحكام الدّين الّذى قد وجب بحكم الهى لمكان هذه الآية الكريمة، على طائفة من كلّ فرقة من المسلمين فى كلّ عصر و مصر، اذ النّفر لا يجب على جميعهم بمقتضى صريح هذه الآية الكريمة.

و العقل حاكم بوجوبه الكفائى:

من حيث انّه لو لا وجود المجتهد الفقيه العالم بالأحكام الدينى، لما امكن اطاعة اللّه تعالى، و لا اطاعة رسوله، و لا اطاعة اولى الأمر من بعده و من جانبه، فما امكن معرفة الأحكام الدينية الإسلامية الالهيّة. فوجوب الاجتهاد، وجوب طريقى عند العقل و الشّرع الى الوصول لإطاعة احكام اللّه تعالى المتعلّقة بافعال المكلّفين، و

[1]- سورة توبة 9/ 122


صفحه 32

صيانتها عن الاندراس، و وجوب الاحتفال عن الشريعة المقدّسة عن الاضمحلال.

و يؤيّد ما ذكرنا، ما ورد من الأخبار كثيرا فى تفسير هذه الآية المباركة على الطريق الّذى ذكرناه.[1]

فالاجتهاد حينئذ يكون واجبا كفائيا لذلك المهمّ الشرعى الدّينى الاسلامى.

الاجتهاد واجب تخييرى:

ثمّ انّ الاجتهاد واجب تخييرى، و عند هذا المنظر يكون هو، عديل اخويه من التّقليد و الاحتياط.

و قد قسّموا الواجب التّخييرى فى صناعة علم اصول الفقه الى تخيير عقلىّ و تخيير شرعىّ. و يقصدون من التّخيير العقلى، هو التّخيير بين افراد طبيعة واحدة واجبة، كتخيير المكلّف بين افراد صلاة واجبة، باتيانها من حيث الافراد و المكان و الزمان.

و يقصدون بالتّخيير الشرعى، ما اذا لم يكن بين عدلى التّخيير جامع حقيقى، و يكون الواجب كلّ واحد من الأمرين، لكنّه بحيث لو أتى باحدهما، فقد عمل بالواجب، و سقط الآخر عن عهدة الوجوب، كالتّخيير بين خصال الكفارة.

و نقصد بتخيير المكلّف بين الاجتهاد و التّقليد و العمل بالاحتياط، هو انّ الواجب عند العقل احد هذه الأمور الثلاثة من الاجتهاد و التّقليد و الاحتياط على سبيل منع الخلوّ فى اصطلاح المنطقيين.

فالمراد من هذا التّخيير، هو انّ العقل حاكم بانحصار طريق الاطاعة فى العمل باحد هذه الطّرق الثلاثة، لكلّ مكلّف يؤمن باللّه تعالى و برسوله، و يعلم أنّ تشريع الأحكام، من اللّه سبحانه، الزاميّة حتميّة، و يعلم انّه ليس بمهمل من جانب اللّه فى افعاله، فامتثال تلك الأحكام واجب حتمىّ عند العقل من المكلّف لتحصيل الأمن من العقاب.

[1]- وسائل الشيعة ج 27/ 141.


صفحه 33

من له قوّة الاستنباط

وجوب الاجتهاد لمن له قوّة الاستنباط:

و الكلام هنا فيمن له قوّة الاستنباط فعلا، و لم يتصدّ للاجتهاد بالفعل، فهل يجوز له التّقليد عن الغير، او يتعيّن عليه تحصيل الاجتهاد؟

و الموضوع لعدم جواز الرجوع الى الغير فى التّكليف، و عدم جواز تقليده عن الغير، هو وجود قوّة الاستنباط للاحكام من الأدلّة، و امكانه، و لو لم يستنبط شيئا منها بالفعل. فلو فرض حصولها لشخص من الممارسة فى مقدّمات الاجتهاد، من غير الرجوع الى مسئلة واحدة فى الفقه، لا يجوز له الرجوع الى غيره فى الفتوى مع جودة قوّة الاستنباط له فعلا، و امكانه له، من غير فرق بين من له قوّة مطلقة، او فى بعض ابواب الفقه، او فى بعض الأحكام.

لأنّ الدّليل على جواز رجوع الجاهل الى العالم، هو بناء العقلاء، و لا دليل لفظىّ هنا يتمسّك باطلاقه، و لم يثبت بناء العقلاء فى مثله من الرجوع الى غيره، فانّ من له قوّة الاستنباط و تتهيّأ له اسبابه، و يحتمل ان يكون الغير مخطئا فى اجتهاده، مع انّ له امكان طريق فعليّة الى احراز تكليفه بحسب وجود ملكة يقتدر بها استنباط الحكم، فلا يكون هذا الشخص معذورا عند العقلاء فى رجوعه الى غيره.


صفحه 34

مقتضى العلم الاجمالى:

و مقتضى العلم الاجمالى، تنجّز الأحكام الواقعية على من له ملكة الاستنباط و الاجتهاد، فلا بد عليه من خروجه عن عهدة التكليف المنجّزة فى حقّه، و تحصيل المؤمن من العقاب، و لا يدرى انّ فتوى الغير فى حقّه مع احتمال الخطاء فى نظره، و انّ العمل على طبق فتوى الغير مؤمن من العقاب، ام لا؟

لانا نحتمل ان يجب عليه العمل على فتوى نفسه و اجتهاده، و مع الشكّ فى حجيّة نظر الغير فى حقّه، يرجع الى اصالة عدم الحجيّة كما هو الواضح.

الفاقد للملكة فى الاستنباط:

و هذا بخلاف الفاقد للملكة اصلا لعدم احتمال وجوب الاجتهاد فى حقّه و أنّ الاجتهاد واجب كفائىّ، و ليس بواجب عينىّ عليه، فلا يجب عليه نفسه تحصيل الاجتهاد و الاستنباط فى الحكم، فيجوز له الرّجوع الى غيره.

و بالجملة: ان موضوع بناء العقلاء ظاهرا، هو الجاهل الّذى لا يتمكّن من تحصيل الطريق فعلا الى الواقع، لا مثل هذا الشّخص الّذى تكون له طريق الى الواقع بحسب وجود الملكة العلميّة عنده، و لم يكن الفاصل بينه و بين العلم الواقع، الّا النّظر و الرجوع الى الدّلائل الموجودة المصرّحة فى الكتب المدوّنة لذلك، فيجب عليه عقلا، الاجتهاد و بذل الوسع لتحصيل الأحكام الشرعيّة بحسب نظره.

الاجتهاد واجب عقلىّ:

و ان شئت قلت، انّ الاجتهاد بالنّظر الى اعمال نفس المجتهد واجب عقلىّ، و الأمر به ارشادى لا محالة.

فاذا فرغنا انّ المكلّف يتمكّن بحسب وجود ملكة الاستنباط فيه من تحصيل الحكم الشّرعى على طبق نظره و اجتهاده، فيجب عليه الاستنباط فلا يجوز له الرجوع الى‌


صفحه 35

غيره. نعم من لم يكن له قوّة الاستنباط فعلا، و الحال انّ تحصيل الاجتهاد واجب كفائىّ، و انّه يتمكّن من التّقليد فقط، او العمل بالاحتياط، فهو قد تخيّر بين الأمور الثلاثة.

و من لم يتمكّن من ذلك، كما اذا فرضنا عدم وجود مجتهد حىّ يجوز تقليده، و لم يجز تقليد الميّت ابتداء، و كان العمل بالاحتياط ايضا مخلّا للنظام، او المكلّف لم يعلم كيفيّة العمل بالاحتياط، او لم يمكن الاحتياط له فى مثل دوران الأمر بين المحذورين، تعيّن فى هذه الصورة، وجوب الاجتهاد على مثله.

و امّا اذا لم يتمكّن من ذلك لعدم اهليّته، فلا سبيل له الى تحصيل الوظيفة و امتثالها، الّا بالتّقليد عن المجتهد الميّت ضرورة، فيجوز له التّقليد عن المجتهد الميّت الّا علم على تشخيصه، لعدم جواز إهمال الأحكام و ترك التصدّى لها.

و الضّرورة تقدر بقدرها.

القول بالجواز عند البعض:

و قد نسب جواز ذلك الى علماء الأخباريّين، و وافقهم من الأصوليين، المحقّق القمّى فى كتاب جامع الشتات فى موردين.[1]

و ذهبت العامّة الى جوازه مطلقا، كما هو المعروف منهم.

و امّا المشهور بين اصحابنا الإماميّة، عدم الجواز مطلقا ابتداء، لأنّ تقليد الميّت ابتداء، غير مشروع عندهم.

الى غير ذلك من الكلام فى المقام، و التّحقيق فى ذلك يأتى فى محلّه فى باب التّقليد.

[1]- جامع الشتات للميرزا القمى ج 1/ 27- ج 2/ 42