السيرة المتشرّعة و جواز التّقليد
و ممّا احتجّوا لجواز التّقليد شرعا، وجود سيرة المتشرّعة عند الإمامية.
كلام الشّيخ الطّوسى فى السيرة المتشرّعة:
قال الشّيخ ابو جعفر الطّوسى(قدّس سرّه):
انّى وجدت عامّة الطائفة من عهد امير المؤمنين(ع)الى زماننا هذا، يرجعون الى علمائها، و يستفتون منهم فى الأحكام و العبادات، و يفتيهم العلماء فيها، و يسوّغون لهم العمل بما يفتون به[1].
و ما ذكره(قدّه)حقّ لا ريب فيه.
و هل هذه السيرة، الّا انّها سيرتهم فى الشريعة، و انّهم متشرّعون، فتكون دليلا شرعيّا آخر على جواز التّقليد.
و يمكن القول بانّ هذه سيرتهم من حيث انّهم عقلاء و انّ هذه السيرة سيرة عقلائيّة، و قد مرّت الإشارة اليها فيما سبق.
[1]- ما قاله الشّيخ الطّوسى فى كتابه (العدّة) فى هذا الباب.
جواز التّقليد فى نفسه
و لا ريب فى وجوب التّقليد فى الجملة فى الأحكام الشرعيّة على العامىّ، على اىّ تقدير كان. فهل يكون وجوبه مقدّميا، او وجوبا نفسيّا، او وجوبا طريقيّا، او شرطا شرعيّا، نظير الوضوء للصّلاة.
كلام الشّيخ الأنصارى فى انّه واجب مقدّمى:
و المنسوب الى الشّيخ الأعظم الأنصارى(قدّه):
هو القول الأوّل، اى كان وجوبه مقدّميا، حيث انّه مقدّمة للأمثال الظّاهرى للأحكام الواقعيّة، و لا ينوط الواقع به ان كان حصوله بالاحتياط ممكنا، فيكون مقدّمة للامتثال فقط بحيث يسقط التكليف، لا من حيث انّه يحصل الواقع. و يؤيّد هذا الوجه، ما هو المعروف من بطلان عمل تارك طريقى الاجتهاد و التّقليد، بعد كون التّقليد هو العمل، لعدم حصول الامتثال ما لم يكن العمل مستندا الى رأى المجتهد العالم بالحكم.
بيان الإشكال فى نظر الشّيخ:
و لكن يرد عليه ان العمل صحيح من المكلّف و لو لم يكن مستندا الى الفتوى اذا طابق الواقع. او رأى من يجب عليه تقليده فى الواقع، اذا جاء له قصده القربة.
مثل ما اتى به رجاء للوصول الى الواقع.
فى بيان انّه واجب نفسى:
و اختار بعض أنّه وجوب نفسىّ و وجه كون التّقليد واجبا نفسيّا. فهو أنّ التّقليد بعد كونه هو العمل على ما بيّناه، فهو مثل الصّلاة و الصّوم. فيكون ملاكه هو ملاك نفس العمل. لأنّ الإمارات على الطريقيّة لا تكون الّا لحفظ الواقع. و هو تارة يحفظ بالعلم الوجدانىّ به و العمل على طبقه. و تارة يحفظ بالإمارة، و التّقليد يكون لحفظ الواقع فهو امارة عليه و على هذا، يكون وجوب التّقليد، معناه هو وجوب الصّلاة، و وجوب الركوع، و وجوب السّجود، و الصّلاة، وجوبها نفسىّ بعنوان، انّ الصّلاة واجبة بعنوان خاصّ و هو الصّلاتية. فكما انّ وجوب الصّلاة نفسىّ فكذلك وجوب التّقليد نفسىّ من باب المقدّمة.
الإيراد على هذا الكلام:
و لكن يرد عليه، انّ وجوب تصديق العادل و كذا وجوب التّقليد، يكونان لمصلحة الطريقيّة الى الواقع، فانّ اصاب، فهو و الّا فهو معذور فقط.
و يشترط فى الوجوب النفسى، كون المصلحة و الملاك لحفظ الواقع، لكن المصلحة فى إتيان الصّلاة تكون لذاتها محضا، و مصلحة تصديق العادل و كذا مصلحة التّقليد تكون لحفظ الواقع و الطريق اليه.
و من هنا يظهر انّ الوجوب فى التّقليد ليس نفسيّا و لا مقدّميا، بل وجوبه طريق الى الواقع لحفظ مصلحة الواقع و اتيانه.
الجواب عن الإيراد:
و امّا الوجوب الشّرطى الشرعى فى التّقليد، مثل وجوب الوضوء بالنّسبة الى الصّلاة فلم يثبت به دليل.
و الحاصل أنّ المختار فى وجوب التّقليد فى نفسه، وجوب طريقى الى الواقع
كالأمارة. نعم الفرق بين الفتوى و الإمارة مثل الخبر، هو انّ الامارة تكون طريقا للواقع بنفسه، و لكن الفتوى تكون طريقا الى الطريق، و هو رأى المجتهد، فإنّ رأيه حجّة شرعا، و الفتوى طريق لتحصيل رأيه و نظره فى الحكم الشرعى.
فوجوب التّقليد ارشاد الى الواقع و مقدّمة له فلا مصلحة فى نفسه الّا الوصول الى مصلحة نفس الواقع المرشد اليه. فيكون التّقليد فى الأعمال الشرعيّة. مختلفا مع الأعمال اعتبارا، و متّحدا معها خارجا.
استناد العامىّ عمله الى فتوى المفتى:
فهل يجب على العامىّ فى اعماله و افعاله الشرعيّة، الاستناد الى فتوى مجتهده و من يرجع اليه فى تقليده زائدا على العمل، ام لا؟
و الصّحيح هو انّ ما اتى به من العمل الشرعى مطابقا للواقع حسب ما أفتى به مجتهده، و قد تمشى منه قصد القربة، فقد تم عمله، و لا يلزم فى صحّة العبادة اكثر من هذين الأمرين، مطابقة العمل للواقع حسب تكليفه، و وجود قصد القربة معه.
هذا فيما اذا كان عمله مطابقا للواقع.
و امّا اذا كان عمله مخالفا للواقع حالكونه مطابقا لفتوى مجتهد، فاللازم حينئذ وجود العلم بالحجّة فى عمله، و هى فتوى مجتهده كى يكون العامى مأمونا من العقاب فى ما أتى به من العمل المخالف للواقع.
ففى هذه الصورة يكفى نفس المطابقة بين العمل و فتوى المجتهد و العامى يعلم فتواه، و قد تمّ الوظيفة من جانب العامى من حيث المعذورية فى فعله، و انّ فعله ليس مخالفا للواقع.
فلا يحتاج فى فعل العامىّ زائدا من العمل و الاستناد الى فتوى المجتهد، بل يكون التّقليد نفس العمل على ما بينّاه فى محلّه. نعم اعتبار العلم بالفتوى واجب، لاشتراط حجيّة الحجّة بالوصول، فما لم تصل الحجّة، فلا حجيّة له.
التّقليد و من له قوّة الاستنباط
امّا حكم التّقليد فيمن له قوّة الاستنباط، فيجب عليه الاستنباط فيما هو المبتلى من الأحكام، او يجوز له التّقليد، ففيه خلاف ظاهر.
و قد تقدّم البحث فى باب الاجتهاد، و لنا فى هذا المقام تفريع و تذييل لازم، و هو.
انّ المشهور عند الأصحاب، هو الوجوب و عدم جواز التّقليد. و قد خالف فى ذلك، السيّد فى المناهل على ما نسب اليه، لعدم فعليّة الحكم عليه قبل تحقّق الاستنباط منه.
و لكن الصحيح هو قول المشهور كما مرّت الإشارة منّا فيما سبق فى بحث الاجتهاد.
فإنّ مقتضى دليل التّقليد هو انّ الجاهل و من ليس له حجّة و لم يتمكّن اليها، ان يرجع الى العالم و من عنده الحجّة. و امّا من له قدرة الاستنباط فهو لا يكون جاهلا، بل له القوّة لتحصيل الحجّة اذا رجع اليه فى تحصيلها.
و ليس المراد من الجاهل هو الجهل بالفعل كذلك، حتّى يقال انّه يصدق عليه انّه جاهل فيلزم و يجوز له الرجوع الى العالم، لأنّ العقل بعد تحيّره فى الحكم، يحكم بالرّجوع الى الغير فى تحصيل العلم به. و من له القدرة و القوّة فى الاستنباط و تحصيل الواقع، لا يكون متحيّرا فى جهله.
و هكذا الكلام فى الأدلّة اللّفظية للتقليد، فان من يكون متفقها فى الدّين و يكون من اهل الذّكر، لا يكون مشمولا لدليل الرّجوع الى الفقيه و اهل الذّكر.
لأنّ هذا الدليل الشرعى يكون لمن لا يعلم و لا يتّفقه بل يكون عاميّا محضا. لا لمن
يكون هو فقيها و عالما بالنسبة، بمعنى انّه متمكّن لتحصيل الحكم و الحجّة اذا تفحّص فى طريقه. فيجب عليه الاستنباط فى تحصيل الحكم و الوظيفة، لانّه ممّن له القوّة و القدرة فى استنباط الحكم فيما هو المبتلى به من الأحكام.
مجرى التّقليد هو الأحكام العملية
و اعلم أنّ التّقليد مورده، هو الأحكام الفرعية العمليّة، كالصّلاة و الصوم و نحوهما، فيجرى التّقليد فيها، على من هو فى هذا المقام، دون الاجتهاد و الاحتياط.
و امّا التّقليد فى اصول الدين. فقد اشتهر بين الأصحاب، انّ التّقليد لا يجرى فيه، فيجب على كلّ مسلم الاجتهاد فيها بحسب علمه و اطّلاعه.
و المراد باصول الدين، هو ما كان المطلوب فيهما نفس المعرفة و الاعتقاد، كالإيمان بالمبدإ و المعاد و بالرسالة و الإمامة، ممّا يبحث عنه فى علم الكلام.
و معنى الاجتهاد فيه، هو الاعتقاد به من دليل عقلىّ او نقلى.
فيجب على كلّ مسلم مكلّف، تحصيل هذا الاعتقاد جازما اجتهادا، حسب اطّلاعه من المراتب العلمية.
و قد يدّعى عليه الإجماع.
و من كان يطلب مزيد الاطّلاع فى هذا البحث فليرجع الى الكتب المفصّلة المستقلّة فى علم الكلام.
لا تقليد فى الضروريات:
فاذا حصل للمكلّف العلم بالواقع، امّا لكونه من الضروريّات، او لكونه من اليقينيّات، فلا مجال للحكم بالتعبّد فيها بالامارة، سواء فى ذلك فتوى المجتهد، او غيرها من
الأمارات، و ذلك لاختصاص الحجيّة بمن جهل بالواقع فلا معنى للتعبّد فيما اذا علم به، فلا مجال للتقليد فيه بل لا معنى للاجتهاد عليه.
و أمّا اذا لم يحصل له العلم بالواقع فيلزم عليه تحصيل المؤمن من العقاب، فاذا لم يتمكّن من الاجتهاد فيه فيجب عليه التّقليد، و العمل بالاحتياط مشكل جدّا كما هو الغالب.