بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 285

التّقليد و من له قوّة الاستنباط

امّا حكم التّقليد فيمن له قوّة الاستنباط، فيجب عليه الاستنباط فيما هو المبتلى من الأحكام، او يجوز له التّقليد، ففيه خلاف ظاهر.

و قد تقدّم البحث فى باب الاجتهاد، و لنا فى هذا المقام تفريع و تذييل لازم، و هو.

انّ المشهور عند الأصحاب، هو الوجوب و عدم جواز التّقليد. و قد خالف فى ذلك، السيّد فى المناهل على ما نسب اليه، لعدم فعليّة الحكم عليه قبل تحقّق الاستنباط منه.

و لكن الصحيح هو قول المشهور كما مرّت الإشارة منّا فيما سبق فى بحث الاجتهاد.

فإنّ مقتضى دليل التّقليد هو انّ الجاهل و من ليس له حجّة و لم يتمكّن اليها، ان يرجع الى العالم و من عنده الحجّة. و امّا من له قدرة الاستنباط فهو لا يكون جاهلا، بل له القوّة لتحصيل الحجّة اذا رجع اليه فى تحصيلها.

و ليس المراد من الجاهل هو الجهل بالفعل كذلك، حتّى يقال انّه يصدق عليه انّه جاهل فيلزم و يجوز له الرجوع الى العالم، لأنّ العقل بعد تحيّره فى الحكم، يحكم بالرّجوع الى الغير فى تحصيل العلم به. و من له القدرة و القوّة فى الاستنباط و تحصيل الواقع، لا يكون متحيّرا فى جهله.

و هكذا الكلام فى الأدلّة اللّفظية للتقليد، فان من يكون متفقها فى الدّين و يكون من اهل الذّكر، لا يكون مشمولا لدليل الرّجوع الى الفقيه و اهل الذّكر.

لأنّ هذا الدليل الشرعى يكون لمن لا يعلم و لا يتّفقه بل يكون عاميّا محضا. لا لمن‌


صفحه 286

يكون هو فقيها و عالما بالنسبة، بمعنى انّه متمكّن لتحصيل الحكم و الحجّة اذا تفحّص فى طريقه. فيجب عليه الاستنباط فى تحصيل الحكم و الوظيفة، لانّه ممّن له القوّة و القدرة فى استنباط الحكم فيما هو المبتلى به من الأحكام.


صفحه 287

مجرى التّقليد هو الأحكام العملية

و اعلم أنّ التّقليد مورده، هو الأحكام الفرعية العمليّة، كالصّلاة و الصوم و نحوهما، فيجرى التّقليد فيها، على من هو فى هذا المقام، دون الاجتهاد و الاحتياط.

و امّا التّقليد فى اصول الدين. فقد اشتهر بين الأصحاب، انّ التّقليد لا يجرى فيه، فيجب على كلّ مسلم الاجتهاد فيها بحسب علمه و اطّلاعه.

و المراد باصول الدين، هو ما كان المطلوب فيهما نفس المعرفة و الاعتقاد، كالإيمان بالمبدإ و المعاد و بالرسالة و الإمامة، ممّا يبحث عنه فى علم الكلام.

و معنى الاجتهاد فيه، هو الاعتقاد به من دليل عقلىّ او نقلى.

فيجب على كلّ مسلم مكلّف، تحصيل هذا الاعتقاد جازما اجتهادا، حسب اطّلاعه من المراتب العلمية.

و قد يدّعى عليه الإجماع.

و من كان يطلب مزيد الاطّلاع فى هذا البحث فليرجع الى الكتب المفصّلة المستقلّة فى علم الكلام.

لا تقليد فى الضروريات:

فاذا حصل للمكلّف العلم بالواقع، امّا لكونه من الضروريّات، او لكونه من اليقينيّات، فلا مجال للحكم بالتعبّد فيها بالامارة، سواء فى ذلك فتوى المجتهد، او غيرها من‌


صفحه 288

الأمارات، و ذلك لاختصاص الحجيّة بمن جهل بالواقع فلا معنى للتعبّد فيما اذا علم به، فلا مجال للتقليد فيه بل لا معنى للاجتهاد عليه.

و أمّا اذا لم يحصل له العلم بالواقع فيلزم عليه تحصيل المؤمن من العقاب، فاذا لم يتمكّن من الاجتهاد فيه فيجب عليه التّقليد، و العمل بالاحتياط مشكل جدّا كما هو الغالب.


صفحه 289

وجوب التّقليد من المجتهد الأعلم‌

معنى المجتهد الأعلم:

الأعلم هو من يكون أعرف بالقواعد الممهّدة و المدارك العلميّة الشرعيّة للعلم بالفروع الفقهيّة، و اكثر اطّلاعا فى المسائل الشرعيّة، و فى الأخبار الواردة فى الأحكام، و اجود فهما من الأدلّة فى مواردها.

وجود اوصاف الاجتهاد فى الأعلم:

و الاجتهاد ليس الّا التخصّص فى تشخيص الوظيفة الفعليّة الدينيّة فى كلّ مسئلة من المسائل، و الأعلم هو من كان له هذا التخصّص، و صار واجدا للملكة العظيمة للاستنباط الحكم الشرعى، و اهلا له فى تحصيل العلم بالوظيفة الدينيّة على نحو الاكمل.

المرجع فى تعيين الأعلم:

و المرجع فى تعيين من هو اعلم من غيره فى هذا العلمى الدينى، هو اهل الخبرة و الاطّلاع فى هذا الفنّ العظيم.

وجوب تقليد الأعلم:

و البحث هنا عن وجوب تقليد الأعلم، انّما يكون من العلم بالأعلميّة بالنّسبة الى مجتهد و اختلاف فتواه مع فتوى مجتهد غيره.


صفحه 290

و المتعيّن هو وجوب تقليد الاعلم.

و هذا القول هو المشهور بين الأصحاب بل انّه المجمع عليه، و عليه قدماء الأصحاب.

و عن بعض متأخّر المتأخّرين‌[1]، جواز تقليد المفضول ايضا، و هو انّه هل يجوز للعامىّ فى صورة التمكّن من الرجوع الى الأعلم، الرجوع الى المفضول مع اختلاف النظر و الفتوى بينهما.

كلمات القوم فى تقليد الأعلم:

و اختلف القوم فى ذلك قديما و حديثا.

قال السيّد المرتضى(قدّه)فى كتابه (الذريعة):

ان كان بعضهم عنده اعلم من بعض او اورع، او ادين، فقد اختلفوا. فمنهم من جعله مخيّرا، و منهم من اوجب عليه ان يستفتى المقدّم فى العلم و الدّين، و هو اولى، لأنّ الثّقة منها اقرب و اوكد، و الاصول بذلك كلّها شاهدة، انتهى.

و الظّاهر من كلامه، هو وجوب الرجوع الى الأعلم لانّه الاولى، و الاصول كلّها شاهدة بذلك.

و عن المحقّق الثانى(قدّه): دعوى الإجماع عليه على ما حكى عنه.

لكن قد نسب الى جمع ممّن تأخّر عن الشّهيد الثانى، عدم الوجوب، و جواز الرجوع الى غير الاعلم. و قد مال اليه صاحب الفصول.

نظر علماء اهل السنّة فى تقليد الأعلم:

و عن بعض علماء اهل السنّة ايضا كذلك.

و عن الآمدى و هو من كبار علماء اهل السنّة فى كتاب (الأحكام)، قال: اذا حدثت‌

[1]- هو صاحب الفصول فى كلماته.


صفحه 291

للعامىّ حادثة و اراد الاستفتاء عن حكمها، فان كان فى البلد مفت واحد وجب الرجوع اليه و الأخذ بقوله.

و ان تعدّد المفتون، فمن الأصوليّين، من ذهب الى انّه يجب عليه البحث عن اعيان المفتين، و اتّباع الأورع، و الأعلم و الأدين.

و منهم من ذهب الى انّه مخيّر بينهم، يأخذ برأى من شاء منهم، سواء تساووا، ام تفاضلوا، و هو المختار، انتهى كلامه.

المسألة كانت اختلافية:

فالمسألة كانت اختلافية منذ العصور المتقدّمة، و إدّعاء الإجماع فى غير محلّه، فلا يفيد.

و قد مرّ عليك كلام السيد فى الذريعة، حيث كان صريحا بوجود الخلاف فى المسألة.

و مع ذلك فقد ادّى الشهرة بالرجوع الى الأعلم من القدماء، بل و عن بعض الاكابر من المعاصرين من كونه من المسلّمات عند الشيعة[1].

تحقيقنا فى المقام فى مرحلتين:

و كيف كان فلا بدّ لنا البحث فى مرحلتين.

[المرحلة الاولى فى‌] تأسيس الأصل و دليل الاجتهادى:

المرحلة الاولى فى تأسيس الأصل فيما يستقلّ به العقل فى نفسه من حيث الفطرة البشرية، فى الرجوع الى الأعلم و المتخصّص العليم فى مهمّات العيشة الاجتماعيّة و الدينيّة القويمة.

[1]- و هو السيد الحكيم(قدّه)فى كتابه (المتمسك).


صفحه 292

المرحلة الثانية: فى ما يقتضى الدليل الاجتهادي فى المسألة.

فنقول:

تأسيس الأصل العقلى فى وجوب التّقليد عن الأعلم:

امّا المرحلة الأولى فى حكم العقل فى المسألة هو تأسيس الأصل فى المقام.

و يكون هذا البحث فى المقامين:

المقام الأوّل حكم العقل بالنسبة الى العامىّ الّذى ليس له دليل الّا الفطرة الأوّليّة البشريّة البسيطة.

و المقام الثانى، فى حكم العقل بالنسبة الى المجتهد الّذى يريد استنباط هذا الحكم من الدّليل.

حكم العقل بالنّسبة الى المقلّد:

المقام الأوّل، و هو حكم العقل فى الرجوع الى الأعلم، لانّ العامىّ المقلّد اذا رجع الى فطرته الأصيلة، يرى بالفطرة، انّ الأمر يدور بين التعيين و التّخيير. بمعنى انّ العمل بفتوى الأعلم يكون هو الواقع له انّ اصاب، و عذرا عنده ان أخطاء قطعا.

و امّا اذا عمل بفتوى المفضول، فلا يكون كذلك قطعا، للشكّ فى حجيّة فتواه له.

و ان كان احتمال التّخيير عنده موجودا ايضا، و لكن هذا الاحتمال لا يفيد، لانّ المريض يرجع الى الطبيب الّذى فيه اجتماع جميع الصّفات الّتى لها دخل فى العلاج و منها الخبروية التامّة، و هكذا غيره من اصناف الخبراء.

فيكون المجتهد المفتى فى الأحكام فى نظر العامى كذلك، لانّه يلتزم عقلا بالرجوع الى الخبرة الأعلم الدينى فى الأحكام الشرعيّة، لفراغ ذمّته من التكليف.

دوران الأمر بين التّعيين و التمييز:

و ببيان آخر، انّ العامى يستقلّ عقلا بلزوم الرجوع الى المجتهد الأعلم، عند العلم‌