بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 290

و المتعيّن هو وجوب تقليد الاعلم.

و هذا القول هو المشهور بين الأصحاب بل انّه المجمع عليه، و عليه قدماء الأصحاب.

و عن بعض متأخّر المتأخّرين‌[1]، جواز تقليد المفضول ايضا، و هو انّه هل يجوز للعامىّ فى صورة التمكّن من الرجوع الى الأعلم، الرجوع الى المفضول مع اختلاف النظر و الفتوى بينهما.

كلمات القوم فى تقليد الأعلم:

و اختلف القوم فى ذلك قديما و حديثا.

قال السيّد المرتضى(قدّه)فى كتابه (الذريعة):

ان كان بعضهم عنده اعلم من بعض او اورع، او ادين، فقد اختلفوا. فمنهم من جعله مخيّرا، و منهم من اوجب عليه ان يستفتى المقدّم فى العلم و الدّين، و هو اولى، لأنّ الثّقة منها اقرب و اوكد، و الاصول بذلك كلّها شاهدة، انتهى.

و الظّاهر من كلامه، هو وجوب الرجوع الى الأعلم لانّه الاولى، و الاصول كلّها شاهدة بذلك.

و عن المحقّق الثانى(قدّه): دعوى الإجماع عليه على ما حكى عنه.

لكن قد نسب الى جمع ممّن تأخّر عن الشّهيد الثانى، عدم الوجوب، و جواز الرجوع الى غير الاعلم. و قد مال اليه صاحب الفصول.

نظر علماء اهل السنّة فى تقليد الأعلم:

و عن بعض علماء اهل السنّة ايضا كذلك.

و عن الآمدى و هو من كبار علماء اهل السنّة فى كتاب (الأحكام)، قال: اذا حدثت‌

[1]- هو صاحب الفصول فى كلماته.


صفحه 291

للعامىّ حادثة و اراد الاستفتاء عن حكمها، فان كان فى البلد مفت واحد وجب الرجوع اليه و الأخذ بقوله.

و ان تعدّد المفتون، فمن الأصوليّين، من ذهب الى انّه يجب عليه البحث عن اعيان المفتين، و اتّباع الأورع، و الأعلم و الأدين.

و منهم من ذهب الى انّه مخيّر بينهم، يأخذ برأى من شاء منهم، سواء تساووا، ام تفاضلوا، و هو المختار، انتهى كلامه.

المسألة كانت اختلافية:

فالمسألة كانت اختلافية منذ العصور المتقدّمة، و إدّعاء الإجماع فى غير محلّه، فلا يفيد.

و قد مرّ عليك كلام السيد فى الذريعة، حيث كان صريحا بوجود الخلاف فى المسألة.

و مع ذلك فقد ادّى الشهرة بالرجوع الى الأعلم من القدماء، بل و عن بعض الاكابر من المعاصرين من كونه من المسلّمات عند الشيعة[1].

تحقيقنا فى المقام فى مرحلتين:

و كيف كان فلا بدّ لنا البحث فى مرحلتين.

[المرحلة الاولى فى‌] تأسيس الأصل و دليل الاجتهادى:

المرحلة الاولى فى تأسيس الأصل فيما يستقلّ به العقل فى نفسه من حيث الفطرة البشرية، فى الرجوع الى الأعلم و المتخصّص العليم فى مهمّات العيشة الاجتماعيّة و الدينيّة القويمة.

[1]- و هو السيد الحكيم(قدّه)فى كتابه (المتمسك).


صفحه 292

المرحلة الثانية: فى ما يقتضى الدليل الاجتهادي فى المسألة.

فنقول:

تأسيس الأصل العقلى فى وجوب التّقليد عن الأعلم:

امّا المرحلة الأولى فى حكم العقل فى المسألة هو تأسيس الأصل فى المقام.

و يكون هذا البحث فى المقامين:

المقام الأوّل حكم العقل بالنسبة الى العامىّ الّذى ليس له دليل الّا الفطرة الأوّليّة البشريّة البسيطة.

و المقام الثانى، فى حكم العقل بالنسبة الى المجتهد الّذى يريد استنباط هذا الحكم من الدّليل.

حكم العقل بالنّسبة الى المقلّد:

المقام الأوّل، و هو حكم العقل فى الرجوع الى الأعلم، لانّ العامىّ المقلّد اذا رجع الى فطرته الأصيلة، يرى بالفطرة، انّ الأمر يدور بين التعيين و التّخيير. بمعنى انّ العمل بفتوى الأعلم يكون هو الواقع له انّ اصاب، و عذرا عنده ان أخطاء قطعا.

و امّا اذا عمل بفتوى المفضول، فلا يكون كذلك قطعا، للشكّ فى حجيّة فتواه له.

و ان كان احتمال التّخيير عنده موجودا ايضا، و لكن هذا الاحتمال لا يفيد، لانّ المريض يرجع الى الطبيب الّذى فيه اجتماع جميع الصّفات الّتى لها دخل فى العلاج و منها الخبروية التامّة، و هكذا غيره من اصناف الخبراء.

فيكون المجتهد المفتى فى الأحكام فى نظر العامى كذلك، لانّه يلتزم عقلا بالرجوع الى الخبرة الأعلم الدينى فى الأحكام الشرعيّة، لفراغ ذمّته من التكليف.

دوران الأمر بين التّعيين و التمييز:

و ببيان آخر، انّ العامى يستقلّ عقلا بلزوم الرجوع الى المجتهد الأعلم، عند العلم‌


صفحه 293

بالمخالفة بينه و بين المفضول فى الفتوى.

و ذلك لدوران الأمر بين ان تكون فتوى كلّ منهما حجّة تخييريّة له، و بين ان تكون فتوى الأعلم حجّة تعيّنية له للعلم بجواز تقليد الأعلم و حجيّة قوله على كلا التقديرين. و الخروج عن عهدة التكليف، امّا واقعا إن اصاب و امّا عذرا ان اخطأ.

لزوم الخروج عن عهدة التكليف:

لانّ فتوى الأعلم امّا فى عرض فتوى غيره فالمكلّف حينئذ يتخيّر فى الرجوع بايّها شاء و امّا انّها متقدّمة على غيرها لفرض التعيين.

و حيث انّ فتوى الأعلم متيقّنة الحجيّة لانّها فرض على كل حال تعيينا او تخييرا، و فتوى غيره مشكوك الحجيّة و الاعتبار.

فيستقلّ العقل بوجوب تقليد الأعلم لانّه القدر المتيقّن للحجيّة و المعذوريّة. و جواز الرجوع الى غير الأعلم للشكّ فى حجيّته و اعتباره، و هو يساوق عدم الحجيّة.

فانّ غير ما علم حجيّته يقارن دائما باحتمال العقاب، و العقل يستقلّ بلزوم الخروج منه و دفع الضرر المحتمل، و حينئذ فالنتيجة وجوب تقليد الأعلم حسبما يدركه عقل العامى بالفطرة و قد اسلفنا الكلام فى انّ مسئلة جواز التّقليد ليست تقليديّة بل يستقلّ به الفطرة بحكم العقل و الشرع.

تقليد الأعلم مقطوع الحجيّة:

فما يحتمل كونه معيّنا يكون مقطوع الحجيّة، و ما هو محتمل كونه تخييرا يكون مشكوك الحجيّة و العقل حاكم بوجوب التّعيين و الأعلم.

و مشكوك الحجيّة ليس بحجة اصلا، لأنّ الحجيّة من العناوين التى يكون ثبوتها تابعا لإثباتها.

و ان شئت قلت وجودها الواقعى تابع لوجودها العلمى، فما لم تكن حجيّته معلومة لا يجوز الاحتجاج به، فالشكّ فى حجيّة امارة يلازم الحكم بعدم حجيّتها.


صفحه 294

لأنّ صحّة الاحتجاج بالحجيّة ليست من لوازم ذات الحجّة، بل هى من لوازم الحجّة المعلومة فانّها هى الحجّة الواقعيّة، دون غيرها.

و بعد ما ثبت انّ المراد من الحجّة التّخييرية، هو اشتراط حجيّة كلّ واحد من الامارتين بالأخذ بها، فالشكّ فى حجيّة فتوى المفضول يوجب حدوث الشكّ فى اصل حجيّة التّخييرية، بخلاف العكس، اذ لو اخذ بفتوى الأعلم يقطع بحجيّتها لكونها حجّة على كلا التقديرين و على كلّ حال.

حجيّة قول الأعلم على كلا التقديرين:

و نتيجة الكلام يكون فتوى الأعلم حجّة سواء كانت حجيّتها مستقلّة فعلا، او كانت حجيّتها فى عدل قول المفضول فى الحجيّة التّخييرية، فيكون فتوى الأعلم حجّة متعيّنا و متيقّنا، فى صورة الاختلاف فى الفتوى بينها. هذا تمام الكلام فى تقريب الاستدلال فى تأسيس الحكم العقلى فى وجوب تقليد الأعلم و تعيينه فى المقام.

كليّة هذا الحكم ممنوع:

لكن لا يخفى عليك أنّ كليّة هذا الحكم العقلى، بمعنى سقوط فتوى المفضول عن الحجيّة فى جميع صور الاختلاف مع فتوى الأعلم، ممنوع.

لأنّ العقل لا يحكم بوجوب الأخذ برأى الافضل عند مخالفته مع المفضول، للاحتياط، و لا يحكم بعدم جواز الأخذ برأى المفضول اذا كان رأيه موافقا للاحتياط.

بيان موارد حجيّة قول المفضول:

كما انّ العقل لا يحكم برأى الأعلم قطعا عند تطابق رأى المفضول مع رأى من هو افضل من هذا المجتهد الأعلم المعاصر، من الفقهاء الماضين فى العصور السابقة.

كما لا يحكم بحجيّة قول الأعلم المعاصر للمفضول، عند تطابق قول المفضول مع رأى المشهور من القدماء.


صفحه 295

و كذا لا يحكم بحجيّة قول الأعلم ايضا اذا تفرّد رأيه فى عصره بين آراء المجتهدين المعاصرين.

و اجماع المعاصرين على خلاف رأيه و موافقون مع المفضول فى الفتوى.

او كان مع رأى المفضول، قرائن فى صحّة قوله، و قول الأعلم ليس كذلك.

ففى جميع هذه الصور المتعدّدة، يصير رأى الافضل الأعلم المعاصر، مشكوك الحجيّة لا يمكن اخذه، و يخرج عن كونه مقطوعا للحجيّة عند العقل.

و حينئذ إمّا ان يحكم العقل بسقوط كلا الرأيين و يرجع الحكم الى الأصل العقلى فى المقام، او يحكم بلزوم العمل بالاحتياط، او يحكم بالتّخيير، او بترجيح قول المفضول ان كان له ترجيح فى البين، او بالّذى حصل الوثوق به.

بيان الإشكال فى انّ وجوب تقليد الأعلم مرفوع بالأصل:

ان قلت: ان وجوب تقليد الأعلم بواسطة حكم العقل فى المقام، مرقوع بالأصل، لأنّ فى التّعيين كلفة زائدة، و الأصل عدمها، فالمكلّف مخيّر فى الرجوع الى الأعلم و الى غيره، خصوصا فى صورة العسر فى الرّجوع الى الاعلم.

الجواب عن هذا الإشكال:

قلت: القول بتعيين الأعلم لا يكون من جهة انّ الأعلم له موضوعيّة فى المقام حتّى ينفى بالأصل عند العسر و الكلفة الزائدة. بل من باب ان المكلّف اشتغل ذمّته بالتكليف يقينا، و لا بدّ له من خروجه و تحصيل البراءة عن التكليف الواقعى الذى هو مكلّف بإتيانه. و امتثال التكليف هنا، لا يمكن الّا فى صورة الرجوع الى الاعلم.

لانّه ان تبع غيره لم يصب فتواه الى الواقع فيكون ذمّته مشغولة بالتكليف، و مذموما عند العقلاء، بخلاف متابعته للاعلم فانّه معذور ان لم يصب الى الواقع. فتحصّل انّ العامى دليله على اصل التّقليد و على الرجوع الى الأعلم هو الفطرة.


صفحه 296

لزوم الرجوع الى الأعلم فى جميع الأحكام:

ثمّ انّ الظاهر انّ الفطرة حاكمة بالرجوع الى الأعلم فى جميع الفروع، لا فى اصل التّقليد فقط.

هذا كلّه فى حكم الأصل العقلى للعامى.

فيجب عليه تقليد الأعلم و الرجوع اليه فى جميع الأحكام الشرعيّة بحكم العقل.

حكم العقل بالنسبة الى المفتى:

المقام الثانى، و هو حكم العقل بالنسبة الى المجتهد المفتى الّذى يريد استنباط هذا الحكم من الدليل الشرعى. فمقتضى الأصل العقلى عند المجتهد، انّه هل يمكنه حسب الأدلّة، الإفتاء بجواز الرجوع الى غير الأعلم، او ليس له سوى الحكم بوجوب تقليد الاعلم.

فنقول: انّه يختلف الحكم فى المقام حسب اختلاف المبانى فى رأى المجتهد.

حجيّة قول المجتهد من باب الطريقيّة:

فانّ رأيه امّا ان يكون طريقا محضا الى الواقع و جهة تعليليّة فقط، بمعنى كونه عذرا عند الخطاء، و هو حجة لكونه طريقا، فلا موضوعيّة له اصلا فى وجود المصلحة فى نفسه.

حجيّة قول المجتهد من باب جعل المماثل:

و امّا ان يكون رأيه حجّة من باب جعل المماثل للواقع فى ظرف المصلحة، بحيث يكون وجوده موجد المصلحة فيه و تقتضى العمل على طبقه، و لذلك يقال لا تخيير عند التعارض، و الّا فالأصل هو التساقط. كما انّ الأصل الأوّلى فى الأخبار عند التعارض هو التساقط.


صفحه 297

حجيّة قول المجتهد من باب الطريقى الجزء الموضوعى:

فان قلنا بان رأى المجتهد حجّة من باب الطريقى الجزء الموضوعى، و معناه هو ان الواقع منجّز عليه لكونه مطابقا لرأى المجتهد، بحيث انّ الطريق لا بدّ و ان يكون هذا و لا غير.

و توضيح هذا الكلام: انّه اذا اخبر مخبر فى السوق بان دهن الزيت مثلا يفيد لمن هو مبتلى بمرض الكلية، و يضرّه الدهن الحيوانى، و اخبر الطّبيب ايضا بذلك، و لكن لا من باب الاخبار فقط، بل بعنوان الدستور العلاجى للعمل على طبقه، فنرى ان رأى الطبيب يكون له موضوعيّة عند العقلاء للعمل على طبقه، و لو كان طريقا الى الواقع الكذائى. و لا يكون كذلك عندهم اخبار المخبر مع انّه طريق الى الواقع ايضا.

فاذا عرفت ذلك، فندعى مثله فى رأى المجتهد و نقول بانّ الطريق الّذى هو هكذا يكون حجّة لا غيره.

حاصل التقسيمات:

فرأى المجتهد حينئذ على ثلاثة أنحاء.

الطريقيّة المحضة، و الموضوعيّة المحضة، و الطريقى الجزء الموضوعى.

فى بيان نظريّات الثلاثة:

اذا عرفت هذه المبانى فنقول:

الطريقيّة المحضة:

فعلى مبنى الطريقيّة المحضة.

فيدور الأمر بين التّعيين و التّخيير فى المقام على التفصيل السابق، لأنّ المدار على الواقع، و الأخذ برأى الأعلم فى كونه مصابا او معذورا.

فلا اشكال فيه عند العقلاء بالنسبة الى الواقع المنجّز، بخلاف رأى المفضول.