حجيّة قول المجتهد من باب الطريقى الجزء الموضوعى:
فان قلنا بان رأى المجتهد حجّة من باب الطريقى الجزء الموضوعى، و معناه هو ان الواقع منجّز عليه لكونه مطابقا لرأى المجتهد، بحيث انّ الطريق لا بدّ و ان يكون هذا و لا غير.
و توضيح هذا الكلام: انّه اذا اخبر مخبر فى السوق بان دهن الزيت مثلا يفيد لمن هو مبتلى بمرض الكلية، و يضرّه الدهن الحيوانى، و اخبر الطّبيب ايضا بذلك، و لكن لا من باب الاخبار فقط، بل بعنوان الدستور العلاجى للعمل على طبقه، فنرى ان رأى الطبيب يكون له موضوعيّة عند العقلاء للعمل على طبقه، و لو كان طريقا الى الواقع الكذائى. و لا يكون كذلك عندهم اخبار المخبر مع انّه طريق الى الواقع ايضا.
فاذا عرفت ذلك، فندعى مثله فى رأى المجتهد و نقول بانّ الطريق الّذى هو هكذا يكون حجّة لا غيره.
حاصل التقسيمات:
فرأى المجتهد حينئذ على ثلاثة أنحاء.
الطريقيّة المحضة، و الموضوعيّة المحضة، و الطريقى الجزء الموضوعى.
فى بيان نظريّات الثلاثة:
اذا عرفت هذه المبانى فنقول:
الطريقيّة المحضة:
فعلى مبنى الطريقيّة المحضة.
فيدور الأمر بين التّعيين و التّخيير فى المقام على التفصيل السابق، لأنّ المدار على الواقع، و الأخذ برأى الأعلم فى كونه مصابا او معذورا.
فلا اشكال فيه عند العقلاء بالنسبة الى الواقع المنجّز، بخلاف رأى المفضول.
فالعقل حاكم بالتّعيين، و ان لم نقل فى دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير فى الفروع الفقهيّة بوجوب الأخذ بالمعيّن، لانّه كلفة زائدة و تجرى البراءة بالنسبة اليها.
لأنّ المقام من مقولة الدوران بين التّعيين و التّخيير فى مسئلة اصوليّة، و الشكّ فى الحجيّة مساوق للقطع بعدم الحجيّة، لانّ الحجّة هى الّتى يمكن ان يحتجّ بها و ما هو المشكوك لا يمكن الاحتجاج به، فلا بدّ من الأخذ بفتوى الأعلم، على مبنى الطريقيّة الى الواقع لانّ رأيه طريق اليه و حجّة.
الموضوعيّة المحضة:
و امّا على المبنى الموضوعيّة المحضة.
فحيث يكون رأى المجتهد له الملاك فى نفسه و له المصلحة، و يكون ذلك المصلحة فى رأى الأعلم و غيره.
ففى دوران الأمر بين كونه من باب التّعيين و التّخيير، او من باب المتزاحمين، او الدوران بين المحذورين فى بعض الاحيان، كما اذا كان اختلاف الفتوى من وجوب شىء و حرمته، فوجوه و اقوال فى المسألة على ما ذكره بعض الاعيان فى الحاشية على الكفاية[1].
و اختاره الشق الثانى، اى كونه من باب التزاحم لانّ المفروض على الموضوعيّة هو العلم بوجود المصلحة فى رأيهما معا، الّا انّه لا بدّ من ملاحظة ما هو الأقوى ملاكا منهما كالتزامهم، و مصلحة الأقوى هو الأهم، مع عدم لزوم الجمع بينهما اذا كانا متضادّين.
و مع عدم احتمال الأهميّة فى احدهما، فيرجع الأمر الى القول بالتّخيير بالعمل برأى من شاء منهما.
و هذا المبنى، يعنى وجود المصلحة الموضوعيّة فى رأى المجتهد، فاسد جدّا، لإن
[1]- نهاية الدراية فى الحاشية على الكفاية ص 211.
المصلحة منحصرة فى الواقع كما قلنا سابقا على المبنى الطريقيّة.
و لو فرض امكان وجود مصلحة موضوعيّة، فلا بدّ من القول بالتّخيير بين القولين، و العمل برأى احدهما ما شاء منهما، لإمكان التّضاد بين الرأيين، او لعدم امكان الجمع بينهما كما هو المعمول فى دوران الأمر بين المحذورين.
الطريقى الجزء الموضوعى:
و امّا على المبنى الطريقى الجزء الموضوعى.
فيكون هذا من باب دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير، لأنّ إتيان الواقع على هذا الفرض ايضا، هو الملاك الأصلى، و الاشتغال يكون به كما فى الطريقيّة المحضة، فلا بدّ من الأخذ برأى الأعلم ليحصل الفراغ اليقينى على التفصيل الماضى.
نتيجة الكلام على الفروض الثلاثة:
فتحصّل الكلام، انّ المجتهد الأعلم هو المتعيّن المعلوم للتّقليد على مبنى الطريقيّة المحضة بالنسبة الى الواقع، و كذا على مبنى طريقى الجزء الموضوعى بالنسبة اليه.
و امّا على مبنى وجود مصلحة موضوعيّة فى رأى المجتهد على ما قاله بعض الأعيان فى الحاشية، فلا يكون الحكم الّا التّخيير.
و على هذا فالصّحيح ان المقلد يجب ان يقلّد الأعلم و يأخذ برأيه، و يكون رأيه من القسم الثالث من هذه الاقسام الثلاثة المذكورة، و هو الطريقى الجزء الموضوعى.
فالواقع يفيد انّه على رأى المجتهد الأعلم، هو المكلّف به و يجب امتثاله و يكون المصلحة فيه على ما مرّ بيانه.
المختار عندنا:
و الحاصل انّ مقتضى الأصل عند العقلاء للمقلّد و المجتهد، هو الرجوع إلى الأعلم لا إلى غيره.
التنبيه اللازم:
لكن يجب التنبيه عليك، انّ الصحيح عندنا هو التّعيين لا من جهة دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير على ما هو الظاهر من كلمات القوم على ما بينّا مسلكهم فى المقام.
جرى المشى على مسلك القوم:
لكنّ التّحقيق عندنا ان مقامنا هذا لا يكون من باب دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير بل فتوى الأعلم بالأخذ، تصير حجّة من بدو الأمر كما فى الخبرين المتعارضين، فلا يكون من باب دوران الأمر بينهما، لأنّ المقام ليس من الفروع الفقهيّة حتّى يجرى الدوران المذكور.
فان الفتويين المتعارضين من المجتهدين، كالخبرين المتعارضين فى كون مقتضى الأصل الأولى هو التساقط، لتكذيب كلّ واحد منهما الآخر بمدلوله الالتزامي، و التّعيين و التّخيير المصطلح يكون فى صورة احراز اطلاق احد الدليلين دون الآخر بعد احراز حجيّتها.
و امّا فى المقام، لا حجيّة لأحدهما من الأوّل قبل الأخذ، و حكم العقل المستقلّ، هو الأخذ برأى الأعلم و عدم الأخر بما هو مشكوك الحجيّة اعنى رأى المفضول.
فما ورد فى كلامنا، ما يظهر منه كون تعيين الأعلم من باب دوران الأمر بين الحجّة و اللّاحجة، او بين التّعيين و التّخيير، فهو ليس بمراد منّا، بل هذا يكون مشيا على ما مشى القوم، القائلون بانّ المقام من هذا الباب.
لكنّ التّحقيق عندنا:
لكنّ التّحقيق عندنا فى المقام هو انّ الاشتغال اليقينى، لا بدّ له من الفراغ اليقينى، و هو لا يحصل الّا بما ذكرنا من تقليد الأعلم فقط.
حاصل الكلام:
فتحصّل ان الأصل العقلى عند العامى و كذا حكم المجتهد حسب اجتهاده، هو الرجوع الى الأعلم، لانّه يقتضى الفراغ عمّا فى ذمّة المكلّف.
و هذا كلّه فى المرحلة الأولى فى بيان الأصل العقلى و وجوب الرجوع الى المجتهد الأعلم.
المرحلة الثانية فى بيان الدليل الاجتهادي:
و امّا المرحلة الثانية و هو بيان الدليل الاجتهادي على وجوب الرجوع الى المجتهد الاعلم.
فنقول: انّ الدليل الاجتهادي على وجوب تقليد الأعلم يكون على وجهين، الأوّل هو الأقربيّة الى الواقع و الثّانى، هو الروايات الواردة فى المقام.
الوجه الأوّل الأقربيّة الى الواقع فى فتوى الأعلم:
امّا الوجه الاوّل و هو الأقربيّة الى الواقع، حيث انّ المجتهد الأعلم اعرف بالأدلّة و كيفيّة الاستنباط منها، فيكون رأيه أقرب الى الواقع، و ما هو الأقرب الواقع، هو المطلوب عقلا.
بيان الإشكال فى الأقربيّة:
و قد اشكل عليه بانّ الاستدلال فى الصغرى و الكبرى فى المسألة غير تامّ.
امّا فى الصغرى: فللمنع من كون رأى الأعلم اقرب الى الواقع، اذ ربما يكون رأى المفضول موافقا لرأى المشهور او لرأى الاعلام فى الصدر الاول من هو قريب من زمن الحضور مثل المفيد و المرتضى و الطوسى و القديمين و غيرهم، فانّهم مهرة الفنّ فى الأحكام و ادلّتها، و حينئذ يحصل لنا الظّنّ القوى بانّ قول المفضول الموافق
لهم، اقرب الى الواقع، فلا يحصل الظّنّ بانّ قول الأعلم اقرب اليه.
الجواب عن الإشكال:
و يمكن الجواب بانّ هذا الإشكال ليس بصحيح، لأنّ المدار على الظّنّ النوعى الحاصل من نفس الامارة لا على الظّنّ الحاصل من الخارج، و الظّنّ الحاصل فى المقام فى بيان الإشكال هو الحاصل من الخارج، فلا وجه للاشكال صغرويّا.
العناوين الخارجيّة الدخيلة:
و امّا فى الكبرى: فقد اشكل عليه ايضا من جهة انّ الرجوع الى الأعلم لا يكون من جهة الأقربيّة الى الواقع، بل يمكن ان يكون من جهة اخرى. و هى جهة قوّة الاستدلال و الحضور الجامع بالنسبة الى كلّ مسئلة من الأحكام الشرعيّة، و كل اشكال عرض على الحكم الشرعى الّذى افتى به الاعلم.
و امّا غير الأعلم فليس هو بهذه القدرة.
او يمكن انّه من غير جهة الاستدلال فى الحكم الشرعى، من العناوين الطارية للاعلم مثل كبر سنّه، او الهجرة او غير ذلك ممّا يوجب مقبوليّة قوله عند النّاس بالنسبة الى الأحكام و المسائل الدينيّة. فيكون رجوع العامى الى الأعلم من هذه الجهات الطارية و الاعتبارات الخارجة، لا من جهة الأقربيّة الى الواقع.
الجواب عن الإشكال:
و يمكن الجواب عن هذا الإشكال، بانّ المدار بالأعلم هو من يكون له مهارة تامّة فى الاستنباط و تحصيل الحكم الشرعى من الدليل، فيكون هذا هو الأعلم و يصحّ التّقليد عنه، لا من جهات طارية اخرى الموجودة فى الاعلم.
كما فى ساير الاصناف، مثل الطبيب مثلا، فانّ خبرويّته من جهة الطبابة لا من جهة اخرى يلازمه فيكون خبرويّة المجتهد الأعلم، من جهة علمه و اشرافه بالأحكام و
الدّين، لا من جهات أخر من المحبوبية و الاخلاق و الشرافة الاجتماعية او غير ذلك ممّا يلازمه المجتهد بين النّاس، فلا تكون لهذه الأوصاف دخالة فى عنوان الأعلميّة الدينية فى الحكم.
فحينئذ هو اعلم، من جهة انّه صاحب قوّة شديدة فى الاستنباط و الاشراف على ادلّة الأحكام.
و امّا غيره ممّن لا يكون بهذه المرتبة، ليس باعلم و لا يكون فتواه حجّة شرعا.
يمكن التفاوت فى الأعلميّة فى تنقيح الكبريات و الفروع:
نعم يختلف الأعلميّة بين المجتهدين فى بعض الأحيان فانّ بعض المجتهدين يكون اعلم فى تنقيح الكبرويّات كما نسب ذلك الى المحقّق الخراسانى صاحب الكفاية، و بعض المجتهدين يكون اعلم فى تطبيق الكبرويات على الفروع الفقهيّة كما نسب الى السيّد الطباطبائى صاحب العروة الوثقى.
و ربّما يحصل الأعلميّة بكثرة استنباط الفروع عن الاصول الممهّدة، و الاطّلاع بما له دخل فى الحكم فى استنباط المسائل المختلفة كما ان سيّدنا الاستاد الاصفهانى(قدّه)كان كذلك. و من هذا يعلم انّ الإشكال كبرويّا ايضا غير وارد فى المقام.
نتيجة الكلام:
فتحصّل من ذلك كلّه أنّ رأى الأعلم أقرب الى الواقع، و العقل مستقلّ بوجوب متابعته، فيجب تقليده.
بناء العقلاء فى المقام:
و يؤيّد ذلك، بناء العقلاء فى ذلك، من حيث الرجوع الى الأفضل لخبرويّته و اعرفيّته بالنسبة الى مواضع الأحكام، فيكون قوله أوثق عند التعارض بين الأقوال.
قال بعض الاكابر من المعاصرين، التشكيك فى ثبوت بناء العقلاء على ذلك، يندفع
بادنى تامّل فيه[1].
و قال بعض الأساطين من المعاصرين، و عمدة ادلّة القائلين بوجوب تقليد الأعلم، اذا اختلف مع غيره، بناء العقلاء. و لم يثبت من الشرع ردع عن العمل به، فلا ينبغى الشكّ فى لزوم الأخذ بفتوى الأعلم، اذا كانت موافقة للاحتياط. و امّا اذا كانت مخالفة للاحتياط، فالظّاهر التّخيير بينه و بين المفضول[2].
الوجه الثانى من الدليل الاجتهادي، وجود الروايات:
و امّا الوجه الثانى من الدليل الاجتهاد فى تقليد الأعلم، وجود الروايات العديدة الواردة فى لزوم تقليد المجتهد الاعلم.
منها: مقبولة عمر بن حنظلة، و مورد الاستدلال فيها، قوله(ع)، جوابا عن سؤال الرّاوى، لان السائل قد سئل عن الإمام(ع)، فان كان كلّ رجل يختار رجلا من اصحابنا، فرضيا ان يكونا ناظرين فى حقّهما، فاختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا فى حديثكم، فكيف الحكم؟
فاجاب الإمام(ع)بما قال: الحكم ما حكم به اعدلهما و افقههما و اصدقهما فى الحديث، و اورعهما و لا يلتفت الى ما حكم به الآخر، الحديث[3].
و منها: خبر داود بن حصين، جوابا عن سؤاله عن الإمام(ع):
و قد سئل انّه اذا اختلف العدلان بينهما، عن ايّهما يمضى الحكم.
فاجاب(ع): ينظر الى افقههما و اعلمهما باحاديثنا و اورعهما، فينفذ حكمه»[4].
و منها: خبر موسى بن اكيل، فى الجواب عن السؤال فى صورة اختلاف الحكمين.
فقال(ع): «ينظر الى اعدلهما و افقههما فى دين اللّه، فيمضى حكمه ...»[5].
[1]- السيد الحكيم فى المستمسك.
[2]- السيد الخوئى فى فقه الشيعة ج 1/ 79.
[3]- وسائل الشيعة ج 18/ 20 من ابواب صفات القاضى.
[4]- وسائل الشيعة ج 18/ 45 ابواب صفات القاضى.
[5]- المدرك السابق.