بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 303

الدّين، لا من جهات أخر من المحبوبية و الاخلاق و الشرافة الاجتماعية او غير ذلك ممّا يلازمه المجتهد بين النّاس، فلا تكون لهذه الأوصاف دخالة فى عنوان الأعلميّة الدينية فى الحكم.

فحينئذ هو اعلم، من جهة انّه صاحب قوّة شديدة فى الاستنباط و الاشراف على ادلّة الأحكام.

و امّا غيره ممّن لا يكون بهذه المرتبة، ليس باعلم و لا يكون فتواه حجّة شرعا.

يمكن التفاوت فى الأعلميّة فى تنقيح الكبريات و الفروع:

نعم يختلف الأعلميّة بين المجتهدين فى بعض الأحيان فانّ بعض المجتهدين يكون اعلم فى تنقيح الكبرويّات كما نسب ذلك الى المحقّق الخراسانى صاحب الكفاية، و بعض المجتهدين يكون اعلم فى تطبيق الكبرويات على الفروع الفقهيّة كما نسب الى السيّد الطباطبائى صاحب العروة الوثقى.

و ربّما يحصل الأعلميّة بكثرة استنباط الفروع عن الاصول الممهّدة، و الاطّلاع بما له دخل فى الحكم فى استنباط المسائل المختلفة كما ان سيّدنا الاستاد الاصفهانى(قدّه)كان كذلك. و من هذا يعلم انّ الإشكال كبرويّا ايضا غير وارد فى المقام.

نتيجة الكلام:

فتحصّل من ذلك كلّه أنّ رأى الأعلم أقرب الى الواقع، و العقل مستقلّ بوجوب متابعته، فيجب تقليده.

بناء العقلاء فى المقام:

و يؤيّد ذلك، بناء العقلاء فى ذلك، من حيث الرجوع الى الأفضل لخبرويّته و اعرفيّته بالنسبة الى مواضع الأحكام، فيكون قوله أوثق عند التعارض بين الأقوال.

قال بعض الاكابر من المعاصرين، التشكيك فى ثبوت بناء العقلاء على ذلك، يندفع‌


صفحه 304

بادنى تامّل فيه‌[1].

و قال بعض الأساطين من المعاصرين، و عمدة ادلّة القائلين بوجوب تقليد الأعلم، اذا اختلف مع غيره، بناء العقلاء. و لم يثبت من الشرع ردع عن العمل به، فلا ينبغى الشكّ فى لزوم الأخذ بفتوى الأعلم، اذا كانت موافقة للاحتياط. و امّا اذا كانت مخالفة للاحتياط، فالظّاهر التّخيير بينه و بين المفضول‌[2].

الوجه الثانى من الدليل الاجتهادي، وجود الروايات:

و امّا الوجه الثانى من الدليل الاجتهاد فى تقليد الأعلم، وجود الروايات العديدة الواردة فى لزوم تقليد المجتهد الاعلم.

منها: مقبولة عمر بن حنظلة، و مورد الاستدلال فيها، قوله(ع)، جوابا عن سؤال الرّاوى، لان السائل قد سئل عن الإمام(ع)، فان كان كلّ رجل يختار رجلا من اصحابنا، فرضيا ان يكونا ناظرين فى حقّهما، فاختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا فى حديثكم، فكيف الحكم؟

فاجاب الإمام(ع)بما قال: الحكم ما حكم به اعدلهما و افقههما و اصدقهما فى الحديث، و اورعهما و لا يلتفت الى ما حكم به الآخر، الحديث‌[3].

و منها: خبر داود بن حصين، جوابا عن سؤاله عن الإمام(ع):

و قد سئل انّه اذا اختلف العدلان بينهما، عن ايّهما يمضى الحكم.

فاجاب(ع): ينظر الى افقههما و اعلمهما باحاديثنا و اورعهما، فينفذ حكمه»[4].

و منها: خبر موسى بن اكيل، فى الجواب عن السؤال فى صورة اختلاف الحكمين.

فقال(ع): «ينظر الى اعدلهما و افقههما فى دين اللّه، فيمضى حكمه ...»[5].

[1]- السيد الحكيم فى المستمسك.

[2]- السيد الخوئى فى فقه الشيعة ج 1/ 79.

[3]- وسائل الشيعة ج 18/ 20 من ابواب صفات القاضى.

[4]- وسائل الشيعة ج 18/ 45 ابواب صفات القاضى.

[5]- المدرك السابق.


صفحه 305

تقريب الاستدلال:

و تقريب الاستدلال هنا للوصول الى المطلوب، هو انّ هذه الروايات، و ان كانت فى صورة المنازعة فى الحكم و القضاء، لكن القدماء من اصحابنا، قد استدلّوا بها، بتنقيح المناط، لوجوب الأعلميّة فى بيان الأحكام و لا تختصّ بالموضوعات.

لأنّ السرّ فى الرجوع الى الأعلم فى ذلك الباب، هو كون نظره اقرب الى الواقع، لانّه افقه، خصوصا بملاحظة الارجاع الى سنده فى الرواية، كما ترى تفصيله فى مقبولة ابن حنظلة، فانّ الارجاع الى سند الحاكم يكون من جهة دخل الأفقهيّة، فلا فرق بين الفتوى و الحكم.

وجود الإشكال فى الاستدلال:

و قد اشكل على الاستدلال، بانّه اوّلا، انّ ما ذكر من الروايات يكون فى مقام بيان الحكم فى صورة ظهور الاختلاف بين المترافعين، و يكون الارجاع الى الأعلم من جهة رفع غائلة الترافع، و لذلك يكون حكم القاضى نافذا حتّى فى حقّ غيره من المجتهدين.

و امّا المفضول فى المقام، لا يبرز منه اختلاف مع الافضل، فلا اختلاف بينهما حتّى يشمله الحكم.

و ثانيا، بانّ حملة الاخبار فى الصدر الاوّل، كانوا هم الفقهاء بنقل الاخبار، و لم يكن الفقيه فى الصدر الأوّل، ما هو المصطلح فى هذا الزمان من صدقه على من له نظر و رأى، فلا يشمل الأفقهية فى الرواية، الأفقهية بهذا المعنى المذكور.

الجواب عن الإشكال الاول:

و امّا الجواب عن الإشكال الأوّل فهو انّ الحكم كما ذكر، يكون فى مورد بروز الاختلاف، و لكن بروزه لا يختصّ بالاختلاف بين الشخصين فى امر من الأمور


صفحه 306

الدنيويّة المالية.

بل العامى اذا رأى الاختلاف بين فتوى مجتهدين فى مسئلة شرعيّة، يريد رفع هذا الاختلاف فى المسألة الدينيّة. و ما توهّم من كون رفع الغائلة فى المترافعين فى الموضوع يختصّ بالرجوع الى الأعلم فى البين، لعدم رضاهما الّا به، لا بالحكم. لانّه يؤخذ من احد المجتهدين بعد تفاوت بين الفاضل و المفضول.

فمندفع، بعدم الفرق بينهما، لأنّ العامى يسكن نفسه برجوعه الى الأعلم فى الدّين و لا ترفع غائلته بغير الأعلميّة من العناوين الطارئة على هذين المجتهدين.

الجواب عن الإشكال الثانى:

و امّا الجواب عن الإشكال الثانى:

فانّ حملة الاخبار فى الصدر الأوّل، هم الفقهاء العارفون بمواضع الأحكام، و كانوا صاحب رأى و نظر فى فهم الروايات. و قد مرّ ان مثل زرارة، و محمّد بن مسلم و حمران و غيرهم، لم يكونوا مجرّد راوى الحديث فقط، و لم يكن ارجاعهم(عليهم السلام)، اليهم مجرّد نقل الخبر و التلفّظ به، و ان كانوا اعرابيّا لا يفهم المعنى و المقصود من الحديث.

الاستدلال بالأولويّة المستفادة من المرويّات:

و يمكن ان يقال بان الروايات شاملة للمقام بالاولوية ايضا.

لأنّ رفع النزاع فى الموضوع، ربّما يكون بالرجوع الى شيخ القوم، و لو لم يكن فقيها فى الدين، فيرفع الغائلة فى البين، و مع ذلك يكون الارجاع فى الرواية الى اللاحقة.

فكيف لا يمكن ان يقال به فى رفع الاختلاف فى الحكم الدينى، الّذى لا بدّ من رفعه بالأفقهيّة. فلا بدّ من القول به بالأولوية حتما بمقتضى هذه الروايات الواردة.

نتيجة البحث هنا:


صفحه 307

فتحصّل ان المترافعين فى الشبهات الحكميّة ايضا داخلان فى الروايات مثل الشبهات الموضوعيّة فيجب تقليد الأعلم بمقتضاها.

الاستدلال بالإجماع فى وجوب التّقليد الأعلم:

و قد يستدل لوجوب التّقليد عن الأعلم بوجود الإجماع فى المسألة. و حكى ذلك عن المحقّق الثانى. و عن بعض الأكابر فى تحقيقه انّه من المسلّمات فلا يجوز انكاره.

الجواب عن هذا الاستدلال:

و قد سبق منّا ان الإجماع فى غير محلّه، لوجود الاختلاف فى المسألة، و لذا لم يتعرّض الشيخ فى العدّة، بوجود هذا الإجماع، و كذا ابن زهرة، مع انّه الّذى اشتهر بكثرة دعواه بوجود الإجماع فى المسائل.

و لو سلّمنا وقوع الإجماع، لكن يمكن المنع عن تعبديّته لاحتمال اعتماد المجمعين على مثل ما ذكره علم الهدى السيد المرتضى، دليلا لمذهبه من وجوب تقليد الأعلم.

و يمكن انّ إدّعاء الإجماع من المحقّق. باعتبار وجود الإجماع فى عصره، لا فى العصور المتمادية.

و على هذا فلا يفيد الاستدلال بالإجماع فى الوصول الى المطلوب.

نعم الاستدلال بالدليل الاجتهادي و هو وجود الروايات، و كذا حكم العقل بالنسبة الى اقربيّة قول المجتهد الأعلم الى الواقع سديد فى غاية القوّة و موصل الى المطلوب.


صفحه 308

التّخيير بين الأعلم و غيره‌

القول فى جواز التّخيير:

و امّا القول فى جواز التّخيير للعامى بين التّقليد من الأعلم او من غيره عند مخالفة كلّ واحد من رأيهما للآخر. و ادلّة هذا القول، امور.

ادلّة الجواز:

الأوّل اطلاق الأدلّة اللفظيّة:

و هو وجود الروايات العديدة الواردة فى الباب بقول مطلق فى ارجاع العامى الى العالم الخبير فى الدين.

فمنها قوله(ع): امّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا، فانّهم حجّتى عليكم ...[1].

و منها قوله(ع): اصمدا فى دينكما على كل مسنّ فى حبّنا، و كلّ كثير القدم فى امرنا[2].

و منها قوله(ع): «ينظران من كان منكم قد روى حديثنا و نظر فى حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا ...»[3].

و منها قوله(ع): من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلّدوه‌[4]. و الى غير ذلك من الروايات.

[1]- الغيبة للطوسى ص 186- اكمال الدين ج 4/ 484.

[2]- وسائل الشيعة ج 18/ 110.

[3]- وسائل الشيعة باب 9 صفات قاضى حديث 1.

[4]- وسائل الشيعة ج 18/ 94- الاحتجاج للطبرسى/ 457- المستدرك باب صفات القاضى الحديث 29.


صفحه 309

كيفيّة الاستدلال:

و بيان الاستدلال، هو انّه مع بعد تساوى جميع رواة الحديث و الفقهاء فى الرتبة العلميّة فى معالم الدين، و بعد اتّفاقهم فى الرأى و رواية الحديث، فيكون الرجوع اليهم بقول مطلق يرشد الى التّخيير و القاء قيد الأعلميّة، فبأىّ واحد منهما يرجع العامى فى حكم الشرع، فقد صحّ، و العمل بفتواه مجز عن التكليف و تمام العمل.

النتيجة فى الخبرين المتعارضين:

و تكون هذه الروايات باطلاقها شاملة للخبرين المتعارضين، و دلّت على حجيّتهما للأخذ بالتّخيير بينهما.

و لو لا الإطلاق فى الرواية، لا وجه للأمر بالتّخيير بقوله(ع)اذن فتخيّر.

و الأمر بالتّخيير، بعد كون مقتضى المدلول الالتزامي فى كلّ واحد من المتعارضين تكذيب الآخر، يكشف منه حجيّة المدلول المطابقى من ايّهما اتّخذ، عند الشرع.

فالدّليل على اصل حجيّة المتعارضين هو هذه الإطلاقات الواردة.

و الدليل على التّخيير، هو امرهم(عليهم السلام)بالتّخيير، كما فى مقبولة عمر بن حنظلة. و لو لا هذا الأمر بالتّخيير، لكان مقتضى الأصل الأولى التكاذب و التساقط، و لكن التكاذب ينشأ من اطلاق الدليلين لا ذاتهما، فلهذا يمكن الأمر بالقول بالتّخيير.

و قد نفهم من هذا الأمر بالتّخيير، انّه ليس التكاذب فى ذات الدليل.

حكم التّخيير فى فتويين:

و هكذا الأمر فى رأى المجتهد المفتى فى صورة التكاذب فى رأيهما، مثل الرواية، فلا بدّ لنا من دليل آخر على التّخيير بينهما بعد قبول اصل الحجيّة بمقتضى هذه الإطلاقات.

غاية الأمر، انّه لا دليل لنا على التّخيير فى الفتوى الّا شمول الأمر بالتّخيير فى الروايتين، بالنسبة الى الفتويين لمجتهدين، بتنقيح المناط.


صفحه 310

التّخيير و حكم العقل:

و لذا يمكن ان يقال بالتّخيير بين الفتويين لوجود الإجماع على عدم اهمال المكلّف فى صورة الاختلاف بينهما فى التكليف.

فلا بدّ للعامى، الأخذ بأحدهما تخييرا، و لكن الإجماع هنا ممنوع، الّا ان يقال بأنّ حجيّة الرأى تكون من باب الموضوعيّة، و ان كانت حجيّة الرواية من باب الطريقيّة.

فعليه يكون العقل حاكما بالتّخيير، لأن التكاذب هنا فى الرأى يكون بالنسبة الى الواقع، لا بالنسبة الى المصلحة فى اصل الرأى للمجتهد، فيمكن القول بالتّخيير عقلا.

حجيّة الفتوى من باب الطريقيّة او الموضوعيّة:

و لكن نحن لما اخترنا ان الرأى له جهة موضوعيّة، و ان لم تكن حجيّة من باب الموضوعيّة المحضة، بل له الطريقيّة الى الواقع كما اشرنا سابقا.

فرأى المجتهد له جهة طريقيّة بالنسبة الى الواقع، و جهة موضوعيّة بالنسبة الى نفسه، فيجوز لنا القول بالتّخيير عقلا.

المسألة هنا اصوليّة كليّة فى الأخذ:

و حيث ان البحث هنا فى التّخيير فى المسألة الاصوليّة الكليّة بالنسبة الى تكاذب الرأيين، لا الفرعيّة المحضة، و تكون الحجيّة فيها بالأخذ بأحدهما، و لا حجيّة قبل الأخذ.

وجوب الأخذ برأى الأعلم:

فيؤخذ برأى الأعلم على المبنى، لاحتمال تعيينه، و الفراغ عن ذمّة التكليف، فهو حجّة لا غيره، فلا يجوز التّخيير هنا فى صورة وجود الاعلم.