بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 309

كيفيّة الاستدلال:

و بيان الاستدلال، هو انّه مع بعد تساوى جميع رواة الحديث و الفقهاء فى الرتبة العلميّة فى معالم الدين، و بعد اتّفاقهم فى الرأى و رواية الحديث، فيكون الرجوع اليهم بقول مطلق يرشد الى التّخيير و القاء قيد الأعلميّة، فبأىّ واحد منهما يرجع العامى فى حكم الشرع، فقد صحّ، و العمل بفتواه مجز عن التكليف و تمام العمل.

النتيجة فى الخبرين المتعارضين:

و تكون هذه الروايات باطلاقها شاملة للخبرين المتعارضين، و دلّت على حجيّتهما للأخذ بالتّخيير بينهما.

و لو لا الإطلاق فى الرواية، لا وجه للأمر بالتّخيير بقوله(ع)اذن فتخيّر.

و الأمر بالتّخيير، بعد كون مقتضى المدلول الالتزامي فى كلّ واحد من المتعارضين تكذيب الآخر، يكشف منه حجيّة المدلول المطابقى من ايّهما اتّخذ، عند الشرع.

فالدّليل على اصل حجيّة المتعارضين هو هذه الإطلاقات الواردة.

و الدليل على التّخيير، هو امرهم(عليهم السلام)بالتّخيير، كما فى مقبولة عمر بن حنظلة. و لو لا هذا الأمر بالتّخيير، لكان مقتضى الأصل الأولى التكاذب و التساقط، و لكن التكاذب ينشأ من اطلاق الدليلين لا ذاتهما، فلهذا يمكن الأمر بالقول بالتّخيير.

و قد نفهم من هذا الأمر بالتّخيير، انّه ليس التكاذب فى ذات الدليل.

حكم التّخيير فى فتويين:

و هكذا الأمر فى رأى المجتهد المفتى فى صورة التكاذب فى رأيهما، مثل الرواية، فلا بدّ لنا من دليل آخر على التّخيير بينهما بعد قبول اصل الحجيّة بمقتضى هذه الإطلاقات.

غاية الأمر، انّه لا دليل لنا على التّخيير فى الفتوى الّا شمول الأمر بالتّخيير فى الروايتين، بالنسبة الى الفتويين لمجتهدين، بتنقيح المناط.


صفحه 310

التّخيير و حكم العقل:

و لذا يمكن ان يقال بالتّخيير بين الفتويين لوجود الإجماع على عدم اهمال المكلّف فى صورة الاختلاف بينهما فى التكليف.

فلا بدّ للعامى، الأخذ بأحدهما تخييرا، و لكن الإجماع هنا ممنوع، الّا ان يقال بأنّ حجيّة الرأى تكون من باب الموضوعيّة، و ان كانت حجيّة الرواية من باب الطريقيّة.

فعليه يكون العقل حاكما بالتّخيير، لأن التكاذب هنا فى الرأى يكون بالنسبة الى الواقع، لا بالنسبة الى المصلحة فى اصل الرأى للمجتهد، فيمكن القول بالتّخيير عقلا.

حجيّة الفتوى من باب الطريقيّة او الموضوعيّة:

و لكن نحن لما اخترنا ان الرأى له جهة موضوعيّة، و ان لم تكن حجيّة من باب الموضوعيّة المحضة، بل له الطريقيّة الى الواقع كما اشرنا سابقا.

فرأى المجتهد له جهة طريقيّة بالنسبة الى الواقع، و جهة موضوعيّة بالنسبة الى نفسه، فيجوز لنا القول بالتّخيير عقلا.

المسألة هنا اصوليّة كليّة فى الأخذ:

و حيث ان البحث هنا فى التّخيير فى المسألة الاصوليّة الكليّة بالنسبة الى تكاذب الرأيين، لا الفرعيّة المحضة، و تكون الحجيّة فيها بالأخذ بأحدهما، و لا حجيّة قبل الأخذ.

وجوب الأخذ برأى الأعلم:

فيؤخذ برأى الأعلم على المبنى، لاحتمال تعيينه، و الفراغ عن ذمّة التكليف، فهو حجّة لا غيره، فلا يجوز التّخيير هنا فى صورة وجود الاعلم.


صفحه 311

و نمنع اطلاق الأدلّة من هذه الجهة، لأنّ اطلاقها يشمل الحجيّة فى كلّ واحد من الرأيين فى حدّ ذاته بالطبع، لا فى صورة انضمام جهة اخرى توجب مزيّة و تعيّنا.

حجيّة قول الأعلم:

و يكون الأعلم ذو مزيّة معلومة على ما قرّرناه سابقا، فتعيّن الأخذ برأى الاعلم.

و لو سلّم اطلاق الأدلّة فى المقام، نلتزم بانّ الروايات السابقة الدالّة على وجوب تقليد الأعلم، تكون مقيّدة و مخصّصة لهذه الإطلاقات، فتعيّن الاعلم. هذا هو المختار عندنا.

اشكال محقّق الخراسانى فى الكفاية:

لكن قد اورد المحقّق الخراسانى فى الكفاية، بعد القبول عن نهوض الدّليل على مشروعية أصله، بما حاصله.

اوّلا، انّ مورد الإطلاق فى الرّوايات، مخصوص بنقل الرواية، دون الفتوى، حتّى ان وجود مادّة الإفتاء فى الرّواية، غير ظاهرة فى الفتوى المصطلح المتقوّمة بإعمال الرأى و النظر من المجتهد.

و الإفتاء فى الصدر الأوّل، كان فى بيان الأحكام بنقل الرواية، لا باظهار الرأى و إعمال النظر.

و عليه فالإطلاقات غير متكفّلة لحال الفتوى حتّى يمكن التمسّك باطلاقاتها.

و ثانيا، انّ الإطلاقات، انّما هى بصدد بيان اصل جواز الأخذ بقول العالم الفقيه فى الدّين، لا فى كلّ حال و قال، من غير تعرّض لصورة المعارضة بين قول الفاضل و الأعلم.

جواب الإشكال:

و فيه، امّا على الأوّل، انّ دعوى اختصاص دلالة النصوص على مجرّد نقل الرواية


صفحه 312

فقط، دون الإفتاء بما فى مفهوم الرواية، فغير صحيح.

فانّ ما دلّ منها على النهى عن الفتوى بغير علم، او على النهى عن الفتوى بالرأى، او بالقياس، كلّها صريحة بالنسبة الى الفتوى الاصطلاحي بغير مستند شرعى، لا الفتوى بمفهوم الرواية و المستند بمعناها.

كما يشهد لذلك قول الإمام ابى جعفر(ع)لأبان بن تغلب، قال(ع): اجلس فى مسجد المدينة و افت الناس، فانّى احبّ ان يرى فى شيعتى مثلك.

فانّ الظاهر من هذه الرواية، هو الفتوى لا مجرد نقل الحديث و التحدّث.

و كذا قوله(ع): فى صحيحة الحذّاء، و لحقه وزر من عمل بفتياه، هو الفتوى بالمعنى المصطلح غير المستند.

فمادّة الإفتاء و الاستفتاء فى امثال هذه النصوص، ظاهرة فى الفتوى المصطلح المنبعث عن الرأى غير مستند بالدليل و امّا كون الإفتاء عند القدماء فى الصدر الأوّل بلسان نقل الرواية، او بما فى مفهوم الرواية، لا ينافى شمول الإطلاق للفتوى، لانّ بيان الفتوى كما يكون بذكر نفس الحكم الشرعى على ما هو فى مفهوم الرواية، كذلك يكون بذكر مستنده اتقانا فى الجواب، و الإشارة الى اصل دليل الفتوى و هو النّص الوارد فى الحكم. و كان هذا معمولا متداولا بين الأصحاب.

و امّا على الثانى، ان شمول هذه الأخبار لصورة الاختلاف فى الفتوى بين الأعلم و غيره، ممّا لا وجه لإنكاره، لكثرة التفاوت فى الفضيلة العلميّة و شيوع الاختلاف فى النظر و الفتوى. فلا بدّ من القول بشمولها لصورة الاختلاف، و الّا لم يكن دليل على حجيّة شى‌ء من المتعارضين، و ان أسئلة الرواة فى باب الاخبار العلاجيّة عن حكم الخبرين المتعارضين كاشفة عن شمول دليل حجيّة الخبر باطلاقه للمتعارضين، فانّه لو لم يكن شاملا، لم يكن محلّ لهذه الاسئلة على التفصيل المتقدّم الّذى ذكرناه.

فتحصّل من ذلك أنّ الإطلاق فى الأدلّة شاملة فى كلا الصورتين من التعارض فى لفظ الدليلين و التعارض فى الرأيين، و حيث ان الرجوع الى الأعلم ذو مزية لازمة، و انّه المتيقّن عقلا و شرعا على ما حقّقناه، فتعيّن الأخذ برأى الأعلم عند التعارض بينه و


صفحه 313

بين المفضول.

السّيرة المتشرّعة:

و قد يستدلّ لجواز الرجوع الى غير الأعلم و جواز التّخيير بينه و بين غيره، بالسيرة المتشرّعة. و هذه السيرة كانت قائمة فى عصر المعصومين(عليهم السلام)، على التّخيير، بين الرجوع الى اىّ واحد من فقهائهم لا الى أعلمهم فقط.

و من المعلوم أنّ هذه السيرة كانت بمرأى و مسمع من المعصومين(ع)و لم ير دعواها.

فلو كان هى غير مرضيّة عندهم(ع)، لأخبروا بذلك لشيعتهم، كما قد اخبروا بعدم صحّة الاجتهاد بالرأى و القياس.

فحينئذ، عدم وصول تخطئة منهم(ع)، لهذه السيرة كاشف عن امضائهم ذلك و الدّليل عليه.

فهذه السيرة فى الأمور الشرعيّة، نظير سيرة العقلاء فى الأمور العادية معمولة بها عندهم فهى حجّة لهم.

و فيه: انّ هذه السيرة غير ثابتة منهم(ع)، فانّ الفطرة البشريّة بعد ما تقتضى من الرجوع الى الأعلم، للاطمينان به للوصول الى الواقع، او لقدر (المتيقّن) فيتفحّص عنه، و هذا اصل عقلىّ ثابت لا خدشة فيه. و لا نجد سيرة على خلاف ذلك.

و المجتهد ايضا لا يكون فعلا حتّى يلاحظ مثل هذه السيرة بالنسبة اليه.


صفحه 314

التّخيير بين المتساويين‌

و امّا اذا كان هناك مجتهدين متساويين فى العلم و الشرائط، كان للمقلّد الأخذ بقول ايّهما شاء، و يجوز له التبعيض فى التّقليد.

و امّا اذا كان احدهما أرجح من الآخر فى الشرائط من الأعدليّة و الأورعيّة، فالأولى بل الاحوط اختياره.

كلام بعض الأساطين:

قال بعض الأساطين من المعاصرين، انّ ذلك اجماعىّ من القائلين بجواز التّقليد من دون فرق بين صورة الاتّفاق فى الفتوى او الاختلاف، او موافقة فتوى احدهما لاحتياط المطلق، دون الآخر.

التّحقيق عندنا:

و التّحقيق انّ تحصيل الإجماع التعبّدى فى مثل هذه المسألة الّتى لم تكن مبحوثا عنها فى الصدر الأوّل بين القدماء من الأصحاب، مشكل جدّا.

و على فرض ثبوته، فتعبّدية ذلك الإجماع محل تأمّل و نظر، فانّ المسألة ممّا للعقل اليهما سبيل. و يمكن حمل الإجماع فى كلامه على الإجماع العملى المقصود منه سيرة المتشرّعة، فهى قائمة على تخيير المقلّد فى رجوعه الى اىّ مفت و مجتهد فى زمانه. و هذه السيرة متّصلة الى زمان الحضور و هى المستند فى الحكم.


صفحه 315

التبعيض فى التّقليد

و المقصود من التبعيض فى التّقليد هنا، هو الرجوع الى احد المجتهدين فى مسئلة، و الى آخر فى مسئلة أخرى، مع التساوى بينهما فى الشرائط.

ثمّ انّه قد يكون المسألتان غير مرتبطين كان قلّد من احدهما فى باب العبادات، و من الآخر فى باب المعاملات، و قد تكون المسألتان مرتبطين.

التبعيض و المسألتان غير مرتبطين:

امّا فى الصورة الأولى و هو عدم الارتباط بين المسألتين فى التّقليد من المجتهدين، فجواز التّقليد و البعض فيه ظاهر، لصيرورته من صغريات البحث السابق، و هو التّخيير بين المتساويين.

مع انّ السيرة العقلائية قائمة على مثل هذا التّبعيض، و لا يبعد قيام سيرة المتشرّعة عليه ايضا. مضافا الى ان اطلاقات النصوص المذكورة حاكمة بالجواز.

التبعيض و المسألتان مرتبطين:

و امّا فى الصورة الثانية، و هى ما اذا كانت المسألتان مرتبطين معا. ففى هذه الصورة، إذا لم يلزم من تقليدهما فى المسألتين، العلم بالمخالفة القطعيّة، فالظاهر جوازه.

مثل ما اذا افتى احد المجتهدين بوجوب الإقامة فى الفرائض، و عدم وجوب السورة فيها، و أفتى المجتهد الآخر بوجوب السورة و عدم وجوب الإقامة فى الفرائض.

و صلّى المقلّد بلا اقامة تقليدا للثانى و من دون سورة تقليدا للأوّل، فلا اشكال فى‌


صفحه 316

المسألتين و تبعّض التّقليد فيهما.

التبعيض و لزوم المخالفة القطعيّة:

و امّا اذا كان يلزم من تقليدهما فى المسألتين العلم بالمخالفة القطعية، فالوجه هنا عدم الجواز. كما لو ترك الظّهر على فتوى من يقول بوجوب الجمعة، و ترك الجمعة على فتوى من يقول بوجوب الظهر، فيلزم من ترك الظهر و الجمعة، العلم بترك الواجب يقينا.

التبعيض فى مسئلة واحدة:

و امّا التبعيض فى مسئلة واحدة، فهو مثل ما كان يعامل معاملة الطهارة مع النصارى بفتوى من يقول بطهارة اهل الكتاب، و يعامل معاملة النجاسة مع اليهود على قول من يقول بنجاسة اهل الكتاب، فيعلم المخالفة القطعيّة فى احد هذين الصورتين فى مسئلة واحدة، فلا يجوز.

التّبعيض فى واقعة واحدة:

و هذا غير معقول تصوّره جدّا، نعم المعقول المتصوّر فيها هو التّقليد من احد ثمّ العدول الى فتوى مجتهد آخر، و قد عرفت الجواز فيها سابقا.

ترجيح الأعدل و الأورع:

و امّا الترجيح بين الأعدل و غيره او الأورع و غيره فى هذه الصورة مع التساوى فى العلم و الاجتهاد، فقد وقع الكلام فيما سبق و مضى بحثه. و الوجه فيه الاحتياط فى ترجيح الأعدل و الأورع. و قد افتى جماعة بذلك على ما قيل.