فمن قال بعدم وجوب الفحص فى الصّور المتقدّمة، فهو فى هذين الصّورتين، يجب عليه ان يقول به بالأولويّة، لانّه فى الصور السابقة، امّا ان يكون عالما بالاختلاف، او كان عالما بالتفاضل، امّا فى المقام لا علم له باحدهما اصلا خصوصا فى صورة عدم احتمال وجود مجتهد آخر غير ما علمه العامى.
لانّ السيرة على عدم الرجوع الى غيره، لعدم احتمال وجوده، كما ترى عدم الفحص عن طبيب آخر اذا لم يحتمل وجوده غير ما عرفه فى المحل.
و نحن ايضا يمكننا ان ندّعى السيرة على عدم الفحص فيها، و ان قلنا بوجوبه فيما سبق.
الإنصاف هو التّعيين هنا:
و لكن الإنصاف هو القول بالتّعيين هنا ايضا، لقضاء الفطرة على ذلك، و عدم طريق احتجاج العبد اذا اخذ فتوى احدهما. او من باب القول باستقلال العقل بوجوب الرجوع اليه، و لو لم يكن من باب التّعيين و التّخيير المصطلح كما اخترناه.
و حيث يحتمل وجود الأعلم، فيحتمل عدم حجيّة فتوى المفضول فلا بدّ من الفحص.
و نقول ايضا انّ دعوى السيرة هنا ممنوعة، لانّ العامى انّ لم يحتمل مجتهدا آخر، فلا كلام لنا فيه.
و امّا اذا احتمل، فيحكم فطرته بالرجوع اليه بعد الفحص، و لا سيرة هنا على تركه لانّ الحاكم به عقله، فلا مجال للسيرة، و أنسه بمجتهد محلّه لا يمنع عن هذه الفطرة و حكم العقل.
الأمر الثانى:
و هو التفاضل فى الأعلميّة و الاتّحاد فى الفتوى.
فهل يجب على العامى، تعيين من يستند الى فتواه بالخصوص، او يجوز له الاستناد
الى كليهما، او الى الجنس المفتى المجتهد. او لا يجب عليه التّعيين بوجه من الوجوه، فيكفى مجرّد مطابقة عمله لفتاواهم.
فيه وجوه و احتمالات:
و المفروض هنا حجيّة الفتوى من المفتى، و إتيان العمل على طبق الفتوى فيكفى.
و ليس المقام مثل صورة الاختلاف بين المجتهدين الّتى لا بدّ فيها من الفحص و الأخذ بالأعلم، ليصير حجّة للعامىّ فى عمله.
الفرق بين الموضوعيّة و الطريقيّة الفتوى:
فربّما يظهر من بعض كلمات القوم، الفرق بين كون الحجيّة من باب الموضوعيّة، او كونها من باب الطريقيّة، على التفصيل الماضى.
فعلى الأوّل يجب الاستناد الى فتوى احدهما، لاحتمال دخل ذلك فى المصلحة الّتى تحدّث بمجرّد الفتوى و رأى المجتهد على الموضوع.
و امّا على الثانى، فمن حيث انّ المدار يكون على الواقع و وجود المصلحة فيه، و لا يكون للاستناد دخل فيه، فلا يجب الاستناد الى الفتوى من احدهما، بل الواجب هو إتيان نفس العمل مطابقا للواقع و يكون الفتوى مثل الخبر دليلا على الواقع.
فكما انّه لا يجب العمل به بعنوان انّه اخبر به فكذلك لا يجب العمل على طبق الفتوى بعنوان انّها صدرت عن المجتهد الخاصّ.
لزوم تطبيق العمل على رأى المجتهد:
لكن يمكن ان يقال انّ اللازم هو تطبيق العمل على رأى المجتهد قصدا، و انّه المفتى فى ذلك الحكم، حتّى بناء على الطريقيّة ايضا او على الموضوعيّة.
و يظهر ذلك من كلام الشّيخ الأعظم الأنصارى(قدّه)ايضا، لانّ متعلّق الفتوى، بصرف كونه مفتى به، يمكن ان يكون ذا مصلحة، و لا دخل للاستناد فى وجود هذه
المصلحة، ضرورة انّ المتعلّق يكون هو المفتى به على اىّ تقدير.
على فرض وجوب الاستناد لا بدّ من التعيين:
ثمّ على فرض القول بوجوب الاستناد، لا بدّ من تعيين المفتى الّذى يستند اليه، و لا يكفى قصد احدهم بنحو المطلق او بعنوان صدق الكلّى عليه بنحو الجنس، لعدم المصداق لهذا العنوان المردّد. لأنّ المردّد بما هو مردّد لا واقع له ماهيّة و لا وجودا كما هو المقرّر فى محلّه.
لا يمكن قصد المجموع من المفتين:
و لا يمكن قصد المجموع من حيث هو المجموع ايضا، لأنّ المفروض، أنّ فتوى كلّ واحد منهم حجّة على حدة، و القصد بالمجموع يوجب خلف الفرض، لأنّ لازمه ان يكون فتوى كلّ واحد منهم جزء الحجّة مع انّه ليس كذلك.
و عمل العامى، و ان كان صحيحا اذا طابق الواقع، الّا انّه على فرض دخل الاستناد، فصحّته غير ممكن الاحتجاج به عند المولى، فلا بدّ من تعيين المفتى، حتّى يمكن الاحتجاج به فى تطبيق العمل على مقتضى فتواه.
حاصل الكلام:
فتحصّل الكلام انّه لا يجب التّعيين على الموضوعيّة و على الطريقيّة، و على فرضه لا بدّ من الاستناد الى شخص خاصّ معيّن من المجتهدين، لا الواحد المردّد، و لا المجموع من حيث هو المجموع.
فالمختار انّه لا يجب التّعيين فى كلا الصورتين و ان كان التّعيين لا اشكال عليه.
الأمر الثالث الأورعيّة:
التفاضل فى الأورعيّة بين المجتهدين. و هو انّه اذا لم يكن التفاضل بين المجتهدين
من حيث العلم و الاستنباط، و لكن يكون التفاضل بينهم فى الأورعيّة، بمعنى ان احدهم أورع حالا بالنسبة الى الغير.
فهل يجب فى هذه الصورة تقليد الأورع و يتعيّن هو، ام لا يجب ذلك؟
و قد وقع خلاف النظر بين الأعلام.
فربّما يقال بوجوب تقليد الأورع كما عن السيّد، و هو المشهور، لأنّ الأمر يدور بين التّعيين و التّخيير، و العقل يحكم بوجوب الأخذ بالأورع و انّه هو المتعيّن و به يحصل البراءة اليقينيّة، لانّ الاشتغال اليقينى يلازم تحصيل البراءة اليقينية.
الملاك الأصيل هو الأعلميّة:
و قد اجيب عنه بانّ ما هو دخيل فى الحجيّة هو العلم و الأعلميّة لا كل وصف كذلك، لأنّ الاقربية الى الواقع تحصّل بواسطة الأعلميّة بالاستنباط، و تكفينا فى الوصول الى النتيجة، امّا الأورعيّة و ان كان فى نفسه فضيلة، و لكن لا ربط له بالمقام، من حيث دخله الى الواقع.
و بعبارة أخرى، انّ بعد شرطية العدالة فى المفتى، و عدم حجيّة قول غير العادل، فلا دخل للأعدليّة فى المقام بانّ صاحبه هو ذا منصب جديد كذلك.
لانّ أصل العدالة شرط خارج عن عنوان الأقربيّة الى الواقع، و شرطيّتها من جهة عدم لياقة فاقد العدالة لمنصب الفتوى فى الشريعة.
و امّا الأعدليّة او الأورعيّة فهى عنوان زائد عن شرائط الفتوى الّتى منها العدالة.
الملاك فى الأورع:
فان قلت إنّ الأورع ربّما يتفحّص ازيد من غيره، لأنّ مقتضى الأورعيّة ملاحظة حكم اللّه تعالى بنحو اضبط و ادقّ.
الجواب من هذا القول:
قلت: هذا الكلام يكون فى صورة احراز غيره من المفتى الأورع الأعلم ايضا، و يتفحّص عن الأدلّة بمقدار الّذى لا بدّ منه للوصول الى الواقع، بل ازيد تحقيقا ايضا، فى مقابل المفتى الغير الأعلم الّذى لم يكن كذلك، او غير العادل الّذى لا يكون فى هذا الشأن.
فالملاك فى المقام هو المجتهد العادل الّذى يكون أعلم من غيره بالنسبة الى الاستنباط فى دليل الحكم، و الاطّلاع بالأدلّة، و قوله حجّة للعامى فى العمل على طبقه.
الأورعيّة لها مزيد اعتبار:
و امّا الأورعيّة و ان كان لها مزيد اعتبار فى وثوقه، لكن لا دخل لها بالنسبة الى كشف الواقع و حكم المسألة على ما هو عليه.
الكلام فى الأوثقية و الأورعيّة:
إلّا ان يقال بانّ الاوثقيّة و الأورعيّة لها دخل فى المراجعة الى الخبرة، و ذلك بناء العقلاء فى مهامّ الأمور، خاصّة فى الأمور الدينيّة من المتشرّعين، لانّ المؤمن ليس له شىء اهمّ من دينه، فلا بدّ من الرجوع الى الأورع لأنّه هو الأوثق فى الدّين.
فيدلّ البناء المذكور كذلك على وجوب الرجوع الى الأورع لو لم نقل بانّ اطلاق مقبولة عمر بن حنظلة و نحوها من الرجوع الى الأفقه، يشمل، حتّى صورة كون غير الأورع هو اعدل.
و الّا فلا وجه للتمسّك بهذا البناء، لأنّه حجّة ما لم يثبت ردع عنه، و إطلاق المقبولة يكون ردعا عنه.
هذا كلّه على المبنى الطريقيّة فى الفتوى، امّا على الموضوعيّة، فيمكن القول بانّ جميع الأوصاف من الأعلميّة و الأورعيّة دخيلة فى المصلحة الموضوعيّة، فلا بدّ من الرجوع الى الأورع.
الأمر الرابع:
الدّوران بين الأعلميّة و الأورعيّة.
فيما اذا دار الأمر بين الأعلم و الأورع الغير الأعلم مع اختلاف الفتوى، فيكون الاتّفاق على وجوب تقدّم الاعلم.
و السرّ فى ذلك هو انّ هذا الدّوران اذا كان بين الأعلم الأورع، و بين الأعلم، فالأورع مقدّم، بعد فرض التساوى بينهما فى العلم و الاجتهاد، و امّا اذا كان الاورع غير الأعلم، فمعلوم من انّ ما هو دخيل فى الحجيّة و الأقربيّة الى الواقع هو مهارة الفقيه فى الاجتهاد لا مجرّد الأورعيّة.
و ما يتوهّم من التهافت بين القول بالرجوع الى الأورع فى الفرع السابق، و عدم الرجوع اليه فى هذا الفرع، لا وجه له. لما ذكرنا من عدم دخل الورع فى الحجية بخلاف الأعلميّة، فانّها دخيلة فيها جدّا و غير الأعلم فتواه ليس بحجّة شرعا، فلا تعارض بينهما. فالمتعيّن هو الرجوع الى الأعلم فى هذا الفرع ايضا لا الأورع الغير الأعلم.
الأمر الخامس:
ارجاع الأعلم الى غيره.
و هو انّ الأعلم هل يجوز له ارجاع مقلّديه الى المجتهد الغير الأعلم، ام لا.
و عن الشّيخ الأعظم عن بعض معاصريه، القول بعدم جواز الارجاع، و الجواب عنه بان الكلام ان كان فى جواز إفتائه، فلا وجه لمنعه، لانّه يفتى حسب ما أدّى اليه رأيه و نظره العلمية بمقتضى الدليل الشرعى.
و ان كان الكلام هو صحّة عمل المقلّد، فهى ايضا لا اشكال فيها بعد جواز التّقليد و علم المقلّد بجوازه فى هذه المسألة بعد الرجوع الى الأعلم و العمل برأيه.
استدلال الشّيخ للتخيير:
و قد استدلّ الشّيخ الأعظم فى صحّة التّقليد من المفضول فى هذا الفرض، بعموم ادلّة جوازه، و بعلم المقلّد الى كون التّقليد مركوزا فى ذهنه من باب لزوم الرجوع من الجاهل الى العالم، انتهى.
تقليد الأعلم من باب الاحتياط:
و تنقيح الكلام هو انّ وجوب التّقليد من الأعلم ليس مثل اصل التّقليد فى قضاء الفطرة به جزما، بل يكون من باب الاحتياط، ضرورة انّ المكلّف جازم بوجوب رجوع الجاهل الى العالم و لا شك له فيه.
و أمّا قضاء فطرته بالرجوع الى الأعلم فيكون من باب انّ الوصول الى الواقع الّذى يكون فى ذمّته، لا يحصل الجزم بالفراغ منه الّا بهذا الطريق، يعنى تقليد الاعلم.
وجوب الرجوع الى من يكون رأيه يبرئ ذمّته:
فحينئذ يرى نفسه بين التّعيين و التّخيير، و لا سبيل له الى الجزم باحد الأطراف، فيحكم بوجوب الرجوع الى من يوجب العمل على طبق نظره حتّى يبرئ ذمّته، و هو الرجوع الى الأعلم. فاذا رجع الى الأعلم، و هو أفتى بعدم وجوب الرجوع الى الأعلم، يحصل للعامى العلم بعدم لزوم هذا الاحتياط حسب الدليل، فلا يلزم من ذلك، مناقضة الفطرة فى لزوم تقليد الاعلم.
التّحقيق عندنا:
و التّحقيق عندنا هو انّ حكم العقل و الفطرة من وجوب الرجوع الى الأعلم، هو من باب الاحتياط لا من باب اصل الجزم بالواقع.
فليس هو مثل اصل وجوب التّقليد من الأعلم من جهة الجزم بوجوب الرجوع الى
العالم فلا يرد و عليه الإشكال.
لا يجوز للاعلم ارجاع الاحتياط الى المفضول:
نعم وجود الإشكال من جهة أخرى و هو انّ الأعلم لا يجوز له ارجاع احتياطاته الى المفضول، فضلا عن ارجاعه فى المسائل الّتى يكون له الفتوى فيه.
لانّ الأعلم يرى المفضول جاهلا فيما خالف نظره فكيف يجوز له ارجاع احتياطه اليه.
حاصل الكلام:
فتحصّل انّ العامى لا يجوز له الرجوع الى المفضول، بل يجب عليه ان يقلّد الأعلم، لأقربيّة فتواه الى الواقع الّذى هو المكلّف به و اشتغل ذمّته اليه، حتّى يكون الاشتغال اليقينى مستلزما للفراغ اليقينى، و لا يحصل ذلك الّا بالرجوع الى الأعلم العادل.
و الأوثقيّة، و الأورعيّة، و الاعدلية كلّها لا تكون لها دخل فى اصل الكشف و الوصول الى الواقع المكلّف به. لكن لها مزيد اعتبار مع الأعلميّة.
و ان كانت لها اعتبارات خاصّة فى بعض المواضع على التفصيل الّذى ذكرناه.