بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 329

الأمر الرابع:

الدّوران بين الأعلميّة و الأورعيّة.

فيما اذا دار الأمر بين الأعلم و الأورع الغير الأعلم مع اختلاف الفتوى، فيكون الاتّفاق على وجوب تقدّم الاعلم.

و السرّ فى ذلك هو انّ هذا الدّوران اذا كان بين الأعلم الأورع، و بين الأعلم، فالأورع مقدّم، بعد فرض التساوى بينهما فى العلم و الاجتهاد، و امّا اذا كان الاورع غير الأعلم، فمعلوم من انّ ما هو دخيل فى الحجيّة و الأقربيّة الى الواقع هو مهارة الفقيه فى الاجتهاد لا مجرّد الأورعيّة.

و ما يتوهّم من التهافت بين القول بالرجوع الى الأورع فى الفرع السابق، و عدم الرجوع اليه فى هذا الفرع، لا وجه له. لما ذكرنا من عدم دخل الورع فى الحجية بخلاف الأعلميّة، فانّها دخيلة فيها جدّا و غير الأعلم فتواه ليس بحجّة شرعا، فلا تعارض بينهما. فالمتعيّن هو الرجوع الى الأعلم فى هذا الفرع ايضا لا الأورع الغير الأعلم.

الأمر الخامس:

ارجاع الأعلم الى غيره.

و هو انّ الأعلم هل يجوز له ارجاع مقلّديه الى المجتهد الغير الأعلم، ام لا.

و عن الشّيخ الأعظم عن بعض معاصريه، القول بعدم جواز الارجاع، و الجواب عنه بان الكلام ان كان فى جواز إفتائه، فلا وجه لمنعه، لانّه يفتى حسب ما أدّى اليه رأيه و نظره العلمية بمقتضى الدليل الشرعى.

و ان كان الكلام هو صحّة عمل المقلّد، فهى ايضا لا اشكال فيها بعد جواز التّقليد و علم المقلّد بجوازه فى هذه المسألة بعد الرجوع الى الأعلم و العمل برأيه.


صفحه 330

استدلال الشّيخ للتخيير:

و قد استدلّ الشّيخ الأعظم فى صحّة التّقليد من المفضول فى هذا الفرض، بعموم ادلّة جوازه، و بعلم المقلّد الى كون التّقليد مركوزا فى ذهنه من باب لزوم الرجوع من الجاهل الى العالم، انتهى.

تقليد الأعلم من باب الاحتياط:

و تنقيح الكلام هو انّ وجوب التّقليد من الأعلم ليس مثل اصل التّقليد فى قضاء الفطرة به جزما، بل يكون من باب الاحتياط، ضرورة انّ المكلّف جازم بوجوب رجوع الجاهل الى العالم و لا شك له فيه.

و أمّا قضاء فطرته بالرجوع الى الأعلم فيكون من باب انّ الوصول الى الواقع الّذى يكون فى ذمّته، لا يحصل الجزم بالفراغ منه الّا بهذا الطريق، يعنى تقليد الاعلم.

وجوب الرجوع الى من يكون رأيه يبرئ ذمّته:

فحينئذ يرى نفسه بين التّعيين و التّخيير، و لا سبيل له الى الجزم باحد الأطراف، فيحكم بوجوب الرجوع الى من يوجب العمل على طبق نظره حتّى يبرئ ذمّته، و هو الرجوع الى الأعلم. فاذا رجع الى الأعلم، و هو أفتى بعدم وجوب الرجوع الى الأعلم، يحصل للعامى العلم بعدم لزوم هذا الاحتياط حسب الدليل، فلا يلزم من ذلك، مناقضة الفطرة فى لزوم تقليد الاعلم.

التّحقيق عندنا:

و التّحقيق عندنا هو انّ حكم العقل و الفطرة من وجوب الرجوع الى الأعلم، هو من باب الاحتياط لا من باب اصل الجزم بالواقع.

فليس هو مثل اصل وجوب التّقليد من الأعلم من جهة الجزم بوجوب الرجوع الى‌


صفحه 331

العالم فلا يرد و عليه الإشكال.

لا يجوز للاعلم ارجاع الاحتياط الى المفضول:

نعم وجود الإشكال من جهة أخرى و هو انّ الأعلم لا يجوز له ارجاع احتياطاته الى المفضول، فضلا عن ارجاعه فى المسائل الّتى يكون له الفتوى فيه.

لانّ الأعلم يرى المفضول جاهلا فيما خالف نظره فكيف يجوز له ارجاع احتياطه اليه.

حاصل الكلام:

فتحصّل انّ العامى لا يجوز له الرجوع الى المفضول، بل يجب عليه ان يقلّد الأعلم، لأقربيّة فتواه الى الواقع الّذى هو المكلّف به و اشتغل ذمّته اليه، حتّى يكون الاشتغال اليقينى مستلزما للفراغ اليقينى، و لا يحصل ذلك الّا بالرجوع الى الأعلم العادل.

و الأوثقيّة، و الأورعيّة، و الاعدلية كلّها لا تكون لها دخل فى اصل الكشف و الوصول الى الواقع المكلّف به. لكن لها مزيد اعتبار مع الأعلميّة.

و ان كانت لها اعتبارات خاصّة فى بعض المواضع على التفصيل الّذى ذكرناه.


صفحه 332

فى شرائط المجتهد المفتى‌

شرائط المفتى:

القول هنا فى بيان شرائط المجتهد المفتى الّذى يكون مرجعا دينيّا للمقلّد العامى فى اخذ الفتوى منه.

الأوصاف و الشرائط للمفتى المجتهد:

و قد ذكروا القوم اوصافا متعدّدة له مثل البلوغ و العقل و الإسلام و الإيمان و العدالة و طهارة المولد و الرجوليّة و غير ذلك، من الأوصاف و الشرائط اللازمة، و هو الحقّ عندنا.

لزوم الأوصاف فى المفتى:

لانّ المقلّد كلّما شكّ فى وظيفته بين التّعيين و التّخيير، فلا بدّ له من اختيار التّعيين و الرجوع الى المرجع الدّينى الّذى هو الجامع للصّفات و الشرائط اللازمة و يعيّن ذلك من دون غيره ممّن هو الفاقد للشرائط او بعضها للشكّ فى جواز الأخذ بفتواه.

و قبل التّحقيق فى بيان اشخاص هذه الأوصاف و كيفيّة الاستدلال بها، يجب بيان الوصفين اللازمين للمفتى اجماعا، و هما الاجتهاد، و الوثاقة فى الدّين فنقول: قد اتّفق العقل و النقل على اعتبار الوصفين فيه احدهما الاجتهاد الفعلى، و ثانيهما الوثوق به و بخبره.


صفحه 333

لزوم الاجتهاد الفعلى للمفتى:

امّا الاجتهاد فعلا، لانّه لا يكفى مجرّد حصول الملكة فى الاجتهاد بالقوّة، بل يجب فعليّا، لأنّ صدق مفاهيم العالم و الراوى للحديث و اهل الذكر و غيرها من العناوين الواردة فى لسان الشرع، كلّها متقوّم بالاجتهاد الفعلى، و عدم صدق عنوان المتخصّص و الخبرة و نحوهما من العناوين الجارية عند العقلاء، على من لم يتّخذ رأيا بالفعل، فمن لم يحصل له الاجتهاد الفعلى فى الأحكام بمقدار يعتدّ به حتّى يصدّق قوله فعلا، لا يجوز الرجوع اليه و التّقليد منه.

الوثوق بقول المفتى:

و امّا الوثوق بخبره عن رأيه، فلأنّ حجيّة الخبر شرعا و عقلا موقوفة على الوثوق به، و العقلاء لا يعتمدون على خبر من لا يحصل الوثوق بقوله.

ثمّ انّ القوم بعد اشتراط وجود هذين الوصفين للمفتى، قالوا باعتبار اوصاف عديدة أخرى زائدة على ذلك.

الأصل الأوّلى:

و انّ الأصل الأولى فى المقام حاكم باعتبار كلّ وصف فى المفتى عند الشكّ فى اعتباره، فانّ رأى المفتى الفاقد لذلك الشرط، مشكوك الحجيّة، فكيف يصحّ الاحتجاج عند العقلاء بامر من لم يثبت صحّة الاحتجاج به؟

فاذا تقرّر للمجتهد المفتى، يكون احدهما واجدا للوصف، و الآخر فاقدا له، يدور الأمر بين التّعيين و التّخيير فى الحجيّة.

فيكون المفتى الواجد له معلوم الحجيّة و الآخر مشكوك الحجيّة تسقط عن الاعتبار، و المتعيّن هو القدم. هذا بمقتضى الأصل الأوّلى فى المقام.


صفحه 334

الأصل الثانوى:

امّا بمقتضى الأصل الثانوى المقدّم على الأولى. هو انّ الأصل الثانوى حاكم بعدم اعتبار كلّ وصف وقع الشكّ فى اعتباره فى المفتى، اذا كانت السيرة العقلائية قائمة على عدم اعتباره فى الخبراء و المتخصّصين. و اذا كانت الإطلاقات الواردة فى لسان الدليل صالحة للصّدق على المفتى بدون ذلك الشرط، فالأصل عدم اعتباره.

نعم لو كان الصدق مشكوكا، فلا يجوز تقليد مثله، لبقائه تحت الأصل الأوّلى. لعدم خروجه عنه فيلزم اعتبار ذلك الوصف حتّى تمّت الحجيّة فى فتواه. هذا تمام الكلام فى بيان الأصل الأولى و الأصل الثانوى فى المقام.

تفسير الأوصاف اللازمة:

و امّا تفسير الأوصاف اللازمة المتعدّدة فى المجتهد المفتى فنقول:

1- البلوغ:

و هذا الوصف من احد الأوصاف المعتبرة فى المفتى، قد ذكروها اجماعا، و ظاهر كلام الشيخ الأعظم(قدّه)فى رسالته انّه من المسلّمات و لا شكّ فيه.

و مورد البحث هنا، غير البالغ الّذى يحصل الوثوق بصحّة اجتهاده و خبره.

كلام صاحب الفصول:

قال صاحب الفصول؛ انّه لا عبرة بفتوى الصّبى المميّز، لعدم شمول الأدلّة له، و لانّه لا تقبل روايته، فلا تقبل فتواه بطريق اولى. و قيل انّ مراده(قدّه)، من عدم شمول الأدلّة، انصرافها عن الصّبى غالبا.

و الجواب عن كلام صاحب الفصول:

و من المعلوم عدم انصرافها عن الصّبى بالمعنى الّذى ذكرناه فكيف لا تشمل‌


صفحه 335

العناوين عليه، مع انّ سيرة العقلاء قائمة على الرجوع الى الصبيان المميّزون الخبراء، بل يحوّلون المسئولية اليه اذا كانون موثّقين فى آرائهم و اخبارهم، و كم له من نظير.

و استبعاد ان يكون المقلّد للمسلمين صبيّا مراهقا ممّا لا وقع له، اذا كان واجدا للشرائط.

و كيف تحقّق من الأنبياء و الأوصياء(عليهم السلام)، و من بلغ مرتبة النبوّة و الإمامة، و هو فى حال صغر سنّه.

فاذا لم تكن العبادة منافية للنبوّة و الإمامة فلا تكون منافية للمرجعيّة فى الأحكام الدينيّة اذا كان عالما موثوقا به.

و لم نستفد من الشارع المنع من ذلك، و ان تصدّى الغير البالغ للافتاء و مصدر للاحكام، امر مرغوب عنه فى الشريعة.

و امّا عدم قبول روايات الصّبى المميّز، فهو ممنوع ايضا ان كانت تفيد الوثوق، و ان لم تفد الوثوق، فعدم قبولها مشترك، مع الخبر البالغ الغير الموثوق به.

ثمّ انّه، لم يثبت اجماع على عدم جواز تقليد الصبى العالم المميّز.

و على فرض التسليم فى ثبوته، فهو غير تعبّدى، لأنّ المسألة ممّا للعقل فيها سبيل.

و على المتيقّن منه هو الصّبى الّذى لم يوثّق باجتهاده و قوله.

و امّا قوله(ع)فى رواية ابى خديجة: انظروا الى رجل منكم ... الحديث. فغير مفيد لتقيّد الإطلاقات الواردة، لاحتمال كون التعبير بالرجل من باب المثال او كونه مورد الغالب. مع انّها واردة فى باب القضاء، لا فى باب الإفتاء، و اشتراط الوصف فى القضاء، لا يوجب اشتراطه فى المفتى، لأنّ قبول حكم القاضى فى منصب القضاوة و فصل الخصومة، قد يحتاج الى وجود وصف فيه ما لم يلزم فى غيره.

فانّ الرجوع الى القاضى فى حال النزاع و الخصومة و اشتداد الغضب، بخلاف صورة الرجوع الى المفتى فانّه فى حال الانقياد و التسليم. و لم يدلّ على اتّحاد القاضى و المفتى فى جميع الأوصاف.


صفحه 336

و امّا قوله(ع): صائنا لنفسه ... الحديث.

فانّه و ان كان المتبادر منه المفروض فى الكلام هو كون المفتى بالغا مكلّفا، لكنّه فرض ضعيف، لاحتمال وروده مورد الغالب، فإنّ جلّ المفتين مكلّفون بالغون.

و امّا ما ورد فى قوله(ع): عمد الصبى و خطأه واحد، بتقريب أنّ المستفاد منه الغاء آثار افعال الصبىّ و اقواله و منها آراؤه و افتاءاته، فلا حجيّة لقوله و رأيه.

فهو اجنبىّ عن محلّ الكلام لأنّ المقسم بين العمد و الخطأ فى الرواية، ليس بمطلق الأفعال، بل المقسم هو الفعل الّذى يختلف حكمه الشرعى حال صدوره خطأ عن حال صدوره عمدا، كالجنايات، فإنّ حكم القتل خطأ مثلا، فالدّية على العاقلة، فيدلّ الحديث انّ دية قتل الصبى على عاقلته، كما يدلّ عليها النصّ، فلا اطلاق له، حتّى يشمل جميع ما صدر عن الصبىّ من الأفعال و الأقوال و الآراء.

البلوغ شرط للمرجع المفتى:

ثمّ إنّ البلوغ على فرض تسليم اشتراطه فى المفتى، هل هو وصف للمرجع المفتى او هو وصف لزمان الاجتهاد؟

الأوّل اظهر، لدلالة قوله(ع): فاصمدا فى دينكما على كلّ مسنّ فى حبّنا و كلّ كثير القدم فى امرنا، لكن احتمال جعل الوصفين فى الحديث طريقا الى حصول الوثوق بتشيّعه و معرفة علومهم(عليهم السلام)، قوى لا دافع له.

التّحقيق عندنا:

و امّا على ما هو التّحقيق عندنا.

انّه ليس الدّليل بناء العقلاء على ما مرّ بل يكون سند الحكم هو الدّوران بين التّعيين و التّخيير، و حكم العقل من جهة اشتغال اليقينى بالتكليف و عدم حصول البراءة منه، الّا بالرجوع الى مجمع الصفات الّتى منها البلوغ. و على فرض الشكّ فالأصل عندنا التّعيين لا الرجوع الى بناء العقلاء و هذا من جهة فقه المسألة.