تعدّيتهم، أخذت دينك من الخائنين الّذين خانوا اللّه و رسوله، و خانوا اماناتهم، انّهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه، و بدّلوه[1]. و قد ورد اخبار كثيرة بهذه المضمون الّذى عرفته من هذه الرواية.
تحقيقنا فى نقل الاجتماع:
فنقول: اما الإجماع فليس هو من الاجماعات التعبّدية حتّى يستكشف من قول المعصوم(ع)الّذى هو الحجّة لاحتمال ان يكون مستندا الى الوجوه الّتى ذكرها القوم.
و لو سلّم تعبّديته، يكون المتيقّن منه هو غير الإمامى الّذى يستنبط الحكم على خلاف مذهب اهل البيت(ع).
تحقيقنا فى الروايات الواردة:
و امّا مكاتبة ابن سويد، فالمستفاد من التعليل فيها هو عدم جواز اخذ الفتوى عن غير الشيعة من جهة الخيانة الى اللّه و الى رسوله، و لتحريف كتاب اللّه و تبديله.
فلو لم يكن كذلك، بان كان اجتهاده على طرق الكتاب و السنّة و مذهب اهل البيت(ع)، فاين ذلك هو التحريف و التبديل؟
فانّ الظاهر منها انّ للتحريف و التبديل دخلا فى اجتهادهم، و لذلك نقول بانّه لا يجوز تقليد المفتى الإمامى الّذى لم يستنبط على طريق مذهب اهل البيت(عليهم السلام).
و مثل هذه المكاتبة، قوله(عليه السلام)فى مكاتبة ابنى حاتم، قال(ع): فاصمدا فى دينكما على كل مسنّ فى حبّنا، و كلّ كثير القدم فى امرنا[2].
فان الاعتبار بطول المقام فى حبّهم و بكثرة القدم فى امرهم، انّما هو يشعر الى جهة المعرفة بمذهبهم(عليهم السلام)و كثرة الاطّلاع على اصوله و فروعه.
[1]- وسائل الشيعة ج 27/ 150.
[2]- وسائل الشيعة ج 27/ 151.
و مثل ذلك خبر الحرث ايضا، فانّهم(عليهم السلام)لا يرخّصون الرجوع الى غير مذهبهم.
و كذا مثل هذه الاخبار، النصوص الواردة فى باب القضاء، فانّه لا بائس بالقول بدلالتها على عدم جواز الرجوع الى غير القاضى الإمامى، من جهة انّه لا يقضى على موازين القضاء لمذهب اهل البيت(عليهم السلام).
حكم السيرة العقلائية هنا:
ثمّ انّ سيرة العقلاء قائمة على جواز الرجوع الى الفقيه الغير الإمامى، اذا أفتى بمذهب اهل البيت(ع)، و لم يصل من الشارع ردع عن هذه السيرة.
مثل الراوى لحديثهم، و العارف باحكامهم او من اهل الذّكر يعرف مواضع الأحكام، كلّها، تعم الفقيه غير الإمامى ايضا.
فهو عنوان عام شامل لكلّ من له معرفة بالدّين و معرفة بالمذهب على طريق اهل البيت(ع).
وجود الإجماع على العمل بخبر الموثّق:
و ممّا يدلّ على جواز الرجوع الى فقيه غير الإمامى، اجماع الطائفة على العمل بالأحاديث الموثّقة، و المقصود من الخبر الموثّق فى اصطلاحهم، ان يكون الراوى له عادلا غير الإمامى، فاذا كان قوله حجّة فى حكايته لفظ الحديث عنهم(عليهم السلام)، فهو حجّة فى حكاية معافى الفاظهم ايضا.
فانّ العقل لا يرى مزية فى حكاية اللفظ دون المعنى، و كذا لا يرى فرقا بين حكاية اللفظ الشامل للحكم و بين حكاية نفس الحكم بالفتوى.
النقل بالمعنى:
و مضافا على ذلك، ان النقل بالمعنى فى الاخبار الموثّقة ليس بقليلة، و الشاهد على ذلك وجود الموثّقات عن عمار الساباطى. و حينئذ لا بأس بدعوى دخول النقل
بالمعنى فى معقد الإجماع.
حاصل الكلام:
فالمتحصّل من الكلام، انّه لم يدلّ دليل لفظىّ معتبر على شرطيّة الإيمان فى المفتى المجتهد بل مقتضى اطلاق الأدلّة و كذا السيرة العقلائية على عدم الاعتبار، لأنّ حجيّة الفتوى فى الأدلّة اللفظية غير مقيّدة بالإيمان، كما انّ السيرة جارية على الرجوع الى العالم بالأحكام مطلقا، سواء كان واجدا الايمان و الإسلام، ام لا يكن.
و هذا قد يتراءى من سيرتهم بوضوح، لانّهم يراجعون الى الاطباء و المهندسين او غيرهم من اهل الخبرة فى الفن و الاطّلاع عليه، و لو مع العلم بكفرهم.
لزوم اعتبار الإيمان و الإسلام:
هذا: و لكن مع ذلك كلّه، لا ينبغى التردّد فى اعتبار الإسلام و الإيمان فى المفتى المجتهد الدينى حدوثا و بقاء، لانّ هذا المنصب، منصب دينى اسلامى و يدور مجارى الأمور عليه و بيده، فيلزم انّه ممّن يصلح للوثوق فى هذا المنصب، فيجب ان يكون من اهل الإيمان و الوثاقة لدى اهل البيت(عليهم السلام)و شيعتهم.
فالإيمان شرط لازم للمفتى الدّينى، كما انّ الإسلام شرط لازم له.
5- الرجوليّة:
و من الأوصاف للمفتى الرجوليّة.
اشتراط الرجوليّة فى المفتى:
و استدلّوا على عدم جواز الرجوع الى المرأة فى التّقليد، برواية ابى خديجة، انّه قال، قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(ع): إيّاكم ان يحاكم بعضكم الى اهل الجور و
لكن انظروا الى رجل منكم يعلم من احاديثنا[1]. لدلالتها على اعتبار الرجولية صريحا فى باب القضاء، و من المعلوم انّ منصب الإفتاء لو لم يكن اعلى من منصب القضاء، فلا اقلّ من انّهما متساويان، و القضاء حكم فى واقعة شخصيّة، و الإفتاء حكم كلّى لعامّة المسلمين.
الإيراد فى فهم الرواية:
و لكن يرد عليه بانّ عنوان الرجل فى الرواية انّما هو من جهة التقابل و الرجوع الى اهل الجور و احكامهم، فأخذ عنوان الرجوليّة من باب الغلبة فلا يكون فيه جهة من التعبّد و الحصر، فلا دلالة للرواية على شرطيّة الرجوليّة لا فى باب القضاء و لا فى الإفتاء.
عدم اشتراط الرجوليّة فى الإفتاء:
و لو سلّمنا فى باب القضاء، لكن لا دلالة لها فى باب الإفتاء، لانّه لم يقم دليل على التلازم بينهما ليعتبر فى كلّ واحد منهما ما اعتبر فى الآخر.
بل و حال الإفتاء مثل حال نقل الرواية فى عدم لزوم كون الراوى رجلا، و لذا يستدلّ على حجيّة الفتوى بادلّة حجيّة الخبر.
الشاهد على عدم الاشتراط:
و يشهد لذلك اى عدم اشتراط الرجولية فى الفتوى، صحيحة عبد الرّحمن بن الحجّاج عن ابى عبد اللّه(عليه السلام)فى حديث، قال، قلت له، انّ معنا صبيّا مولودا فكيف نصنع به؟
فقال(ع): مرّ أمّه تلقى حميدة، فتسألها كيف تصنع بصبيانهم، فأتتها فسألتها كيف
[1]- وسائل الشيعة ج 27/ 13.
تصنع؟ فقالت: اذا كانت كان يوم التروية فاحرموا عنه، و جرّدوه و غسّلوه، كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف، فاذا كان يوم النحر فارموا عنه، و احلقوا رأسه، ثمّ زوروا به البيت، و مري الجارية ان تطوف به بالبيت و بين الصفا و المروة»[1].
الإرجاء الى حميدة لاخذ الفتوى:
فانّ الظاهر من هذه الصحيحة، هو الارجاع الى حميدة، لاخذ الحكم الشرعى عنها فى مقام العمل، لا مجرّد اخذ الحديث عنها، كما انّها لم ترو حديثا لزوجة ابن الحجّاج، بل اخبرتها بالحكم الشرعى و بما يجب عليها ان تصنع فى حجّ ولدها، و الإخبار بالحكم عن مثلها فى هذه الصورة، ليس الّا الإفتاء بالحكم.
الشاهد الآخر للمطلوب:
و هذا شاهد صريح بانّ الرجوليّة ليست من الشرائط للمفتى و لم يقم دليل على اشتراطها، بل مقتضى الإطلاقات و السيرة عدم الفرق بين الرجال و النسوان فى الإفتاء، و بيان الحكم الشرعى اذا كان سائر الشرائط موجودا.
اهل السنّة و جواز التّقليد عن المرأة:
و لذلك انّ اهل السنّة اتّفقوا فى جواز التّقليد عن المرأة، فانّهم يعدّون انّ عائشة أمّ المؤمنين من المفتيات.
و هذا الاتّفاق بمرأى من الائمّة الطاهرين(عليهم السلام)، و لم يصدر عنهم تخطئة على ذلك، و لو صدرت، لوصل الينا قطعا، و ذلك يكشف عن امضائهم له.
عدم جواز تعدّى منصب المرجعيّة للمرأة:
[1]- وسائل الشيعة كتاب الحج ج 17/ 1.
لكن الصّحيح انّ الإفتاء و بيان الحكم الشرعى من المرأة، غير المرجعيّة الدينية، و لا يسوغ عند المتشرّعة فى عصور متمادية من صدر الإسلام الى زماننا هذا، وقوع المرجعية الدينية للمرأة و بانّها هى مرجعا للتقليد عاما للمسلمين.
بل و هذه السيرة المتشرّعة تكون من زمن الائمّة(ع)الى الآن.
المبنى الصحيح عند المتشرّعة:
لأنا قد استفدنا من مذاق الشارع انّ الوظيفة المرغوبة من النساء، هى التحجّب و التستر، دون التّدخل فيما تعرّض للعموم، و الظاهر أنّ تصدّى الإفتاء، و المرجعية العامّة بحسب العادة، يكون جعل النفس معرضا للرجوع لعامّة المسلمين و السؤال و الدخل بالأمور العامّة. و ذلك مقتضى الرئاسة العامّة الدينيّة الاجتماعية.
لا يرضى الشارع بجعل المرأة معرضا:
و من المعلوم انّه لا يرضى الشارع بجعل المرأة نفسها معرضا لهذه الأمور العامّة الاجتماعية و مواجهة للعموم.
كيف و لم يرض الشارع بامامتها جماعة للرجال فى الصلوات الخمسة، فما ظنّك بكونها قائمة بامورهم الاجتماعية و لشئون المسلمين و الزعامة الكبرى فى الدّين.
و على هذا يجوّز المرتكز العرفى القطعى فى اذهان المتشرّعة، يقيّد الإطلاقات الواردة فى المقام و يردع السيرة العقلائية.
يستفاد من تنقيح المناط:
بل قد يستفاد من باب تنقيح المناط، انّ دخل الذّكوريّة فى امام الجماعة و فى القاضى، و عدم جواز تصدّى المرأة فيهما، يستفاد منه الدخل فى مقام الإفتاء ايضا بالمناط، مع انّه اهمّ فى النظر، فلا يجوز تصدّى المرأة لذلك المنصب.
فيجب تصدّى الرجل فى مقام الإفتاء و منصب الإمامة للمسلمين و اشتراط الرجوليّة
فى الزعامة الدينية.
6- الحريّة:
و قد حكى عن جماعة منهم الشهيد الثانى على اعتبار وصف الحريّة للمفتى.
مقتضى الإطلاقات و السيرة:
و قيل بانّ الإطلاقات الواردة فى باب الإفتاء و كذا السيرة العقلائية، حاكمتان بعدم اعتبار هذا الوصف فى الإفتاء.
و العبودية ليست منقصة بوجه، فانّ العبد قد يكون ارقى مرتبة من مولاه و من غيره، بل قد يكون وليّا من اولياء اللّه سبحانه و تعالى.
الفرق بين مجرّد الفتوى و المرجعية:
لكنّك قد عرّفت من تحقيقنا انّه فى بيان مجرّد الإفتاء فى مسئلة او مسائل و كان العبد عالما به فلا بأس عليه.
مقام التصدّى لمنصب الإفتاء و المرجعية:
و انّما الكلام هنا هو تصدّى مقام الإفتاء و منصب الإمامة للمسلمين، و بيان الأحكام من الحلال و الحرام و المرجعيّة فى ذلك، فيكون المفتى هو المتصرّف فى امور الاجتماع و التدخل فى سياساتهم. و هذا الأمر لا يساعد الّا مع الحرّية.
كيف و قد كانت السيرة المتشرّعة منذ تاريخ الإسلام دلّت على ذلك، و على فرض الشكّ فى اصل المسألة فالأصل يقتضى التّعيين كما مرّ تفصيله.
7- طهارة المولد:
و من الأوصاف للمفتى طهارة المولد.
قال بعض المفاخر ممّن قارب عصرنا[1]، انّ طهارة المولد داخلة فى الإيمان، بناء على القول بكفر المتولّد من الزّنا حكما، و امّا بناء على خلافه، فلا دليل على اعتبارها، غير الأصل الّذى هو المحكوم ببناء العقلاء. نعم و فى الرّوضة، دعوى الإجماع عليه، فهو المعتمد فى البين[2].
كلام بعض الأساطين:
و عن بعض الأساطين من المعاصرين: انّ الصّحيح فى الاستدلال على اشتراط طهارة المولد فى المفتى، هو فحوى ما دلّ على اعتبارها فى امام الجمعة، و على عدم قبول شهادة ولد الزناء، فان منصب الإفتاء، أهمّ من الإمامة للجماعة و شهادة الشاهد قطعا، فيجب الاشتراط فى منصب الإفتاء بتنقيح المناط[3].
الإيراد على هذا القول:
لكن قد يرد عليه بانّه يلزم من هذا الكلام انّه كلما هو شرط او لازم فى إمامة الجماعة يجرى فى المقام ايضا.
مثل ان يكون اصبح وجها بين المفتين مقدّم اذا كانوا متعدّدين و مساواتهم فى الفضل و اختلافهم فى الفتوى، او ان يكون سيّدا هاشميّا مقدّم اذا كانوا مختلفين مع انّه ليس المقام كذلك.
[1]- و هو صاحب المستمسك السيد محسن الحكيم.
[2]- الروضة فى شرح اللمعة الدمشقية فى شرائط مفتى.
[3]- السيّد الخوئى على ما فى الدروس للفقه الشيعة ج 1/ 132.