فى الزعامة الدينية.
6- الحريّة:
و قد حكى عن جماعة منهم الشهيد الثانى على اعتبار وصف الحريّة للمفتى.
مقتضى الإطلاقات و السيرة:
و قيل بانّ الإطلاقات الواردة فى باب الإفتاء و كذا السيرة العقلائية، حاكمتان بعدم اعتبار هذا الوصف فى الإفتاء.
و العبودية ليست منقصة بوجه، فانّ العبد قد يكون ارقى مرتبة من مولاه و من غيره، بل قد يكون وليّا من اولياء اللّه سبحانه و تعالى.
الفرق بين مجرّد الفتوى و المرجعية:
لكنّك قد عرّفت من تحقيقنا انّه فى بيان مجرّد الإفتاء فى مسئلة او مسائل و كان العبد عالما به فلا بأس عليه.
مقام التصدّى لمنصب الإفتاء و المرجعية:
و انّما الكلام هنا هو تصدّى مقام الإفتاء و منصب الإمامة للمسلمين، و بيان الأحكام من الحلال و الحرام و المرجعيّة فى ذلك، فيكون المفتى هو المتصرّف فى امور الاجتماع و التدخل فى سياساتهم. و هذا الأمر لا يساعد الّا مع الحرّية.
كيف و قد كانت السيرة المتشرّعة منذ تاريخ الإسلام دلّت على ذلك، و على فرض الشكّ فى اصل المسألة فالأصل يقتضى التّعيين كما مرّ تفصيله.
7- طهارة المولد:
و من الأوصاف للمفتى طهارة المولد.
قال بعض المفاخر ممّن قارب عصرنا[1]، انّ طهارة المولد داخلة فى الإيمان، بناء على القول بكفر المتولّد من الزّنا حكما، و امّا بناء على خلافه، فلا دليل على اعتبارها، غير الأصل الّذى هو المحكوم ببناء العقلاء. نعم و فى الرّوضة، دعوى الإجماع عليه، فهو المعتمد فى البين[2].
كلام بعض الأساطين:
و عن بعض الأساطين من المعاصرين: انّ الصّحيح فى الاستدلال على اشتراط طهارة المولد فى المفتى، هو فحوى ما دلّ على اعتبارها فى امام الجمعة، و على عدم قبول شهادة ولد الزناء، فان منصب الإفتاء، أهمّ من الإمامة للجماعة و شهادة الشاهد قطعا، فيجب الاشتراط فى منصب الإفتاء بتنقيح المناط[3].
الإيراد على هذا القول:
لكن قد يرد عليه بانّه يلزم من هذا الكلام انّه كلما هو شرط او لازم فى إمامة الجماعة يجرى فى المقام ايضا.
مثل ان يكون اصبح وجها بين المفتين مقدّم اذا كانوا متعدّدين و مساواتهم فى الفضل و اختلافهم فى الفتوى، او ان يكون سيّدا هاشميّا مقدّم اذا كانوا مختلفين مع انّه ليس المقام كذلك.
[1]- و هو صاحب المستمسك السيد محسن الحكيم.
[2]- الروضة فى شرح اللمعة الدمشقية فى شرائط مفتى.
[3]- السيّد الخوئى على ما فى الدروس للفقه الشيعة ج 1/ 132.
القياس مع الفارق:
فالقياس هنا مع الفارق، و الحكم باولويّة المناط ممنوع، للفرق بين الفعل العبادى الخارجى و بين الفعل القلبى الغير العبادى.
و اما اعتبار طيب المولد فى الشاهد، فلازمها اعتباره فى الراوى ايضا، فانّه يخبر عن كلام الإمام(ع)، و لازمها عدم حجيّة قول المفتى فى غير ما قطع به.
و ان تسرّى احكام باب القضاء الى باب الإفتاء محتاج الى دليل من الشرع، و هو منتف هنا.
التّحقيق عندنا:
لكن التّحقيق عندنا هو انّ لنا روايات عديدة فى كفر ولد الزّنا فى الباطن، و ان لم يكن نجسا فى الظاهر، و لا يترتّب عليه احكام الكافر، و لا شبهة فى قصوره فى نفسه لذلك. فكيف يسع القول بانّ المفتى للشريعة و الزعيم للامة الإسلامية، يكون من هو حاله كذلك، و كيف لا يفهم المناط القطعى للمقام. مع عدم قبول شهادته و عدم جواز امامته للجماعة.
و على فرض الشكّ فى الحكم، فالأصل يقتضى التّعيين و هو من كان واجدا لهذا الشرط، و لا وجه لبناء العقلاء على ما ذكرنا. فالصحيح هو اشراط طهارة المولد للمفتى.
8- الحياة:
و من الشرائط الّتى ذكروها للمفتى، الحياة، فلا يجوز تقليد الميّت ابتداء.
و قد حقّقنا البحث فى هذا الباب مبسوطا فراجع.
9- الضبط:
و من الأوصاف اللازمة للمفتى الضبط للاحكام و الأدلّة، على ما قاله فى الفصول.
قال صاحب الفصول: و من الأوصاف فى المفتى ان يكون المفتى ضابطا، فلا عبرة بفتوى من يكثر السهو عليه، و الوجه واضح.
قال(قدّه)فى الفصول، انّ من لا ضبط له، لا وثوق بخبره، لاحتمال الزيادة و النقصان و السهو و النسيان فى روايته، فلا يبقى التعويل على خبره.
اقول: و هذا الشرط داخل فى عنوان الوثوق الّذى كان من اوصاف المفتى، فلا عبرة بانّ يكون هذا شرط آخر. و امّا ما إدّعاه(قدّه)من الدليل، فهو غير دالّ عليه.
10- الاجتهاد المطلق:
و من الأوصاف الّتى صرّحوا باعتبارها فى المفتى، كونه مجتهدا مطلقا، فلا يجوز التّقليد عن المتجزّى فى الاجتهاد.
لكنّك عرفت فى تحقيقنا فى بحث الاجتهاد، انّه يجوز التّقليد عن المجتهد المتجزّى فيما استنبطه ايضا فانّ الإطلاقات فى باب التّقليد شاملة له، و كذلك السيرة العقلائية حاكمة بجواز تقليده فى ذلك المسألة الّتى استنبط حكمها.
و بالجملة انّه لا فرق بحسب الأدلّة و السيرة بين المجتهد المطلق و المجتهد متجزّى فيما اجتهده، و مقتضى ذلك جواز التّقليد منه فيما استنبطه.
خصوصا اذا كان المتجزّى اعلم و متخصّصا فيما حكمه و افتى به. و قد مرّ هذا البحث منّا فى باب الاجتهاد مفصّلا فراجع.
11- الأعلميّة:
و من جملة الأوصاف اللازمة الّتى ذكروها فى المفتى، الأعلميّة.
و المقصود هو الاطّلاع الواسع بالنسبة الى ادلّة الأحكام و كيفيّة استنباط الحكم منها، خصوصا إرجاع الفروع على الاصول، زائدا فى القدرة العلميّة على من كان فى عصره من المجتهدين. و قد اسلفنا الكلام تفصيلا فيه فى باب الاجتهاد فراجع.
الأعلميّة و الأورعيّة:
ثمّ اعلم انّه اذا دار الأمر بين الأعلميّة بالحكم و بين الأورعيّة فى العمل، فالتّحقيق هو تقديم المجتهد الأعلم على المجتهد الأورع على ما حقّقناه فى بحث الاجتهاد، لأنّ ما هو الدخيل فى الوصول الى الواقع هو الأعلميّة لا مجرّد الأورعيّة.
الإشكال على هذا الكلام:
و يمكن الإشكال على هذا الكلام، بناء على ما سبق منّا من عدم جواز تقليد الصبى اذا كان هو اعلم فى عصره و متخصّصا فى المسألة.
و بيانه هو ان يقال ان كون الأعلميّة اذا كانت دخيلة فى الوصول الى الواقع، دون البلوغ، فكيف القول بتقديم البالغ العالم على الصبىّ المميّز الأعلم؟
فيكون الأورعيّة ايضا كذلك اذا كان غيره هو اعلم.
الجواب عن الإشكال:
و يمكن الجواب عنه، فى هذا الفرض، كما عن استادنا النائينى(قدّه)، بأنّ الإجماع يكون على عدم جواز تقليد الصبى، او من باب عدم كفايته لهذا المنصب، فلا يقاس هذا الفرع به.
12- عدم الاقبال على الدنيا:
قال السيّد الطباطبائى فى العروة، انّه من جملة الأوصاف اللازمة للمفتى، هو ان لا يكون مقبلا على الدنيا.
و قد احتجّ لذلك بقوله(ع): امّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ... الحديث.
و لعلّ المقصود، هو قوله(ع): مخالفا على هواه، و الّا فالبقيّة اجنبى عن المدّعى.
لكن يرد عليه ان الجملات الاربع فى الخبر بمعنى واحد و يؤيّد بعضه بعضا. و المجموع لا يدلّ على اكثر من اعتبار العدالة فى المفتى، فلا زائد فيه.
القوّة القدسيّة
قال المحقق الوحيد البهبهانى صاحب المدرسة الأصوليّة المتأخّرة، فى كلماته، انّ من جملة الشرائط لتحصيل الاجتهاد فى الدّين، وجود القوّة القدسيّة للمعرفة فى احكام الدين. و لا بأس لنا ان نذكر ما قاله، مزيدا للفائدة هنا.
قال(قدّس سرّه)فى كتابه (الفوائد): ان شرط الاجتهاد، هى معرفة العلوم اللغوية، لانّه ان لم يعرفها فربّما يزلّ، فيضلّ و يضلّ ... و معرفة عرف العام و الخاص الذى هو حجّة فى الفقه ...، و معرفة علم الكلام لتوقّفه على معرفة اصول الدين بالدليل و الّا لكان مقلّدا ... و معرفة علم المنطق لشدّة الاحتياج الى الاستدلال فى الفقه و فى العلوم التى هى شرط فى الاجتهاد لأنّ الجميع الى نظريات ...، و علم اصول الفقه، و الحاجة اليه من البديهيات كما صرّح به المحقّقون و هو العلم ليس بحادث بل كان فى زمن المعصوم(عليه السلام)...، و معرفة العلم بالاحاديث المتعلّقة بالفقه، و معرفة العلم بالتفسير، و معرفة فقه الفقهاء و استدلالهم فى تحقيقاتهم، و كونه شرطا غير خفى على من له ادنى فطانة، اذ لو لم يطّلع عليها رأسا لا يمكن الاجتهاد و الفتوى ...، و من جملة الشرائط القوّة القدسيّة و الملكة القويّة الإلهيّة، و هى اصل الأصل فى جملة الشرائط للاجتهاد، فانّه لو وجد عنده، ينفع باقى الشرائط و ينتفع من الأدلّة و الأمارات الشرعيّة و التنبيهات، بل و بأدنى اشارة يتفطّن بالاختلالات و علاجها ....
و هذا الشرط الأصيل يتضمّن امورا:
الأوّل: ان لا يكون معوّج السليقة، فانّه آفة للحاسّة الباطنة كما انّ الحاسّة الظاهرة بما تصير مألوفة ...، و طريق معرفة الاعوجاج، العرض على افهام الفقهاء و اجتهاداتهم،
فان وجد فهمه و اجتهاده وافق طريقة الفقهاء فليحمد اللّه، و ان يجد يخالفهما، فليتّهم نفسه ....
الثانى: ان لا يكون رجلا بحّاثا، فى قلبه محبّة البحث و الاعتراض و الميل اليه، متى سمع شيئا يشتهى ان يتعرض عليه اما حبّا لإظهار الفضيلة، او انّه مرض قلبى ... و مثل هذا القلب لا يكاد يهتدى و لا يعرف الحق من الباطل ....
الثالث: ان لا يكون لجوجا عنودا، فانّا نرى كثيرا من الناس، انّهم اذا حكموا بحكم فى بادئ نظرهم او تكلّموا بكلام غفلة او تقليدا او من شبهة سبقت اليهم، انّهم يلجّون و يكابرون، شبه الغريق يتشبّثون بكل حشيش، للتميم و التصحيح، و ليس همّهم متابعة الحق ....
الرابع: ان لا يكون فى حال قصوره مستبدّا برأيه، فانّا نرى كثيرا من طلّاب العلم فى اوّل امرهم فى نهاية قصور الباع و فقد الاطلاع، و مع ذلك مستبدّون بالرأى القاصر، فاذا رأوا كلام المجتهدين و لم يفهموا مرامهم، لقصورهم و فقد اطّلاعهم، يشرعون فى الظعن عليهم و يشنّعون، و لا يتأمّلون ....
الخامس: ان لا يكون له حدّة ذهن زائدة بحيث لا يقف و لا يجزم بشىء مثل اصحاب الجربزة.
السادس: ان لا يكون بليدا لا يتفطّن بالمشكلات و الدقائق و يقبل كلّما يسمع و يميل مع كلّ قائل، بل لا بدّ من فطانة يعرف الحقّ من الباطل و يردّ الفروع الى الاصول ....
السابع: ان لا يكون مدّة عمره متوغّلا فى الكلام او الرياضة او النحو او غير ذلك من العلوم مما هو طريقته غير طريقة الفقه، ثمّ بعد ذلك يشرع فى الفقه فانّه يخرّب الفقه، بسبب انس ذهنه بغير طريقته ....
الثامن: ان لا يأنس بالتوجيه و التأويل فى الآية و الحديث الى حدّ يصير المعانى المؤوّلة من جملة المتحمّلة المساوية للظاهر، المانعة عن الاطمئنان به ....
التاسع: ان لا يكون جريئا غاية الجرأة فى الفتوى كبعض الأطبّاء الّذين متجرءون فى
الطبابة.
العاشر: ان لا يكون مفرطا فى الاحتياط، فانّه ايضا ربّما يخرّب الفقه، كما شاهدنا من كثير ممّن افرط فى الاحتياط ....
هذا غاية ما افاده المحقّق المذكور(قدّس سرّه)فى هذا الباب مع تلخيص منّا.
اقول: ان ما ذكر من القوّة القدسيّة و تضمّنها امورا، انّما ترجع الى حدّ الاعتدال فى مقام الاستنباط، كما هو شرط لكمال الاجتهاد، و هو من لوازم المجتهد فى الفهم و الفتوى، بل و هذا بالاخلاق أشبه من شرائط الاجتهاد، فان هذه النصائح القيّمة تعم جميع طلّاب العلوم، و لا تختصّ بالمجتهدين فقط فى مقام الاستنباط، فكيف تكون من جملة الشرائط للاجتهاد، مع ان المصنّف قد اشار اليه فى خاتمة كلامه بقوله: و ايضا انّه لا بدّ من صرف مدّة من العمر فى تهذيب الاخلاق، لما عرفت من اشتراط القوّة القدسيّة.
و العلم نور يقذفه فى قلب رديء مع انّه لو قذف، فنعوذ باللّه من العالم الردّيء، فانّه شرّ النّاس و من الضالّين عن سبيل اللّه تعالى، و صرف العمر فيما ذكر من العلوم لو يمنع عن التّهذيب، ربّما يورث القساوة كما ورد فى الحديث فى معرفة النحو، انّه من تنحّى سلب من الخشوع، مع انّ تهذيب الأخلاق من اوجب الاشياء كما لا يخفى، و اللّه الهادى الى طريقه، و لا يحصل الهداية الّا بتوفيق منه تعالى.