بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 356

فيلزم وجود جميع الشرائط المذكورة للمفتى الّذى كان مرجعا للمسلمين، و صاحب منصب الزعامة العظمى و الولاية الكبرى نيابة عن الإمام المعصوم: حتّى يكون حكمه، حكمه، و يجب العمل على طبق، و الرادّ عليه كالرادّ علينا.

و قد ورد فى التّوقيع المبارك، فانّهم حجّتى عليكم و أنا حجّة اللّه عليهم، فيلزم اجتماع جميع الشرائط للمفتى. هذا تمام الكلام فى شرائط المفتى.


صفحه 357

العدول من المجتهد الحىّ الى الحىّ الآخر

العدول من المجتهد الحىّ:

و المسألة هنا فى جواز العدول عن المفتى الحىّ، الى المفتى الحىّ الآخر الّذى يجوز تقليده. بمعنى انّ العامى اذا قلّد عن مجتهد حىّ مستندا بالدّليل الشرعى، فهل يجوز له الرجوع منه الى المجتهد الحىّ الآخر، اذا كانا متساويين فى العلم و الشرائط. ام لا يجوز ذلك؟

فى المسألة اقوال:

ففيه اقوال، من عدم الجواز مطلقا، و من الجواز مطلقا، و التفصيل بين واقعة واحدة فلا يجوز، و الوقائع المختلفة فيجوز.

مثلا اذا قلّد من مجتهد يكون رأيه وجوب السورة فى صلاة الاحتياط، ثمّ يريد الرجوع الى مجتهد آخر و التّقليد منه، و يكون هو رأيه عدم وجوب السورة كذلك.

اذا كانت الواقعة واحدة:

فلا يجوز فى المسألة الواحدة التّقليد من المجتهدين.

و السرّ فى ذلك هو انّ التّقليد لا يمكن تكراره، لأنّ طبيعة وجوب السورة لا يتحمّل حكمين فى تقليدين.

فاذا قلّد من يقول بوجوبها، فلا يكون هذا الطبيعى قابلا للتقليد ثانيا.


صفحه 358

فيما اذا كانت الوقائع متعدّدة:

و امّا اذا كانت الوقائع المتعدّدة المختلفة، فليس الأمر كذلك، للتفكيك بينها، فيمكن التبعيض فى التّقليد فيها. فيقلّد فى واقعة فى مجتهد و فى واقعة أخرى من مجتهد آخر، و يعمل برأيه.

فلا تداخل فى البين.

و عن الشّيخ الأنصارى(قدّه): عدم الجواز مطلقا و نسب، هذا القول الى المشهور[1].

و عن المحقّق الثانى و كذا الشهيد الثانى فى الجعفريّة و المقاصد العليّة، الحكم بالجواز مطلقا تبعا للعلّامة فى كتاب النهاية.

جواز العدول فى الوقائع المتعدّدة:

و التّحقيق هو القول بالجواز اذا كانت الوقائع متعدّدة و الّا فلا يجوز.

و لا يخفى انّ البحث يكون فى صورة تحقّق التّقليد بالعمل على طبق فتوى الأوّل لا مجرد الالتزام.

فإنّه اذا لم يعمل برأيه، سواء كان قد التزم به، ام لا، فهو مبنىّ على معنى التّقليد و النظر فى هذا الباب.

و سيجى‌ء لك البحث و التوضيح.

القول فى عدم جواز العدول:

و قد استدلّوا على ذلك بوجوه.

استصحاب الحكم المختار:

[1]- فى رسالته الاجتهاد و التّقليد.


صفحه 359

منها: استصحاب الحكم المختار، و هو استصحاب تنجّز الرأى السابق بعد الشكّ فيه.

لأنّه اذا قلّد ابتداء من مجتهد كان رأيه وجوب ذلك الجزء فى الصلاة، مثلا وجوب السورة فى صلاة الاحتياط، ثمّ اراد العدول فى هذه المسألة بعينها الى مجتهد يكون رأيه عدم الوجوب، فحينئذ يكون له الشكّ فى بقاء حكم الأوّل بعد تنجّزه، لانّه لا يعلم، انّه هل يجوز له الرجوع هنا الى الغير، او لا يكون حكم السابق باقيا على حاله؟

فيستصحب بقائه على حاله، فلا يجوز الرجوع الى الغير.

الجواب عن الاستدلال:

و امّا الجواب عنه، انّ هذا الاستدلال، هو ان تنجّز الحكم المختار عليه، كان مشروطا بالالتزام به، و استصحاب مثل هذا الحكم، لا يوجب حرمة العدول الى غيره، و الالتزام به، لعدم اتّحاد الموضوع.

فيكون هذا الاستصحاب غير معارض مع استصحاب الحكم الإنشائى الّذى أفتى به الفقيه الآخر.

كلام الشيخ الأنصارى:

قال الشّيخ الأعظم(قدّه)فى رسالته فى الاجتهاد و التّقليد.

«إنّ استصحاب التّخيير الابتدائى، حاكم على استصحاب الحكم المختار به، لعدم بقاء الشكّ معه فى جواز العدول الى الآخر. فكما انّه جائز فى بدو الأمر، فكذلك جائز فى الاستدامة.»[1]

[1]- رسالة الاجتهاد و التّقليد للشيخ الأنصارى(قدّس سرّه).


صفحه 360

التّحقيق فى المقام:

و التّحقيق فى المقام هو انّ الواقع بعد كون الرأى طريقا اليه، لا فرق فيه بين كونه عن رأى هذا المجتهد الأوّل او ذاك الثانى. فكما أنّ رأى الأوّل طريق الى الواقع، فكذلك رأى الثّانى.

و على فرض الموضوعيّة فى المصلحة بالنسبة الى الواقع فى رأى المجتهد، يكون الرّأيان من باب المتزاحمين فى المصطلحة، فيكون المقلّد مخيّرا بينهما.

فلا وجه لدخل الأخذ من الأوّل فى تغيير الواقع عمّا هو عليه.

فكلّ من الرأيين متساويان بالنسبة الى تنجّز الواقع، فلا مرجّح للأوّل منهما، لعدم توليد مصلحة فى الواقع من جهته.

نعم ان قيل بانّ نفس العمل برأى الأوّل، صارت من مرجّحات العمل برأيه بالأخذ او العمل، فالقول باستصحابه موجّه، و لكنّه غير ثابت.

لزوم المخالفة القطعية:

منها: استلزام العدول، للمخالفة القطعيّة بالنسبة الى التكليف الواقعى.

و ذلك انّه اذا اتى بصلاة الظهر قصرا، تقليدا للأوّل فيما اذا كان المسير اربعة فراسخ ذاهبا و جائيا.

ثمّ اتى بصلاة العصر تماما تقليدا للثّانى، لانّ رأيه إتمام الصلاة فى المورد.

فالمكلّف المقلّد، يعلم اجمالا بفساد احد الصلاتين، إمّا الأوّل او الثانى، لأنّ الواقع ليس الّا واحدا.

الجواب عن الاستدلال:

لكن الجواب عن الاستدلال، بانّ الثابت من التّكليف هو الواقع المنجّز على رأى المجتهد الّذى قلّده، لا الواقع الواقعى فى نفس الأمر، لانّ وظيفة المقلّد هى التبعيّة عن المجتهد المفتى و هو يعمل و يعذّر عمّا هو عليه.


صفحه 361

اذ المقلّد قد اتى بالوظيفة، و اذا عمل بفتوى الثانى، فقد أتى بالوظيفة ايضا لأنّه عمل بالوظيفة بما أفتى اليه مجتهده المفتى.

فحينئذ كان عمل المقلّد فى الصّورتين، عمل على طبق وظيفته، و مجز له، و لا عقاب عليه.

لأنّه عمل بما أدّى اليه الدّليل الشرعى و هو رأى المجتهد فى الحكم الشرعى، و قد عمل به. نعم، لو ترك العمل رأسا و لم يعمل بالرأى كان معاقبا، لترك العمل مطلقا.

و امّا مع إتيانه بفتوى الأوّل فى الأوّل و فتوى الثّانى فى الثّانى على رأيهما، فقد أدّى الوظيفة على ما هو عليه من التكليف.

العلم الإجمالى فى البين:

و امّا العلم الاجمالى المتصوّر فى البين، لو كان، فهو يكون بالنسبة الى الواقع الّذى ليس هو باختيار المكلّف، و لم يكن منجّزا عليه، فلا تكليف له بالنسبة اليه، بعد كون رأى المجتهد هو الحجّة عليه فيما أفتى به فى كلّ واحد منهما مستقلّا.

و الشّاهد على ذلك، هو انّه إن قلّد مجتهدا و قصّر صلاة الظهر على رأيه، ثمّ مات ذلك المجتهد، ثمّ قلّد مجتهدا آخر حيّا، هو يقول بالتمام، فاتى صلاة العصر تماما، فلم يقل احد، بوجوب إعادة الصلاة.

فيعلم من ذلك انّه ليس المدار على الواقع الواقعى الإلهى الّذى ليس هو باختيار المكلّف فى الظاهر. بل ما هو المدار فى الإتيان، الّذى يكون باختيار المقلّد، هو رأى المجتهد فى بيان الحكم و إتيان الوظيفة ظاهرا، هو العمل مطابقا لرأى المفتى المجتهد الدينى الّذى قلّده الحين.

الإشكال فى المسألة:

ان قلت: فى خصوص المثال. انّه يمكن القول ببطلان العمل من جهة شرطية الترتيب.


صفحه 362

فمن أتى بالعصر تماما بعد ما أتى بالظّهر قصرا، لا يحصل له العلم يكون إتيان العصر بعد الظّهر واقعا.

لانّه من المحتمل ان يكون الوظيفة، إتمام الظهر ايضا، فمع اتيانه قصرا، يكون المكلّف شاكّا فى حصول الترتيب و العمل بالوظيفة، فيكون البطلان من هذا الوجه.

جواب الإشكال:

قلت: انّه اذا قلنا بجواز العدول عن مجتهد الى آخر، فيكون عمله على طبق فتوى الأوّل موجبا لسقوط تكليف الظهر، مثل ما اتى به واقعا.

ثمّ إنّ عمله على طبق فتوى الثانى فهو ايضا على طبق وظيفته. فيكون الترتيب حاصلا حسب وظيفته الشرعيّة، فلا اشكال عليه.

القول فى جواز العدول:

انّ اطلاق ادلّة التّقليد اللفظيّة يقتضى ذلك و حاكم به. فكما انّه دلّ على تخيير العامى فى الرجوع الابتدائى، الى اىّ مفت من هذين المجتهدين، فكذلك يدلّ على تخييره استمرارا فى الرجوع الى اىّ مفت.

فإنّ لسان الأدلّة اثبات حجيّة ارشاديّة الى رأى المفتى المجتهد، و مقتضاها التّخيير بين الأخذ بأيّهما شاء، فإنّ لازم الحجيّة الإرشادية فى ذلك هو رفع اليد عن الأوّل و الأخذ بالثّانى.

و بعبارة اخرى انّ لسان دليل وجوب التّقليد، الحكم بوجوب الاستمراريّ فى كلّ واقعة متجدّدة و لا يكفى مجرّد الرجوع الى المفتى المعيّن فى واقعة واحدة فحسب.

و هذا الحكم بوجوب التّقليد فى الواقعة الأولى لم يكن تعيينا، فكذلك وجوبه فى جميع الوقائع، لاتّحاد الدلالة و اتّحاد الحكم. فيجوز له الرجوع فى واقعة الى مجتهد، و فى واقعة اخرى الى مجتهد آخر الجامع للشرائط، حسب اطلاق الأدلّة.


صفحه 363

قيام السيرة العقلائيّة هنا:

ثمّ انّ سيرة العقلاء قائمة على ذلك ايضا.

فانّ المريض الّذى عدل عن طبيبه، الى طبيب آخر، غير مؤاخذ عندهم.

و هذا فى واقعة واحدة فكيف الأمر فى الوقائع المتعدّدة.

فكذلك فى الشرع ايضا، لأنّ الثابت من التكليف هو الواقع المنجّز للمكلّف حسب رأى المفتى، لا الواقع الواقعى لانّه لا يكون فى اختيار المكلّف.

و على هذا، فاذا عمل المكلّف على رأى المجتهد الأوّل فقد أتى بما تنجّز عليه، و اذا عمل بفتوى المجتهد الثانى فقد أتى بما تنجّز عليه حسب ما أفتى به الثانى. و حينئذ كان عمل العامى المقلّد على طبق رأى مجتهده، و منجّز له و لا عقاب عليه، لأنّه عمل بالوظيفة حسب ما تنجّز عليه. و هذا كلّه بمقتضى ما يستفاد من اطلاق الأدلّة للتقليد.

قياس حجيّة الفتوى بحجيّة الخبر على ما سلكه القوم:

و امّا ما سلكه القوم فى المقام، هو القياس من حجيّة الفتوى بحجيّة الخبر.

بتقريب انّ حجيّة الفتوى، امّا من باب الطريقيّة، و امّا من باب الموضوعيّة على التفصيل الّذى فى محلّه.

فان كانت من باب الطريقيّة، فهى منجّزة للواقع على تقدير الإصابة، و معذّرة عنه عند الخطأ.

و مع فرض التعارض، فلا معنى لمنجّزية كلّ واحد منهما، لعدم احتمال الإصابة فى كليهما، لكن لا مانع من معذورية كلّ منهما. بل لا بدّ من القول به هنا، للاجماع على عدم تساقط الفتويين، و الرجوع الى غير الفتوى، لأنّ الفرض انحصار الطريق فى اتّباع الفتوى.

كما نقول بعد التساقط فى الخبرين المتعارضين، للاخبار العلاجيّة الأمرة بالأخذ بأحدهما تعيينا تارة، و تخييرا اخرى.