اربعة فراسخ ذاهبا و جائيا. و الفقيه الثانى كان رأيه وجوب التمام فى نفس ذلك المسألة.
فالمقلّد لرأى الأوّل، يعلم بعدم العقاب عليه عند البقاء و وجوب القصر، لكن فى العدول عنه الى الثانى و إتمام الصلاة، يكون احتمال العقاب موجودا، لاحتمال عدم حصول البراءة من التكليف.
دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير:
فالأمر هنا، هو الدوران بين التّعيين و التّخيير. فعلى صورة التّعيين للأوّل و الأخذ برأيه، يحصل البراءة و الخروج عن عهدة التكليف.
دون صورة التّخيير بينه و بين الثانى، لبقاء الشّكّ فيها. فيحكم بالتّعيين لتحصيل الفراغ عن التكليف.
الجواب عن هذا الفرض:
و يرد عليه، أنّ الإطلاقات فى الأدلّة اللّفظية حاكمة على اصالة التعيين.
و هكذا الملاك فى الأدلّة العقليّة للتقليد الّذى هو حاكم عليها.
و كذلك فى صورة كون الملاك هو الفطرة. فإنّها قاضية بعدم الفرق بينهما فى رجوع الجاهل الى العالم فى كلّ واقعة.
و هكذا الأمر اذا كان الدّليل هو السّيرة العقلائية.
فانّها حاكمة بانّ من لم يتمكّن من الاجتهاد فى الحكم، يجب عليه الرجوع الى المجتهد، لانّه الخبرة فى الحكم.
و المقلّد فى كلّ واقعة لا يتمكّن من تحصيل الحكم الشرعى يتخيّر فى الرجوع الى من هو فقيه فى الحكم. فمقتضى اطلاقات الأدلّة هو التّخيير فى المقام.
الملاك يقتضى التعيين:
نعم: اذا كان السيرة بالرجوع الى من له الحجّة فيمن ليس له الحجّة. فحينئذ كان المقلّد بتقليده الأوّل، صار ذا حجّة، فليس ملاك رجوعه الى الثانى باقيا، فيحكم بالتعيين.
و هكذا الدليل اللفظى فى الخبير، بقوله(ع): اذا فتخيّر، فى باب التعادل للروايتين على فرض التعميم فى المقام، فانّه مطلق من جهة اختياره احدهما، فبعد الاختيار فهو حجّة عليه، فلا مجال للرّجوع الى الثانى.
و هكذا الكلام فى آية السؤال و ساير الآيات و الرواية الدالّة على جواز التّقليد، فمع التّقليد من الأوّل صار الحجّة عليه تماما، فلا ملاك للرجوع الى الثانى.
فحينئذ فالوجه هو التّعيين فى المقام.
جواز العدول فيما اذا لم يعمل بفتوى الأوّل:
ثمّ انّه لو أخذ رأى المجتهد الأوّل و لم يعمل به، فهل يجوز العدول الى غيره، او يجب البقاء على الالتزام، كما اشرنا اليه فى أوّل البحث.
فربّما يتوهّم أنّ البحث مبتن على بحث نفس التّقليد فى معناه، من انّه هو نفس العمل فلا يجب البقاء بل يجوز له العدول الى الثانى، او انّه هو مجرّد الالتزام فيجب عليه البقاء من جهة تحقّق التّقليد فلا يجوز العدول. فيدور الأمر مدار الأدلّة فى الباب.
و لا يخفى انّ بعض الأدلّة للمنع من العدول، مثل لزوم المخالفة العمليّة، او كون التّقليد غير قابل للتّكرار، على التفصيل الماضى ذكره، لا يأتى هنا. لعدم وجود العمل على طبق رأى الأوّل حتّى يلزم ما ذكر.
القول فى التفصيل:
و امّا القول بالتفصيل فى العدول بينما اذا كانت الواقعة واحدة، او كانت متعدّدة، فيجوز فى الثّانى، دون الأوّل. او بين الصورة الّتى يلزم العدول المخالفة القطعية فلا
يجوز، او عدمها فيجوز.
العدول فى واقعة او وقايع:
فالعدول عن المجتهد الحىّ الى الحىّ الّذى يساوى مع الأوّل، إن كان فى واقعة واحدة فلا يجوز، و إن كان فى وقايع مختلفة متعدّدة فيجوز.
و السرّ فى ذلك هو انّ العدول فى واقعة واحدة يلزم التّبعيض فى المسألة الكليّة، لاصل التّقليد، حين العدول الى الثانى، و لا دليل عليه، او يستلزم نقض الأعمال السابقة اذا قلّد الثانى فى المسألة الكليّة، على التفصيل الّذى ذكرناه سابقا. بخلاف ما اذا كانت الوقائع متعدّدة، فانّه يجوز التفكيك بينها، فيرجع فى واقعة الى مجتهد و يعمل على طبق رأيه، و فى واقعة اخرى يرجع الى مجتهد آخر و يعمل بفتواه اذا كانت الشرائط اللازمة للمجتهد موجودة فيه فيتّبع رأيه و يعمل بفتواه.
و ذلك بمقتضى اطلاقات الأدلّة فى باب التّقليد، و كذا دليل سيرة العقلاء فى لزوم رجوع الجاهل الى العالم، فلا اشكال هنا فى البين. و امّا فى صورة لزوم المخالفة القطعيّة و عدمها فلا يجوز فى الأوّل و يجوز فى الثانى.
بيان تفريع المسألة هنا:
انّه اذا اتى بصلاة الظهر قصرا فيما لو كانت السفر اربعة فراسخ ذاهبا و جائيا، فعمل على رأى المجتهد الأوّل بالحكم بالقصر، ثمّ أتى بالعصر تماما على رأى المجتهد الثّانى تقليدا له، لأنّه قائل بالتمام فى المسألة. فيعلم المقلّد اجمالا بفساد احدى الصّلاتين، او يعلم بطلان العصر تفصيلا، امّا لعدم الترتيب لاحتمال فساد الظهر، و امّا لانّه يجب القصر فى العصر ايضا كالظهر.
و هذا جار فى كلّ عملين مترتّبين، اذا قلّد فى أحدهما مجتهدا، ثمّ عدل الى الآخر فى الثانى. فلا يجوز فى هذه الصورة العدول للزوم المخالفة القطعيّة الموجب لفساد العمل.
بخلاف ما اذا لم يلزم العدول، المخالفة القطعيّة فى العمل، فيجوز العدول.
و هذا فى مثل الوقائع المختلفة المتعدّدة المستقلّة، فيعمل فى واقعة على رأى المجتهد الأوّل، ثمّ عدل عنه الى المجتهد الثانى فى واقعة أخرى و يعمل على طبق نظره، او عدل الى الثالث و يعمل برأيه فى واقعة ثالثة، و لا اشكال. لإطلاقات ادلّة التّقليد و لوجود السّيرة العقلائية.
فروع البحث فى العدول عن الحىّ الى الحىّ الآخر
نسيان المقلّد فتوى مجتهده:
الفرع الأوّل: فى نسيان المقلّد فتوى مجتهده.
و الكلام هنا فى انّ المقلّد اذا نسى فتوى المجتهد الّذى قلّده و عمل برأيه، و لم يمكن له الاطّلاع على فتواه، لعدم الوصول اليه.
فهل يجب عليه الفحص لتحصل العلم بفتواه او الظنّ به، بأىّ نحو كان. او يجوز له العدول منه الى الثانى و يعمل على طبق رأى الثانى.
فاذا تفحّص و لم يجده و رجع الى الثانى و عمل، ثمّ وجده، فهل يجب عليه العود الى فتوى الأوّل او لا يجب؟ فيه جهات من البحث.
وجوب الفحص:
الجهة الأولى وجوب الفحص: و هو مختار شيخنا الأعظم الأنصارى(قدّه)، لأنّ البقاء على التّقليد اذا كان واجبا، فمقدّمته و هو الفحص عن تحصيله ايضا واجبة، لانّ مقدّمة الواجب، واجبة.
نظير الإمارة اذا وجدها، ثمّ نسى موضعها فى الكتب المعتبرة المعتمدة، فمن رأى خبرا فى موضوع و نسيه فعلا، يجب عليه الفحص.
و حجيّة الفتوى تكون مثل هذا القبيل مثل حجيّة الامارة.
جواز العدول ان لم يجد الفتوى:
جهة الثانية: فى انّه اذا لم يجد الفتوى بعد الفحص و لكن حصل له الظنّ به، فيحتمل هنا وجهان فى الحكم، جواز العدول الى الثانى، و عدمه.
فالمختار من الشيخ الأعظم(قدّه)هو الأوّل.
و استدلّ عليه فى رسالته، بانّ مجرد الظنّ لا دليل على اعتباره، بعد امكانه للأخذ بالحجّة الأخرى، و التّخيير اذا تعذّر احد أطرافه، تعيّن الطرف الأخر، و هنا يكون كذلك فيجب عليه العدول الى المجتهد الثانى.
و مضافا الى ذلك، إنّ دليل وجوب البقاء هو الإجماع و هو دليل لبّى، و المتيقّن منه صورة حصول القطع بالفتوى السابقة لا الظنّ بها.
العدول الى الثانى ثمّ وجدان الفتوى من الأوّل:
الجهة الثالثة: انّ المقلّد اذا رجع الى المجتهد الثانى و عمل بفتواه، ثمّ وجد فتوى المجتهد الأوّل و تمكّن الوصول اليه، فهل يجب عليه العود ام لا؟
و فيه خلاف.
قال الشّيخ الأعظم الأنصارى(قدّه)، وجب العود الى الأوّل، و قد نسب هذا القول الى بعض معاصريه، و لعلّ هو صاحب المقابيس.
و الوجه فى ذلك، هو انّ الواقع الالهى، لا يتغيّر عمّا هو عليه، بالنسيان.
و قد اشكل عليه(قدّه)، بانّ نسيان الحكم، و ان لم يوجب تغييره لاشتراك العالم و الجاهل بالنسبة اليه، الّا أنّ نسيان الموضوع ليس كذلك.
لأنّ المقلّد بنسيان الحكم قد عجز عن الامتثال على فتوى الأوّل، و صار موضوعا للتكليف الجديد بالأخذ بفتوى المجتهد الثانى.
عدم جواز الرجوع الأوّل:
فاذا ارتفع النسيان، يكون القول بجواز عوده الى الأوّل يحتاج الى الدليل، و مع الشكّ فى جوازه، يكون من باب دوران الأمر بين التّعيين و التّخيير الّذى قدّمنا ذكره، و المتعيّن هو الأخذ بفتوى الثانى.
عمل العامى بلا تقليد و لا احتياط:
الفرع الثانى، فى حكم عمل العامى اذا كان بلا تقليد و لا احتياط.
إنّ عمل العامى اذا كان بدون تقليد عن الفقيه و تبعيّة فتواه، و لا يكون ايضا بمراعاة الاحتياط فى العمل، باطل جدّا اذا لم يطابق الواقع، و لم يطابق رأى من يجب تقليده.
اذا كان العمل مطابقا للواقع:
و امّا اذا كان العمل مطابقا للواقع، او كان مطابقا لرأى الفقيه الّذى يجب الرجوع اليه و العمل بفتواه، و قد حصل منه قصد القرية ايضا فيما اذا كان العمل عباديّا، فهو صحيح منه بلا بحث فيه.
لو كان العمل غير مطابق للواقع:
و انّما الكلام هنا فيما لو كان العمل غير مطابق للواقع، او كون المدار رأى المجتهد الّذى يجب تبعيّته للمقلّد فيكون هو المعذّر للمكلّف فى العمل.
كانّ المدار رأى المجتهد المفتى:
فحينئذ كان الملاك هو رأى المجتهد حين العمل او حين التّقليد.
فان كان الملاك رأى المجتهد حين العمل، فيجب مطابقة العمل مع رأيه حين فعله و اشتغاله به. و امّا اذا كان الملاك هو رأى المجتهد حين التّقليد.
فإنّه اذا مات مجتهده الّذى قلّده، فعمل المقلّد بعد موت مجتهده على رأيه، فهل يصحّ، و ان قوله هو الحجّة عليه، فللمقلّد العامل هل تكون حجّة شرعيّة فى عمله، حتّى مع عدم المطابقة للواقع فيكون معذورا عند الخطاء. او لا يكون الأمر كذلك بل يجب اتّباع المجتهد الثانى فى عمله مطابقا لرأيه الّذى قلّده الآن.
فاذا لم يكن عمله مطابقا لرأى الثانى، و لم يطابق للواقع، بل طابق عمله لرأى المجتهد الأوّل، فهل يمكن القول بحجيّة قوله و معذورية المقلّد، ام لا؟
فان قلنا بانّ الملاك هو رأى المجتهد حين التّقليد و قد عمل مطابقا لرأيه، و ان كان المجتهد قد مات الآن حين العمل للعامى، فيحكم بصحّة عمله، لانّه مطابق للحجّة و معذّر له ان لم يطابق للواقع.
و ان قلنا بانّ الملاك هو حين العمل، فلا يكون رأى المجتهد الأوّل حجّة له، مع عدوله الى الثانى، فيلزم مطابقة العمل مع رأى الثانى لأنّه الحجّة له.
و يظهر الثمرة اذا كان رأى الثانى مخالفا للأوّل، فيجب العمل على طبق ما افتى اليه الثانى.
و على هذا الفرض.
فلو عمل على فتوى الأوّل، مع أن اطلاق فتوى الثانى، لازمه عدم صحّة العمل على رأى السابق.
لكن الإجماع يدلّ على عدم الإعادة، و مضافا الى انّ قاعدة لا تعاد قد دلّت على عدم الإعادة فى خصوص الصّلاة. إلّا انّ الإجماع دليل لبّى لا يشمل صورة عدم كون العمل عن الأخذ بالحجّة، و قاعدة لا تعاد ايضا منصرفة عن العمل بدون الاستناد اليها.
رأى المجتهد و المعذرية:
فتحصّل، انّ الحجّة هى رأى المجتهد حين التنبّه و العمل، فيجب العمل على طبقه،