هذا معارضا باحتمال التّعيين من ناحية الحىّ فيتعارضان تعيين الحىّ و تعيين الميّت، و المقدّم تعيين الحىّ، لانّه اعلم و الاحتياط معه من حيث الأقربيّة الى الواقع، فلا بدّ من الرجوع الى الحىّ الأعلم، الّا انّ الاحتياط يقتضى الجمع بين الفتويين ان امكن.
كلام الشيخ الأنصارى:
و قال الشيخ الأعظم الأنصارى(قدّه)فى الرسالة:
بانّ البحث عن جواز البقاء على تقليد الميّت و عدمه اذا كان الحىّ اعلم خروج عن الفرض.
لأنّ مسئلة البقاء و عدمه، لا بدّ من اخذ حكمهما من فتوى الحى، و هو أما ان يفتى بوجوب البقاء على تقليد الميّت المفضول، و امّا ان يفتى بحرمته.
فعلى الأوّل يجب البقاء و يكون هذا من ناحية تقليد الأعلم، لانّ تقليده فى هذه المسألة يكفى للعمل برأى المفضول فى سائر المسائل تقليدا برأى هذا الأعلم لحكمه بالبقاء، فيكفى ذلك.
و امّا على الثانى و هو حرمة البقاء، فيجب العدول عن الى الحىّ.
ففى اىّ فرض من هذين الفرضين يكون المدار هو تقليد الأعلم.
لانّ البقاء على الميّت المفضول بحكم هذا المجتهد الأعلم، و فى الحقيقة هو التّقليد من هذا المجتهد الاعلم.
و على فرض وجوب العدول الى الأعلم الحىّ يكون هو تقليدا عن هذا الأعلم الحىّ.
ففى الصورتين يكون التّقليد هو تقليد العامى عن الأعلم المجتهد المفتى فى الحكم، انتهى كلامه.
و هذا الكلام منه(قدّس سرّه)متعيّن فى نفسه و لا بحث فيه.
صورة الاختلاف فى حكم البقاء على رأى المجتهد:
بمعنى انّه اذا قلّد العامى عن مجتهد، فمات المجتهد، فقلّد العامى بعده الى من يقول بوجوب العدول عن الميّت فيرجع الى الثانى، ثمّ مات الثانى ايضا، فقلّد العامى الى المجتهد الثّالث الّذى يفتى بوجوب البقاء على الميّت، فما هو وظيفة العامى فى هذا الحال. هل يكون فتوى المجتهد الثالث بوجوب البقاء، يشمل البقاء بالنسبة الى المجتهد الثانى و فتوى فى خصوص المسألة يعنى وجوب العدول فقط، او فى جميع المسائل الّذى صدر فتواه عن الثانى، فيثبت ما هو رأى الثانى فيما افتاه، على العامى المقلّد.
كلام الشّيخ الأنصارى:
قال الشّيخ الأعظم(قدّه)فى رسالته: عدم شمول فتوى الثالث بالنسبة الى الثانى فى خصوص وجوب بالعدول الى الحىّ. لانّه يلزم منه المناقضة فى مسئلة البقاء، لأنّ البقاء على هذه الفتوى، لازمه وجوب الرجوع الى الحىّ، و هو ينافى مع فتوى الثالث بوجوب البقاء على الميّت.
و امّا بالنسبة الى ساير المسائل ايضا يلزم التعارض، من حيث انّ فتوى الأوّل اذا كانت وجوب صلاة الجمعة مثلا، و فتوى الثانى الّذى عدل اليه، حرمتها، فتكون المعارضة بينهما مع ان التّقليد بالنسبة الى كلّ واحد منهما، وقع صحيحا.
و على فرض فتوى الثالث بوجوب البقاء على الميّت، فهل يكون البقاء على فتوى الأوّل او على فتوى الثانى.
و السرّ فى ذلك هو عدم شمول واقعة واحدة لتقليدين.
لانّ التّقليد يكون فى الرأى الكلّى من الحكم، و هو قد تحقّق بنحو صرف الوجود، فلا يمكن وجودين من الكلّ فى موضوع واحد.
فى تفسير قوله(قدّه)على المبنى:
اقول: كان نظره(قدّه)، الى انّ حلّ المناقضة فى خصوص مسئلة العدول لا يكفى لرفع الإشكال، و لا مناقضة فى البين.
لانّه فى خصوص مسئلة البقاء، لا يجىء المناقضة اصلا لعدم اطلاق لفتوى الثانى بوجوب العدول حتّى بالنسبة الى بعد موته، حتّى يناقض فتوى الثالث، اذا الميّت لا يكون له رأى بوجوب تقليده بعد موته.
فكما أنّ أصل التّقليد ليس بتقليدىّ، للزوم الدّور و التسلسل، فكذلك قول الميّت بوجوب العدول غير متّبع بعد موته، فلا مناقضة اصلا.
و امّا الإشكال فى ساير المسائل، فهو ايضا مندفع من جهة انّ الرأى و ان كان كليّا، و لكن لا اشكال فى انّ ما وقع على طبق رأى الأوّل يكون حصّة من التّقليد، فهو صحيح فى محلّه، و ما وقع على رأى الثانى ايضا صحيح فى محلّه. فالمدار يكون رأى المجتهد الحىّ فعلا، و هو هنا المجتهد الثالث فى صدور الحكم للعامى المقلّد.
و مثل هذا الفرع يجىء فى صورة كون فتوى الثانى جواز البقاء على تقليد الميّت و فتوى الثالث على وجوب البقاء، لا مناقضة فى البين لاتّحادهما فى اصل البقاء.
تبدّل رأى المجتهد
الأمر الثالث فى تبدّل رأى المجتهد.
و تقدّم البحث مفصّلا فى محلّه و لكن نظره الكلام هنا اجمالا هو انّ المجتهد اذا تبدّل نظره عن الرّأى الأوّل الى الرّأى الثانى الجديد، فلا بدّ للعامى المقلّد، من تطبيق عمله على رأيه الجديد، و نقض الآثار الّتى ترتّب على الرّأى الأوّل ان كان موضوعه باقيا.
كالعقد الّذى وقع بالفارسيّة و يكون المعقود عليه باقيا فبعد رأى الثانى الجديد بوجوب العربية، فهل يجوز للمقلّد العدول عن هذا المجتهد الّذى له رأيان الى مجتهد آخر يمضى ذلك العقد السابق، و رأيه مثل رأى الأوّل، أو لا يجوز؟ فقولان:
عدم الجواز:
من عدم جواز الرجوع، لإن نقض الأوّل بالنسبة الى فتوى الجديد موجب للنقض المقامى، لوجود التلازم بينهما من حيث انّ فتوى الأوّل رأى كلّى يشمل باطلاقه الوقائع كلّها.
مثلا اذا أفتى الأوّل بحرمة عصير عنبى و نجاسته بعد الغليان و قال الآخر بحرمته فقط، يكون اطلاق فتوى الأوّل القائل بالنجاسة شاملا لمورد الأثر من فتوى الثانى القائل بالطهارة، و بطلان العمل الّذى أتى به اذا كان شرطه الطهارة، الّا انّ يدلّ دليل على عدم وجوب الإعادة كما فى الصلاة.
فانّ الحكم الكلّى فى مسئلة يستمرّ باطلاقه و يمضى فى جميع الموارد، فلا يجوز رجوعه الى الغير لانّه موجب للنقض، فلا يجوز الرجوع فى جزئيّات ذلك الكلّى.
و هذا دليل القول بعدم الجواز للعدول.
القول بالجواز:
و امّا القول بالجواز فهو مترتّب على القول بعدم التلازم بينهما. حيث انّ استعداد المحلّ شرط فى شمول اطلاق الرأى و ان كان كليّا، و من المعلوم انّ متعلّق الرأى فى الأوّل قد مضى وقته، فلا تأثير لفتوى الثانى فيه و يكون اثر كلامه فى حيطة متعلّقه و نفوذ رأيه، و هو من حين الرجوع اليه، فلا يشمل قبله. لكن التّحقيق انّه لا فرق بين مسألتين فى المقامين.
و ذلك لانّ تبدّل رأى المجتهد يكون من جهة كشف الخلاف بالنسبة الى الواقع او كشف الخلاف بالنسبة الى ما هو حجّة عنده. مثل ما إذا وجد الخاصّ بعد العامّ او القيد بعد الإطلاق، فلا بدّ له من الحكم بنقض ما ترتّب على فتوى الأوّل.
و امّا فى المقام بالنّسبة الى العدول الى المجتهد الثانى فهو ايضا كذلك،
فانّ المجتهد الثّانى الّذى رجع اليه المقلّد، يكون رأيه بطلان رأى من سبق من المجتهد الأوّل، من باب عدم مطابقة فتواه للواقع او من باب كشف ظهور الخلاف بالنسبة الى ظهور السابق من المجتهد الأوّل.
مثل ما اذا كان المجتهد الثانى وجد عنده الدّليل الخاصّ او المقيّد بالنسبة الى العامّ او المطلق، مع زعم المجتهد الأوّل بعدم وجوده و قد حكم بالدّليل العامّ او المطلق.
فيجوز له الرجوع الى المجتهد الثانى و يعمل طبق الفتوى مساعدا لفتوى الأوّل ممّن قلّده سابقا.
و ليس المقام من باب انتهاء أمد حكم المجتهد الأوّل و حين الرجوع الى الثانى يكون اوّل لحظة الأمد للحكم المجتهد الثانى.
فليس للأمد دخل فى المسألة بل يكون الحكمين مستقلين فلا تداخل فى البين حتّى يحكم ببطلان الأوّل و لوازمه.
فانّ رأى المجتهد ليس له موضوعيّة محضة، بل و له طريقيّة الى الواقع، فاذا رجع الى الثانى يلزم مطابقة العمل لحكمه، لأنّ مرجع القول هو الرأى الفعلى للمجتهد المتّبع للمقلّد حين العمل.
حكم التّقليد فى حال الصغر
الأمر الرابع حكم التّقليد فى حال الصغر، ثمّ مات المجتهد. و هو انّه اذا كان المقلّد فى حال صغره قد قلّد من مجتهد، و قلنا بصحّة هذا التّقليد، لصحّة عبادات الصبىّ المميّز، فمات ذلك المجتهد قبل بلوغ الصبىّ. ثمّ قلّد مجتهدا آخر حيّا و هو يحكم بوجوب البقاء على رأى الميّت. ففى هذه الصورة، فهل يجب عليه البقاء على رأى من قلّده فى حال صغره اوّلا و مات، او يكون هو مختارا فى العدول الى الحىّ.
فى المسألة وجهان من النظر.
امّا وجه الحكم بوجوب البقاء، لعموم دليل البقاء الشامل فى المورد، لكون تقليده قد وقع صحيحا فى السابق.
و امّا وجه عدمه، و جواز الرجوع، فهو انّ التّقليد و ان كان قد وقع صحيحا، الّا انّ حرمة العدول عنه الى المجتهد الحىّ، لم تثبت فى حقّ الصبى فى تقليده، فيكون استصحاب التّخيير جاز فى حقّه بلا معارض.
عدم امكان التّقليد من الحىّ
الأمر الخامس صورة عدم امكان التّقليد عن المجتهد الحىّ.
فلو لم يكن تقليد الحىّ إمّا لعدم وجوده او لعدم الوصول اليه.
فهل هنا تعيّن عليه العمل بالاحتياط إن امكن، او يجب عليه الأخذ بالظّنون المعتبرة شرعا كالشهرة، او يجب عليه التّقليد من الميّت. وجوه و اعتبارات فى المقام.
و الكلام هنا فى طوليّة هذه الموارد، بعد فقد الحىّ، فيجب تقديم الاحتياط، ان امكن ثمّ العمل بالمشهور ان اطّلع، ثمّ التّقليد من الميّت و الأخذ بقوله.
حكم العامى هنا:
و الكلام فى هذا البحث تارة يلاحظ بالنسبة الى العامى، و الدليل عنده بمقتضى حكم الفطرة، و تارة يلاحظ بالنسبة الى المجتهد الّذى يريد بيان حكم هذه المسألة بحسب مقتضى الأدلّة.
كلام الشّيخ الأنصارى:
قال الشّيخ الأعظم الأنصارى(قدّه):
إنّ هذا البحث بالنسبة الى العامى غير مجد و غير مفيد من حيث انّه لا يميّز مراتب هذه الوجوه المذكور و تقديم بعضها على بعض، فيبقى متحيّرا، و كيف كان ان لم يمكن تقليد الحىّ يجب العمل بالاحتياط ثمّ المشهورات فيصلّ النوبة الى تقليد الميّت، انتهى.