تحصيل الحكم من المدارك فى الكتاب و السنّة من الرّوايات الواردة من النبىّ الاعظم او من الائمّة الأطهار(عليهم السلام).
الإشكال و جوابه:
و حينئذ فما ذكر من الإشكال من انّ المجتهد فى الفقه و الأحكام الشرعيّة، لا يكون مجتهدا، فى العلوم المذكورة، بل يعلم قليلا فكيف يكون مجتهدا و يفتى فى الأحكام الفقهى، مندفع.
بانّ الاطّلاع من ذلك العلوم المذكورة بمقدار لازم فى طريق تحصيل الحكم الشرعى و الاطّلاع على فهم المدارك، كاف للفقيه فى الاجتهاد، فلا يجب عليه الاطّلاع الجامع، بحيث يكون هو مجتهدا فى كلّ واحد من هذه العلوم مستقلّا.
نعم يكون فى العلماء من يجتهد فى علم العربية جامعة مثل ابن حاجب و غيره او يكون مجتهدا فى اللّغة مثل الفيّومى و العلائلي او كان مجتهدا عالما فى التفسير مثل الطبرسى و الزمخشرى و غيرهما.
بل كان علم اصول الفقه فى زماننا هذا فى سعة ممّا يحتاج الفقيه من هذا العلوم.
مثل بحث المشتق، فانّه متكفّل لفهم تركيبات الجملة بتحليل منه الى المادّة و الهيئة و الاطّلاع على هيئة الفاعل و غير ذلك. و هكذا البحث عن العامّ و الخاصّ من مباحث الالفاظ فى علم اصول الفقه، بنحو يجىء ذهن المجتهد الى الاستعارة و الكناية، او الحقيقة و المجاز ممّا دوّن فى المعانى و البيان.
و بعض ما ذكر من العلوم، يبحث عنه فى الفقه بنحو اضبط من الكتب المدوّنة فى ذلك. مثل آيات الأحكام يفسّر فى الفقه بنحو جامع من كتب التفسير.
مثل آية التيمم فى الطهارة، فهل ترى من مفسر فى كتابه، بهذا النحو الّذى ذكر الفقهاء من الإطالة فى بيان ما هو الدلالة. و مثلها ساير الآيات فى الأحكام.
و كذا فى علم اللّغة، اذا احتاج الفقيه بالرّجوع الى كتبه، فانّه فى تحقيقه أدقّ من اللّغوى زائدا على ما جاء به اللّغوى فى دقّته.
و هكذا الأمر فى علم الرجال، و ان كان له شأن و دخل عظيم فى الوثوق بالرّوايات و هو يتلو فى الأهميّة بعد اصول الفقه، الّا انّه يتحقّق الوثوق بواسطة موافقته مع الشهرة، فلا تصل النوبة الى الدقّة فى رجال الحديث. نعم على فرض عدم قبول بعض اقسام الشهرة مثل شهرة الفتوائية مثلا، فنحتاج الى علم الرّجال و هو المطلوب.
و مع ذلك، فالاجتهاد و الوثوق بالرّواية سهل، لأنّ بعض رجال الحديث لا نحتاج فى شأنهم الفحص و التّحقيق حيث انّ فى مثل زرارة و محمّد بن مسلم و غيرهما من اصحاب الإجماع الّذين كثروا نقل الحديث، و هم كالشّمس فى رابعة النّهار من علوّ شأنهم. و من يحتاج الى الفحص عن حاله من الرّواة، رجال معدودون اذ لكلّ امام معصوم(ع)صحابة و رواة معلوم حالهم و قد بحثوا فى الفقه عنهم حتّى يحصل الوثوق.
اهميّة علم اصول الفقه فى الاجتهاد:
فتحصّل من جميع ما ذكرنا انّ ما لا محيص عنه من هذا العلوم فى مبادى الاجتهاد هو علم الأصول بهذا المنهج الّذى بايدينا جامعا و مانعا، و الفقيه لا بدّ منه بحيث اذا لم يكن لم يحصل الاجتهاد له، فهو الأصل الوحيد فى المرتبة فى باب مقدّمات الاجتهاد و يتلوه علم رجال الحديث فى بعض الموارد على ما فصّلناه.
و من العجب عن بعض اخواننا الأخباريين، حيث قالوا بانّ علم الاصول بهذا النحو بدعة، و هذا القول منهم فى غاية البعد و الاعجاب. لأنّهم ان ارادوا من قولهم، انّه بدعة، هو ان العلم بالترتيب الّذى يكون بايدينا من الابواب و المباحث و فصول، لم يكن بهذا الترتيب فى زمن الائمة(عليهم السلام)فهو صحيح الّا انّه لا يفيد مطلوبهم. لان علم التفسير ايضا كذلك و كذا ساير العلوم ايضا لم يكن بهذا الترتيب الّذى يكون الآن دارجا فى الكتب المدوّنة، فى زمن الائمّة(عليهم السلام). فكما انّ هذه لم تكن بدعة فى شىء، فكذلك علم الاصول ايضا.
فإنّ سند الاصول هو الرّوايات الواردة فى كتب الحديث عنهم(عليهم السلام)، بعد كتاب اللّه العظيم. و الاخبار ايضا يحكى بذلك، فلا وجه للتفكيك بين الاخبارى و الأصولى فى مدارك الأحكام. مضافا الى أن بعض المسائل ممّا لا بدّ من الفحص فى الاصول فى فهمهما مثل الخمس فى انّه من العبادات التعبّدية او التوصّلية و لا يتّضح ذلك الّا فى الاصول، بأنّ اطلاق الخطاب هل يقتضى التعبّدية او التوصلية؟
و لنا كلام فى تحقيق المقام بين الاصول و الاخبارى و التوفيق بينهما. و كيف كان فتلخيص الكلام ان العلوم و ان كانت لها دخل فى الاجتهاد و الوصول الى الحكم الشرعى، الّا انّه لا شبهة فى لزوم علم الاصول و دخله فى الاجتهاد، عظيم دخل و أشدّ قيمة، بحيث لا اجتهاد الّا بالاجتهاد فى علم الاصول.
و هذا تمام الكلام فى مبادى الاجتهاد.
ادلّة الأحكام
ما يحتاج اليه الفقيه من الأدلّة:
ادلّة الأحكام الّتى يحتاج اليها الفقيه عند الكلّ فى استنباط الأحكام الشرعيّة، و هى الطرق الموصلة الى الأحكام، اربعة. و هى الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و دليل العقل.
و قد اتّفق المسلمون كافة على انّ هذه الأربعة هى الأدلّة فى الأحكام الشرعيّة الإسلامية.
و هناك ادلّة اخرى اختلفوا فيها.
مثل القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة.
فهى حجّة عند علماء اهل السنّة، و استدلّوا بها فى احكامهم. و لكن الشيعة الإماميّة لا يعملون بها و يعتقدون بعدم حجيّتها، لانّها عليل غير صحيح الاستناد عندهم و لا بأس بالتعرّض اليها جميعا، و التحليل فى كيفيّة دلالتها على ضوء البحث العلمى اجمالا. فنقول:
الكتاب العزيز:
امّا الكتاب، فهو المصحف الشريف الّذى هو الدستور الالهى الباحث لوظائف المسلمين كافّة، دينيّا، من الأحكام العمليّة و الأخلاق النفسانيّة، و المعتقدات القلبيّة. فتكون الأحكام الشرعيّة من جملة الوظائف المقدّرة فى الشريعة للمسلمين
فى المصحف الكريم.
و الوظائف المقرّرة العمليّة فى الفاظ آياته الكريمة، امّا بالنصّ، او بالظّاهر، و هما معا دليلان فى الشريعة الدينيّة للانسان المسلم.
و يحتاج ذلك الى معرفة، دلالات الالفاظ، و معرفة المحكم و المتشابه، و الحقيقة و المجاز، و الأمر و النهى، و العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و المجمل و المبين و الظّاهر و المؤوّل، و النّاسخ و المنسوخ، الى غير ذلك من العناوين الّتي كلّها مدوّنة فى علم الأصول تحقيقا، ممّا يلزم الاطّلاع عليها للفقيه حسب مداليل الآيات الكتاب الكريم. فيجب على المجتهد الفقيه ان يراجع فى معرفة هذه العوارض المذكورة الى علم اصول الفقه، فانّه المستوفى فى التّحقيق بالنّسبة الى هذه الأمور.
آيات الأحكام:
و امّا بالنّسبة الى الجزئيّات المستنبطة فى الأحكام الشرعيّة، يراجع الى آيات الأحكام فى هذا الكتاب الكريم، و هى خمسمائة و نيف آية الّتى هى مدار الأحكام الفقهيّة الإسلامية.
تفسير آيات الأحكام:
فيراجع المجتهد الى تفسير هذه الآيات من الكتب التفاسير المدوّنة من مؤلّفيها مثل كتاب تفسير البيان للشيخ الطوسى و تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسى و غيرهما.
و هكذا الكتب المدوّنة من مؤلّفيها فى خصوص آيات الأحكام.
الكتب المدوّنة فى آيات الأحكام:
مثل كتاب شرح آيات الأحكام للشيخ قطب الدّين الراوندى. و كتاب منهاج الهداية[1]
[1]- فى سنة 573 هق
فى تفسير آيات الأحكام للشيخ البارع احمد بن متوّج و زبدة البيان للمحقق الأردبيلى و كتاب كنز العرفان فى فقه القرآن للشيخ الفاضل المقداد بن عبد اللّه الحلّى و مسالك الافهام للشيخ جواد الكاظمى.
و هذه الأخيرة احسن الكتب الاربعة فى هذا الفن، لاشتمالها على المباحث بشكل مستوفى بالنّسبة الى كل آية فى الأحكام[1]، و من بيان اختلاف اقوال المفسرين.
فيحتاج الناظر الى قوّة عمليّة حتّى يعمل ترجيح بعضها على بعض، و معرفة الأقرب منها الى المعنى الّذى يقتضى وضع اللّفظ فى الآية الكريمة. و كذا كتاب زبدة البيان فى آيات الأحكام للمقدّس الاردبيلى(قدّه).
و للفقيه المجتهد ان اراد ان يتوسّع الاطّلاع العلمى فى آيات الأحكام بالرجوع الى كتب التفاسير المطوّلة ايضا و يفيد له مزيد اطّلاع و دقّة.
السنّة الشريفة:
و امّا السنّة الشريفة فهى الأوامر و النّواهى للنّبى المعظّم و المعصومين من اهل بيته(عليهم السلام)فإنّ اقوالهم الّتى نطقوا بها، و كذا افعالهم الّتى قاموا بها بعنوان الوجوب او الاستحباب، فتدلّ على وجوب ذلك العمل او استحبابه ما لم يكن من الخصائص لهم، مثل نوافل اللّيل الّتى من خصائص النّبى(صلّى اللّه عليه و آله)، وجوبه. و هكذا تقريرهم، لمن يعمل من اصحابهم عملا بمحضره الشريف.
القول و الفعل و التقرير:
فالقول و الفعل و التّقرير، كلّها سنّة منهم(عليهم السلام)للعمل بالوظيفة الشرعيّة (- فى سنة 830 ه ق)
(- فى سنة 826 ه ق)
[1]- و هذا الكتاب الأخير قد انتشر مع استخراج المصادر و المنابع فى سلسلة منشوراتنا الفقهيّة و ترجّم الى اللّغة الفارسيّة ايضا و يدرّس فى الحوزات العلميّة و الجامعات و منشورات مكتب نويد اسلام قم.
للمسلمين. فحينئذ يحتاج الاستنباط منها و معرفة دلالة الالفاظ على الأحكام المقدّرة، الى معرفة عوارض الالفاظ المذكورة، فيلزم ان يراجع الفقيه فيها الى علم اصول الفقه المتكفّل لبيان هذه العوارض، كما قلنا.
اقسام الأحاديث:
و ينقسم الحديث الوارد فى السنّة، الى المتواتر و الآحاد، فى اقسامه: المشهور و الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف.
الحديث المتواتر:
الحديث المتواتر ما هو طريق مسلّم، و تختلف احواله بالنّسبة إلى الأشخاص باختلاف وصول التواتر اليهم.
الأحاديث الآحاد:
و امّا الآحاد من الحديث، فامّا مشهور و هو ما زاد رواته على الثلاثة، و يسمى هذا، الخبر المستفيض، و حكمه كالمتواتر فى الاعتماد عليه، و يختلف حاله كاختلاف المتواتر. و يكتفى فى معرفة الحديث المشهور، بمراجعة الكتب و المصنّفات الفقيهة و الحديثية.
اقسام الحديث:[1]
و امّا الحديث الآحاد الغير المشهور، هو عند اصحابنا على اربعة اقسام.
الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف.
[1]- و للحديث اقسام عديدة الرئيسية و الفرعية، المذكورة فى الكتب المعنونة لهذا الفن.
الحديث الصحيح:
و هو ما رواه العدل المعلوم العدالة الصحيح المذهب بطرق عدول كلّها متّصلا الى المعصوم.
الحديث الحسن:
و الحديث الحسن، هو ما رواه الممدوح الّذى لم يبلغ مدحه التصريح بعدالته، او كان احد رواته كذلك.
الحديث الموثق:
و هو ما رواه العدل الغير المرضىّ فى دينه المأمون من تعمد الكذب فى نقله، او كان فى الطريق فى سلسلة السند ما هو كذلك.
الحديث الضعيف:
الحديث الضعيف، و هو ما كان راويه الإمامى الغير الموثّق او الفاسق.
الحديث المرسل:
و قد يكون الحديث مرسلا:
و هو ما قد عرّفه الشهيد الثانى: بما رواه عن المعصوم(ع)و لم يدركه و اسقط الواسطة فى النقل و اسند مستقيما الى الإمام المعصوم(ع)على التفسير المشهور، او اسقط بعض رواته على التفسير الخاص.[1]
مراسيل الثّقات:
[1]- قواعد الحديث الغريفى ص 72