نتيجة البحث:
فتحصّل الكلام انّ الأمور الإذنيّة من المجتهد لا تمضى بعد موته، و امّا غيرها من الأمور الّتى صدرت منه باعتبار المنصب فكلّها ممضاة و باقية بعد موته، لأنّه واسطة فى فعله، لا من شخصه.
حكم الأجير و الوكيل و الوصىّ
قال السيّد الطباطبائى فى العروة:
«انّ الوكيل فى العمل عن الغير كإجراء العقد او الإيقاع او اعطاء خمس او زكاة او كفّارة او غير ذلك، يجب عليه ان يعمل بمقتضى تقليد الموكّل، لا تقليد نفسه اذا كانا مختلفين. و كذا الوصىّ فى مثل ما لو كان وصيّا فى استيجار الصلاة عنه، يجب ان يكون على وفق فتوى مجتهد الميّت».
البحث اعمّ من التعبّدى و التوصّلى:
و لا يخفى انّ البحث هنا اعمّ من التعبّدى و التوصّلى.
و التّحقيق انّ نظره(قدّه)فى باب الوكالة متين جدّا، فانّ الوكيل يكون فى مقام الموكّل، فلا بدّ ان يعمل على طبق وظيفة الموكّل، ليقع العمل عنه.
كلام بعض الأساطين:
و عن بعض الأساطين من المعاصرين[1]:
انّ اطلاق الوكالة يقتضى ان يكون العمل صحيحا و لو بنظر الوكيل لأنّه وكيل لإتيان العمل الصحيح و خصوصيّاته، مع اطلاق الوكالة، و بنظره. و هذا فى الوكيل
[1]- السيّد الخوئى فى التقريرات.
المفوّض.
امّا الوكيل فى إتيان العمل على نحو خاصّ، فلا بدّ من ملاحظة الخصوصيّات المعيّنة عند الموكّل، و لو كان ما عيّنه باطلا عند الوكيل من جهة بعض الآثار المترتّبة، كالعربيّة فى اجراء صيغة العقد مثلا، و ان كان الأثر الحاصل من العقد باطلا عند الوكيل مثل ايجاد العلقة الزوجيّة او حصول الملكية، انتهى.
لكن يشكل الأمر هنا:
و لكن يشكل الأمر من انّ المقصود من الوكالة هو ان يكون عمل الوكيل، هو عمل الموكّل، بالتنزيل البدنى، او العملى عن جانب الوكيل.
و لا يتمّ هذا فى الفعل الّذى يكون باطلا عند الموكّل و لو كان صحيحا بنظر الوكيل، الّا على فرض كون الحكم الظاهرى عند الوكيل حكما واقعيّا للموكّل، و هذا بعيد جدّا، لعدم وجود الدليل.
صورة التبرّع فى العمل:
و هكذا الأمر بالنسبة الى النائب فى عمله عن المنصوب عنه، او المتبرّع عما تبرّع.
الإشكال فى صورة التبرّع:
و ما قد يتوهّم بانّ المتبرّع يريد اهداء شىء الى آخر، و يكون هذا العمل منه بدون الأجرة و الالتزام. فهو يهدى هذا العمل الّذى اقامه صحيحا بنظره الى من يهدى اليه، فلا حاجة له الى احراز الصحّة بنظره.
جواب الإشكال:
فمندفع بانّ الاهداء ايضا يكون فى صورة قابليّة العمل عند المهدى اليه، لرفع نقض منه او علوّ درجة له، لا مجرّد نفس العمل باىّ نحو كان.
و هكذا الكلام فى الأجير ايضا.
فانّه يوجد نفسه لإتيان العمل على ما هو وظيفة الميّت، فلا بدّ من إتيان العمل بنحو كان يبرئ ذمّة الميّت. فالمدار على مراعاة تكليف الميّت و إتيان العمل على طبق وظيفته، لا على تكليف نفس الأجير.
اشكال آخر:
و ما قد يقال بان الأمر الإجارىّ، توصّلى و الأمر العبادى تعبّدى متوجّه الى الميّت، و قد سقط ذلك التعبّدى بموته.
فلا مصطلح لعباديّة العمل من الأجير، الّا و ان يأتى الأجير بداعى القربة على طبق نظره، ثمّ يهدى ثوابه الى الميّت.
فيكون عمله مثل التبرّع فى عدم لزوم مراعاة تكليف الميّت كما فى الإهداء الابتدائي.
جواب الإشكال:
فمندفع بانّ القياس بالاهداء الابتدائى على فرض تسليم الإشكال فى العبادات الاستيجارى، لا معنى له.
لانّ الإهداء يلاحظ بالنسبة الى الميّت، و تحصيل فراغ ذمّته، بهذا العمل بواسطة الإجارة، فلا بدّ من ملاحظة ما فى ذمّته، و تحصيل الفراغ عمّا هو عليه، لا إتيان العمل باىّ نحو كان قد صدر من الأجير.
ما يستفاد من اطلاق الدليل:
و القول بانّ اطلاق، دليل صحّة الايجاد للعبادات و ترك الاستفصال من جهة كيفيّة إتيان العمل ينتج عدم لزوم مراعاة ما هو على الميّت.
و هذا ليس بصحيح:
غير صحيح، لانّ الإطلاق يتمسّك به على فرض كونه بصدد البيان، و من المعلوم انّ ادلّة صحّة العبادات الاستيجارى لا تكون فى مقام بيان كيفيّة العمل عن الأجير.
لزوم ملاحظة تكليف الميت:
و حينئذ فلا بدّ من ملاحظة تكليف الميّت فى إتيان العمل، و على فرض الشكّ يكون من باب الشكّ فى الفراغ، فلا بدّ من الجمع بين التكليفين، تكليف نفس الأجير، و تكليف الميّت من باب الاحتياط فى تحصيل الفراغ من الذمّة.
كلام المحقّق النائينى:
ثمّ انّ الحقّ هو انّ الأمر فى باب العبادات الاستيجارية، لا يصل الى القول بالاهداء، بل عباديّة العمل و صحّته، امّا باندكاك الأمر الإجارى فى الأمر العبادى كما قال استادنا المحقّق النائينى(قدّه).
بناء على ما نقول به من البدن التنزيلى:
و امّا بما نقول بالتنزيل البدنى او العملى، باعتبار انّ الصلاة مثلا عبادة فى ذاتها، لانّ الركوع و السّجود عبادة ذاتا، و الأجير ينسب هذا العمل الى الميّت، او التنزيل العملى من عمله مكان عمله.
فانّ النفس التنزيلى يكفى فى تحصيل العباديّة للعمل، و كون امر الميّت امره فى العمل، و انّ طاعته، طاعته بهذا الاعتبار المذكور.
هكذا الكلام فى حكم الوصى:
و ممّا ذكرنا فى باب الأجير، يظهر حال الوصىّ ايضا لانّه لا شأنيّة له فى نفسه ليلاحظ حال نفسه و ما هو الصّحيح عنده.
بل لا بدّ من إجراء وظيفة الميّت و ما هو عليه، من استيجار من يأتى العمل عن الميّت، بحيث يوجب فراغ ذمّته، فيجب عليه ملاحظة وظيفة الميّت فى التكليف و العمل.
مقتضى القاعدة الفقهيّة:
فتحصّل من ذلك كلّه، أن مقتضى القاعدة الفقهيّة من الاشتغال هو ملاحظة وظيفة الموكّل فى الوكالة، و كذا وظيفة المنصوب عنه فى النيابة، و وظيفة الميّت فى الإجارة، على ما هو التّحقيق الّذى ذكرناه فى المقام.
فى احكام الاحتياط
و الكلام هنا فيما يتعلّق بالاحتياط و ما هو المراد منه و بعض الكلام فيه.
الاحتياط لغة:
فهو من حوط، حاط، حيطة، حياطة: اى حفظه و صانه و تعهّده، و احتياط الرجل: اى أخذ فى أمور بالجزم الّذى من لوازمه الحافظة على نفسه، بمعنى الاهتمام. و الأحوط: اى الأشدّ احتياطا، و الاقرب الى الثقة و احاط به احتاط به: اى احدق به من جوانبه، يقال احاط بالأمر علما، اى احدق به علمه من جميع اطرافه.
الاحتياط اصطلاحا:
فالاحتياط فى المعنى الاصطلاحى، هو بمعنى الإتيان بجميع المحتملات و احراز الواقع به، بشرط ان لا يكون مبغوضا لدى الشارع كما لو اوجب الاحتياط اختلال النظام، او العسر و الحرج المنفيّين شرعا، او الوسوسة المذمومة فى الدّين الّتى تعدّ من الأمراض النفسيّة، اعاذنا اللّه تعالى منها.
العمل بالاحتياط و سقوط التكليف:
و يكفى الاحتياط فى سقوط التكليف الواقعى مطلقا و قيل عند عدم التمكّن من تحصيل العلم التفصيلى بالاجتهاد او التّقليد فيكونان مقدّمين على الاحتياط حينئذ.
و من الواضح انّه بعد وجود العلم اجمالا بانّ العبد مكلّف بتكاليف شرعيّة، بحكم العقل بتنجّز الأحكام الواقعيّة على كلّ مكلّف، فيلزم الخروج عن عهدتها امّا بالاجتهاد او بالتّقليد او بالاحتياط.
فيبقى المكلّف بحاجة الى الابدال الثلاثة حتّى بعد انحلال العلم الاجمالى بالظفر بجملة من التكاليف بالاجتهاد او التّقليد، لانّه فى الشبهات الحكميّة بل و فى الشبهات الموضوعيّة لا يجرى، الأصل النافى للتكليف باجراء اصالة البراءة الّا بعد الفحص، فمجرّد احتمال التكليف الالزامى، يكفى فى تنجّزه، و لا يصحّ مخالفته الّا اذا كان هناك مؤمن للعقاب عقلا، و ذلك لا يحصل الّا بالاجتهاد فى العلم او بالتّقليد، او العمل بالاحتياط حتّى يخرج عن عهدة التكليف.
الاحتياط حسن على كلّ حال:
و الاحتياط حسن فى نفسه عقلا و شرعا، ما لم يستلزم العسر و الحرج و الوقوع فى الوسوسة، و النصوص الشرعيّة تدلّ على رجحانه و مطلوبيته، فيلزم التطابق بين الحجّتين الباطنيّة و الظاهريّة، العقل السليم الفطرى و الشرع المقدّس الأنور، و هذا ممّا لا تنكر، و حينئذ فالاحتياط حسن على كلّ حال حتّى مع التمكّن من الاجتهاد او التّقليد.
مناقشات حول الاحتياط:
و لقد اورد بعض الاعلام مناقشات عديدة حول جواز الاحتياط.
فمنهم: من انكر ذلك مطلقا، و منهم من قال بالمنع مع التمكّن من العلم التفصيلى بالاجتهاد او التّقليد، و منهم من جوّز ذلك مطلقا فى المعاملات بالمعنى الأعمّ و الأخصّ، و فى العبادات مطلقا الواجب النفسى او الضمنى، فيما اوجب التكرار ام لم يوجب، و منهم من قال بالتفصيل فى هذه الموارد، و لكلّ واحد منها توجيهات علمية.