و هكذا الكلام فى الأجير ايضا.
فانّه يوجد نفسه لإتيان العمل على ما هو وظيفة الميّت، فلا بدّ من إتيان العمل بنحو كان يبرئ ذمّة الميّت. فالمدار على مراعاة تكليف الميّت و إتيان العمل على طبق وظيفته، لا على تكليف نفس الأجير.
اشكال آخر:
و ما قد يقال بان الأمر الإجارىّ، توصّلى و الأمر العبادى تعبّدى متوجّه الى الميّت، و قد سقط ذلك التعبّدى بموته.
فلا مصطلح لعباديّة العمل من الأجير، الّا و ان يأتى الأجير بداعى القربة على طبق نظره، ثمّ يهدى ثوابه الى الميّت.
فيكون عمله مثل التبرّع فى عدم لزوم مراعاة تكليف الميّت كما فى الإهداء الابتدائي.
جواب الإشكال:
فمندفع بانّ القياس بالاهداء الابتدائى على فرض تسليم الإشكال فى العبادات الاستيجارى، لا معنى له.
لانّ الإهداء يلاحظ بالنسبة الى الميّت، و تحصيل فراغ ذمّته، بهذا العمل بواسطة الإجارة، فلا بدّ من ملاحظة ما فى ذمّته، و تحصيل الفراغ عمّا هو عليه، لا إتيان العمل باىّ نحو كان قد صدر من الأجير.
ما يستفاد من اطلاق الدليل:
و القول بانّ اطلاق، دليل صحّة الايجاد للعبادات و ترك الاستفصال من جهة كيفيّة إتيان العمل ينتج عدم لزوم مراعاة ما هو على الميّت.
و هذا ليس بصحيح:
غير صحيح، لانّ الإطلاق يتمسّك به على فرض كونه بصدد البيان، و من المعلوم انّ ادلّة صحّة العبادات الاستيجارى لا تكون فى مقام بيان كيفيّة العمل عن الأجير.
لزوم ملاحظة تكليف الميت:
و حينئذ فلا بدّ من ملاحظة تكليف الميّت فى إتيان العمل، و على فرض الشكّ يكون من باب الشكّ فى الفراغ، فلا بدّ من الجمع بين التكليفين، تكليف نفس الأجير، و تكليف الميّت من باب الاحتياط فى تحصيل الفراغ من الذمّة.
كلام المحقّق النائينى:
ثمّ انّ الحقّ هو انّ الأمر فى باب العبادات الاستيجارية، لا يصل الى القول بالاهداء، بل عباديّة العمل و صحّته، امّا باندكاك الأمر الإجارى فى الأمر العبادى كما قال استادنا المحقّق النائينى(قدّه).
بناء على ما نقول به من البدن التنزيلى:
و امّا بما نقول بالتنزيل البدنى او العملى، باعتبار انّ الصلاة مثلا عبادة فى ذاتها، لانّ الركوع و السّجود عبادة ذاتا، و الأجير ينسب هذا العمل الى الميّت، او التنزيل العملى من عمله مكان عمله.
فانّ النفس التنزيلى يكفى فى تحصيل العباديّة للعمل، و كون امر الميّت امره فى العمل، و انّ طاعته، طاعته بهذا الاعتبار المذكور.
هكذا الكلام فى حكم الوصى:
و ممّا ذكرنا فى باب الأجير، يظهر حال الوصىّ ايضا لانّه لا شأنيّة له فى نفسه ليلاحظ حال نفسه و ما هو الصّحيح عنده.
بل لا بدّ من إجراء وظيفة الميّت و ما هو عليه، من استيجار من يأتى العمل عن الميّت، بحيث يوجب فراغ ذمّته، فيجب عليه ملاحظة وظيفة الميّت فى التكليف و العمل.
مقتضى القاعدة الفقهيّة:
فتحصّل من ذلك كلّه، أن مقتضى القاعدة الفقهيّة من الاشتغال هو ملاحظة وظيفة الموكّل فى الوكالة، و كذا وظيفة المنصوب عنه فى النيابة، و وظيفة الميّت فى الإجارة، على ما هو التّحقيق الّذى ذكرناه فى المقام.
فى احكام الاحتياط
و الكلام هنا فيما يتعلّق بالاحتياط و ما هو المراد منه و بعض الكلام فيه.
الاحتياط لغة:
فهو من حوط، حاط، حيطة، حياطة: اى حفظه و صانه و تعهّده، و احتياط الرجل: اى أخذ فى أمور بالجزم الّذى من لوازمه الحافظة على نفسه، بمعنى الاهتمام. و الأحوط: اى الأشدّ احتياطا، و الاقرب الى الثقة و احاط به احتاط به: اى احدق به من جوانبه، يقال احاط بالأمر علما، اى احدق به علمه من جميع اطرافه.
الاحتياط اصطلاحا:
فالاحتياط فى المعنى الاصطلاحى، هو بمعنى الإتيان بجميع المحتملات و احراز الواقع به، بشرط ان لا يكون مبغوضا لدى الشارع كما لو اوجب الاحتياط اختلال النظام، او العسر و الحرج المنفيّين شرعا، او الوسوسة المذمومة فى الدّين الّتى تعدّ من الأمراض النفسيّة، اعاذنا اللّه تعالى منها.
العمل بالاحتياط و سقوط التكليف:
و يكفى الاحتياط فى سقوط التكليف الواقعى مطلقا و قيل عند عدم التمكّن من تحصيل العلم التفصيلى بالاجتهاد او التّقليد فيكونان مقدّمين على الاحتياط حينئذ.
و من الواضح انّه بعد وجود العلم اجمالا بانّ العبد مكلّف بتكاليف شرعيّة، بحكم العقل بتنجّز الأحكام الواقعيّة على كلّ مكلّف، فيلزم الخروج عن عهدتها امّا بالاجتهاد او بالتّقليد او بالاحتياط.
فيبقى المكلّف بحاجة الى الابدال الثلاثة حتّى بعد انحلال العلم الاجمالى بالظفر بجملة من التكاليف بالاجتهاد او التّقليد، لانّه فى الشبهات الحكميّة بل و فى الشبهات الموضوعيّة لا يجرى، الأصل النافى للتكليف باجراء اصالة البراءة الّا بعد الفحص، فمجرّد احتمال التكليف الالزامى، يكفى فى تنجّزه، و لا يصحّ مخالفته الّا اذا كان هناك مؤمن للعقاب عقلا، و ذلك لا يحصل الّا بالاجتهاد فى العلم او بالتّقليد، او العمل بالاحتياط حتّى يخرج عن عهدة التكليف.
الاحتياط حسن على كلّ حال:
و الاحتياط حسن فى نفسه عقلا و شرعا، ما لم يستلزم العسر و الحرج و الوقوع فى الوسوسة، و النصوص الشرعيّة تدلّ على رجحانه و مطلوبيته، فيلزم التطابق بين الحجّتين الباطنيّة و الظاهريّة، العقل السليم الفطرى و الشرع المقدّس الأنور، و هذا ممّا لا تنكر، و حينئذ فالاحتياط حسن على كلّ حال حتّى مع التمكّن من الاجتهاد او التّقليد.
مناقشات حول الاحتياط:
و لقد اورد بعض الاعلام مناقشات عديدة حول جواز الاحتياط.
فمنهم: من انكر ذلك مطلقا، و منهم من قال بالمنع مع التمكّن من العلم التفصيلى بالاجتهاد او التّقليد، و منهم من جوّز ذلك مطلقا فى المعاملات بالمعنى الأعمّ و الأخصّ، و فى العبادات مطلقا الواجب النفسى او الضمنى، فيما اوجب التكرار ام لم يوجب، و منهم من قال بالتفصيل فى هذه الموارد، و لكلّ واحد منها توجيهات علمية.
المناقشات فى تحقّق الموضوع لا فى جواز الاحتياط:
و الظّاهر انّ هذه المناقشات انّما هى فى تحقّق موضوع الاحتياط، لا فى اصل جوازه.
و الأقوى جواز الاحتياط الّذى بمعنى إتيان العمل بجميع اطراف المحتملات مطلقا فى المعاملات و فى العبادات ما لم يستلزم التكرار المخلّ على التفصيل.
لزوم قصد الوجه و عدم احراز الواقع بالاحتياط:
و قد اشكل انّه مع لزوم اعتبار قصد الوجه او التمييز او غير ذلك لا يكاد يحرز الواقع بالاحتياط، بل لا بدّ من العلم التفصيلى فى ذلك.
و جوابه واضح بعد المناقشة فى الصغرى بعدم اعتبار شىء من ذلك، و انّه لو احرز المأمور به بأىّ نحو كان و لو باتيان جميع المحتملات كما فى صورة العمل بالاحتياط، فانّه يأمن من العقاب للقطع بالامتثال و حصول العلم بمطابقة المأتيّ به للواقع.
العمل بالاحتياط و عدم المجال للاجتهاد و التّقليد:
و أشكل ايضا انّه مع التمكّن من الاحتياط و قطعية الامتثال به لا مجال للاجتهاد او التقليد فى الوصول الى الواقع لعدم الامتثال اليقينى بهما، فانّ غايتهما هو الظنّ بالامتثال، و الامتثال القطعىّ مقدّم على الظنىّ كما هو الواضح.
و جوابه انّه بعد قيام الدليل على اعتبار الامارات الظنيّة كخبر الثقة و انّها بمنزلة الواقع، و كاشفة له و طريق اليه، فلا يرى العقل اىّ فرق بين الامتثالين فى اداء الوظيفة و اسقاط التكليف مطلقا، فلا فرق فى العمل به، فانّه يتحقّق الامتثال بحكم العقل.
الاحتياط تقليدىّ ام لا:
ربّما يقال بانّ المسألة خلافيّة، و لا بدّ من الرجوع الى المجتهد المفتى فى المسألة.
الاحتياط له حيثيّتان:
و التّحقيق عندنا، هو انّ الاحتياط له حيثيّتان. حيثيّة نفسيّة من جهة كونه معروضا للوجوب الشرعى الحقيقى او الطريقى، او معروضا للحرمة. بملاحظة العنوان المبغوض عنه، و حيثيّة حكم الشرعى فى مورده، من جهة تعيين احد الاطراف و عدمه عنده.
فالاحتياط باعتبار حيثيّته الثانية، تقليدىّ مثل وجوب الاحتياط فى باب الفروج و الدّماء، فانّ العقل و ان كان يحكم بالبراءة عقلا فيما هو المشتبه كذلك.
ل امرأة لا يدرى الشخص انّها اخته فلا يجوز تزويجها، او غيرها فيجوز، فانّه فى هذه الصورة لا بدّ له من ترك تزويجها رعاية للاحتياط.
و كذا مثل الشبهة فى انّ حكم قتل تارك الصّوم بالإفطار عمدا بعد الدفعة الثانية او الثّالثة باعتبار انّه مفسد: فانّ الاحتياط يقتضى ترك ذلك، لانّ الحدود تدرأ بالشبهات.
و قد حكم الشرع فى العمل بالاحتياط فى هذه الموارد، و هذا حكم تقليدىّ لا يكون للمقلّد سبيل الّا اليه، و كان الفقيه يعلم انّ للشارع حكم كذا فى الواقعة الكذائيّة باحد الأطراف فى المسألة، او حكم بالاحتياط فى ذلك المسألة.
هذا بالنسبة الى الحيثيّة الثانية فى الاحتياط.
و امّا الحكم فى الاحتياط بالنسبة الى الحيثيّة الأولى، فلا بدّ له من الرجوع الى الفقيه المجتهد حتّى يبيّن حكم الوجوب او الحرمة بالنسبة الى المسألة و يبيّن حكم الاحتياط فيها.
فتحصّل انّ الاحتياط تقليدىّ باىّ نحو كان، لعدم وصول العامى الى تعيين مورده فيلزم عليه مطابقته لقول المفتى فى مورد الاحتياط.
دوران الأمر بين الاحتياط و الاجتهاد:
و هل يجوز للمكلّف فى الوصول الى الواقع بالعمل بالاحتياط، او يجب عليه الاجتهاد او التّقليد حتّى يتمكّن من الامتثال تفصيلا؟
قال استادنا المحقّق النائينى(قدّه)، انّه يجب الامتثال تفصيلا اذا امكن ثمّ الامتثال الإجمالى بالاحتياط.
و قال سيّدنا الاستاد الاصفهانى(قدّه)، انّ الاحتياط احسن من الامتثال التفصيلى بالاجتهاد او التّقليد، فى مقام العبودية.
فى بيان مورد الاحتياط:
و حقيقة الكلام، انّ الأصل فى الأحكام هو الواقع و يجب الامتثال به و الوصول اليه.
فما يكون مقرّبا اليه و الوصول الى ساحته فهو المطلوب.
لكنّ الطريق اليه يكون متفاوتا، فتارة بالاجتهاد و مقتضى الأدلّة التفصيليّة، لمن كان اهلا له، او بالتّقليد الّذى يكون تلو الاجتهاد فى المشى الى الواقع، و تارة بالاحتياط الّذى ربّما يستلزم تكرار العمل، او لزوم الدقّة و يأتى بجميع اطراف العمل حتّى يحصل له القطع باتيان التكليف و الوصول الى الواقع الّذى يكون مأمورا به حقيقة.
فالطريق الى الواقع الّذى بايدينا هو هذه الثلاثة امّا الاجتهاد او التّقليد او الاحتياط، و لكلّ من هذه الثلاثة وجه من التفصيل و الاجمال.
وجوب الامتثال التفصيلى:
و كيف كان، فقد استدلّوا للوجوب التفصيلى بالإجماع المدّعى على بطلان الصلاة لمن لا يعلم احكامها، خصوصا فيما اذا استلزم الاحتياط، بالتكرار فى العمل.
كلام الشّيخ الأنصارى:
و عن الشيخ الأعظم الأنصارى(قدّه)، عدم الخلاف فى عدم صحّة الصلاة، بل المعلوم من طريق الشرع عدم مشروعيتها.