ثمّ بعد قرون متطاولة، قد اهتمّ الفقهاء المحدّثون (رحمهم اللّه تعالى)، على تجميع الأحاديث الواردة عن المعصومين(عليهم السلام). اكثر ممّا سبق فى الجوامع الاوليّة، و قد دوّنوا جوامع أخر حديثية، و جمعوا فيها تمام الأحاديث ممّا ورد عنهم(ع)على ما بايديهم، و اشتهر عند الاعلام بالجوامع الثانويّة.
و هى كتاب الوافى للفيض الكاشانى [المتوفّى 1091 ه]، و كتاب بحار الانوار للمجلسى [المتوفّى 1111 ه]، و كتاب وسائل الشيعة للحرّ العاملى [المتوفّى 1104 ه]، و كتاب مستدرك الوسائل للمحدّث النورى [المتوفّى 1320 ه] و له مزايا جيدة فى التأليف و التصحيح ممّا سبق، و جامع احاديث الشيعة لفقيه للأمة آية الله السيد حسين البروجردى المتوفّى 1381 ه ق) و للّه درهم و عليه اجرهم.
الكتب الأدلّة الرئيسية:
و من الكتب الأدلّة الرئيسيّة آخر للفقه و الاستنباط. و هى كتاب المختلف، و كتاب التذكرة، للشيخ الأجلّ جمال الدّين المطهّر الحلّى. و كتاب الايضاح لولده ابن المطهر.
و هكذا كتاب المهذّب البارع للشيخ الأجل ابن فهد الحلّى. و كتاب التنقيح للشيخ الأجل الفاضل المقداد[1].
الكتب الرجاليّة المعروفة:
و من اهمّ الكتب الرجاليّة المعروفة عند القوم. كتاب الخلاصة للعلامة الحلّى. و كتاب ابن داود الحلّى. و الدستور الّذى اعتمده العلّامة فى كتابه الخلاصة و قد اوضحناه سابقا، طريقة سهلة لمعرفة رجال الحديث، و هو مغن عن المراجعة فى ساير الكتب الرجاليّة. و أخيرا كتاب الرجال للاردبيلى و معجم رجال الحديث لآية
[1]- و قد اوضحنا فيما سبق ترجمة هذا الرجال العظيمة، فراجع.
الله العظمى السيد ابى القاسم الخويى(رضوان اللّه تعالى عليهم جميعا).
دليلية الإجماع:
و امّا دليليّة الإجماع للفقيه فى استنباط الحكم الشرعى. لا بدّ له من معرفة شرائطه و احكامه، على ما بحث فيه اهل الاصول.
و امّا معرفة وقوعه فى الأحكام او عدم وقوعه، فانّ ذلك ممّا لا بدّ منه للفقيه، و قد أشاروا اليه فى قولهم، انّ من جملة شرائط الاجتهاد معرفة مسائل الخلاف و الوفاق لئلّا يعتنى بما يخالفه. و تحصيل المعرفة فى وقوعه او عدم وقوعه، بالبحث و التفتيش فى كتب العلماء العظام فى الحوادث التى وقع البحث فيها من تصانيفهم الجليلة.
فان وجد اقوالهم متضافرة على حكم الحادثة حكم بوقوع الإجماع على ذلك، و الّا، حكم بالخلاف و عدم وقوعه، او بالوقوف على تحقّقه، او النقل على رواية بعض العلماء المشهورين بوقوع الإجماع على حكم الحادثة. فيكون الإجماع فى هذه الصورة، الإجماع المنقول بخبر واحد.
فالواجب على الفقيه المجتهد من تحصيل الأحكام، الرجوع الى ظواهر الكتاب ثم الرجوع الى السنّة، فاذا لم يجد من الكتاب و السنة دليلا فى الحكم، فيلزم عليه ان يأخذ ما اتّفق الفقهاء عليه، فان كان الفقهاء كلّهم اجمع اتّفقوا على فتوى، وجب الأخذ عليه لإجماعهم لاستكشاف قول المعصوم(ع)من اتّفاقهم، على ما افاده اصحابنا الإماميّة، او لانّ الامّة لا تتّفق على الخطاء بناء على نظر القوم من علماء اهل السنّة.
و اذا لم يكن اجماع فى البين اصلا للوصول الى الحكم الشرعى، وجب عليه العمل بما يقتضيه من الوظيفة بحكم العقل حسب التفصيل الّذى بيّن فى محلّه فى الأصول.
الشهرة الروائيّة و الفتوائيّة:
و هذا الطريق المذكور فى باب الإجماع، طريق الى الوصول بالشهرة الروائى و الشهرة فى الفتوى فإنّ معرفة المشهور من الروايات او المشهور فى الفتاوى، كون الحكم ممّا قال به الاكثر على حسب شهرة الروائى، او شهرة الفتوى.
فإنّ هذا ايضا من جملة المرجّحات فى باب الترجيح و الأخذ بالوظيفة الشرعيّة فى تحصيل الحكم.
دليل العقل:
اذا لم يكن فى المسألة دليل من الكتاب و لا من السنّة و لم يكن اجماع فى البين و لا الشهرة، فلا بدّ من العمل بما يقتضيه حكم العقل.
مثلا: فاذا لم يجد حكم التدخين فى الكتاب و السنّة و لا يكون اجماع فى الحكم، فقد وصل النوبة الى حكم العقل بما يقتضيه البراءة او الاشتغال و الاحتياط. و حينئذ يعمل على ما يحكم العقل.
امّا البراءة الأصلية، و يعتمد عليها ما لم يجد ما ينقل من الأدلّة السمعيّة.
و امّا الاستصحاب على القول بحجيّته و يتمسّك بالبراءة، فانّه يستصحب حال الاوّل ما لم يوجد دليل تحيل عنه.
و امّا الحكم باتّحاد طريق المسألتين، و هو فرع من فروع الاستصحاب يخالفه فى بعض الأحكام على ما هو المقرّر فى الاصول.
و امّا تعدية الحكم من المنطوق الى المسكوت الّذى هو الحكم بالقياس، و قد وقع الخلاف فيه، و هو المتّبع عند علماء اهل السنّة.
و امّا اصحابنا الإماميّة لا يعملون به، الّا بما نصّ على الدليليّة فى حكم الأصل فيترشّح الى الفرع.
و تفصيل البحث مقرّر فى الاصول. و العامل به يحتاج الى المعرفة فى الدلائل فى الأحكام، و الى معرفة الخلاص عن المبطلات و التخلّص من الاسئلة الواردة فى هذا
النّوع، و التفصيل مقرّر فى الاصول. و من لا يعمل به فلا يحتاج الى ذلك و يكون فى الرخصة و الخلاص، على ما قرّر فى محلّه.
حاصل الكلام:
فاتّضح من جميع ما ذكرنا فى المقام انّ الاجتهاد و استنباط الحكم الشرعى، انّما يكون من احد هذه المنابع الاربعة عندنا، و هى الكتاب و السنة و الإجماع و حكم العقل. و دليلنا على العمل بالاجتهاد من هذه الطرق الممهّدة واضح جدّا على ما فصّل فى محلّه.
و قد روى صحيحا عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)، على ما رواه الشيخ المقداد فى تنقيحه، انّه قال(ع): علينا ان نلقى اليكم الاصول و عليكم ان تفرّعوا.
و هو دليل على وجوب الاجتهاد فى استنباط الأحكام ايضا.
كيفيّة الحكم فى الحوادث:
و امّا كيفيّة التصرّف و الحكم فى الحوادث الواقعة الّتى هى محلّ الفتوى للمجتهد.
فالحادثة المبحوثة. امّا أن تكون من الحوادث الّتى حدّثت فى الأزمنة السّابقة، و قد بحث المجتهدون فيها، و ظهر حالها. فيكتفى الباحث فيها بالاطّلاع على اقوال المجتهدين فيها و ادلّتهم الّتى جعلها كلّ واحد منهم حجّة على مذهبه، فينظر فيها، و يرجّح منها ما يظهر له فيه المرجح، ممّا يظهر له سلامة بعضها عن السؤال و ورود السؤال على بعض آخر.
او يردّ له السؤال على كلّ واحد منها، و لا يظهر له وجه مرجّح و لا يقوم له دليل على وجه مخالف لما ذهبوا اليه، و هو محلّ التوقّف للمجتهد، و قد استعمله اكثر المجتهدين فى كثير من الموارد حتّى يظهر الحال.
و امّا اذا كانت الحادثة من الحوادث الّتى وقعت فى زمانه. فانّه ان كانت من الجزئيّات الداخلة تحت كليّات المسائل الّتى وقع فيها البحث و ظهر حاله، فعليه ان يدخل
ذلك الجزئى الى تحت الكلى، و البحث فيها راجعا الى البحث الكلى، و الأمر سهل، لأنّه يتصرّف فيها كتصرّفه فى الحوادث المتقدّمة المعلومة حكمها، و ادخال هذا الجزئى تحت ذلك الكلّى فى الحكم.
و امّا اذا لم تكن داخلة تحت شىء من الكليّات المدوّنة المبحوث عنها من المتقدّمين، و قد اختصت بالوقوع فى زمانه، فيلزم البحث فيها و التصرّف فى جوانبها حتّى يظهر حكمه.
مثل ما تصرّف المجتهدون السّابقون فى الحوادث المتقدّمة، بالمراجعة بالأدلّة و الاصول المدوّنة فيستنبطوا حكمها من الدليل. و الى هذا يشير الفقهاء فى قولهم، بانّه يشترط ان يكون المجتهد ذا قوّة يتمكّن بها من استخراج حكم الفروع عن الاصول.
هذا تمام الكلام اجمالا بالنّسبة الى الأدلّة الأربعة للأحكام عند علمائنا الإماميّة.
الاجتهاد بالرأى
ذهب القوم الى الاجتهاد بالرأى:
و قد علم ممّا سبق، انّ ادلّة الأحكام على ما اتّفق عليه المسلمون كلّهم، الشيعة و اهل السنّة، على اربعة، و هى الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، و قد استوفينا البحث عنها تفصيلا.
و لكن قد اشتهر بين اخواننا علماء اهل السنّة زائدا على ذلك، اطلاق الاجتهاد على استخراج الحكم الشرعى بالرأى، من القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة، و لا بأس بالتعرّض الى مبنى ذلك كليّة عندهم على ضوء البحث العلمى، اتماما للفائدة و تتميما للوصول الى النتيجة.
الأخذ بالرأى:
و قال اصحاب العمل بالسنة: انّه اذا عرضت قضيّة، و ليس فى احكام الكتاب و السنّة و الإجماع نصّ عليها. فعليك بالأخذ بالرأى فانّ الكتاب و السنّة قد اعترفا بالاجتهاد بالرأى، كاصل مستقل من اصول الشريعة.
و لقد جاء فى الكتاب قوله تعالى:إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ.و جاء ايضا قوله تعالى:كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
و جاء فى السنّة، حديث معاذ بن جبل حين ارسله رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)الى اليمن[1]. و سيأتى ذكره.
و قالوا ايضا:
انّ باب الاجتهاد ثابت بنصّ الحديث، فقد روى عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)، انّه قال لمعاذ، حين ارسله واليا الى اليمن: بم تحكم؟
قال بكتاب اللّه، ثمّ قال النبى(ص): فان لم تجد. قال بسنّة رسول اللّه(ص).
ثمّ قال(ص): فان لم تجد. قال باجتهاد الرأى.
قال(ص): الحمد للّه الّذى وفّق رسول اللّه لما يحبّه اللّه و رسوله[2].
الجواب عن الاستدلال:
و امّا الجواب بالنسبة الى الآيات الكريمة: فلم ادرك وجود اىّ اعتراف فى هذه الآيات، بانّ الاجتهاد بالرّأى، اصل رابع من اصول الشريعة الإسلامية.
لانّ الخطاب فى الآية الاولى. يختصّ بنفس الرسول(صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يشترك معه غيره، و ان قوله تعالى:بِما أَراكَ اللَّهُ، ظاهر فى أنّ حكمه(صلّى اللّه عليه و آله)، بين النّاس، انّما يكون بما انزل اللّه اليه من الكتاب كما يشهد بذلك فى صدر الآية الكريمة.
و امّا الآيتان الاخيرتان فهما تفيدان مطلوبية التفكّر و التعقّل فى الآيات.
فهما ترشدان الى الأصل الاوّل من اصول الشريعة يعنى القرآن الكريم و آياته المنزلة.
و اين هذا من الدلالة الى اصل رابع فى الشريعة و هو الحكم الاجتهادي بالرأى؟! و امّا الجواب بالنسبة الى حديث معاذ.
[1]- المدخل الى علم اصول الفقه للاستاد محمّد معروف الدوالينى ص 53.
[2]- الاستاد سميع عاطف فى مقالته فى الاجتهاد.
الإشكال فى سند الحديث:
فيجب اولا البحث عن صحّة سنده، ثمّ البحث عن دلالته على المطلوب.
فانّه لم يرو هذا الحديث احد من اصحاب الصحّاح. و رواه محمّد بن سعد الكاتب الواقدى فى طبقاته الكبرى بسنده الى الحارث بن عمرو الثقفى[1].
قال: اخبرنا اصحابنا عن معاذ بن جبل بذلك.
فالحديث مرسل بابهام الواسطة عن معاذ.
و الواسطة مجهول، فلا يعتمد على الحديث.
قال الذهبى فى ميزان الاعتدال[2]. الحارث بن عمرو عن رجال عن معاذ بحديث الاجتهاد.
قال البخارى: لا يصحّ حديثه، قلت تفرّد به ابو عون محمّد بن عبيد اللّه الثقفى عن الحارث بن عمرو الثقفى ابن اخى مغيرة. و ما روى عن الحارث غير ابى عون، فهو مجهول.
و قال الترمذى: ليس اسناده عندى بمتّصل. هذا فى سند الحديث، فهو غير تامّ.
الإشكال فى متن الحديث:
ففيه دلالات توجب الريب فى صحّته ايضا.
الاوّل: انّ هذا الاصطلاح الاجتهادي، امر حدث بعد حياة النّبى(صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يعهد فى حياته المقدّسة، اطلاق الاجتهاد بهذا المعنى من احد.
الثّانى: يلزم من هذا القول نقص فى الدّين، اذ فيه تصريح بعدم وجود احكام، فى الكتاب و السنّة و يحتاج الى الرأى.
الثالث: انّه يلزم منه، اعتراف الرّسول الاعظم(ص)بنقص ما جاء به و تصريحه
[1]- طبقات الكبرى للواقدى ج 3/ 584.
[2]- ميزان الاعتدال للذهبى ج 1/ 439.