ذلك الجزئى الى تحت الكلى، و البحث فيها راجعا الى البحث الكلى، و الأمر سهل، لأنّه يتصرّف فيها كتصرّفه فى الحوادث المتقدّمة المعلومة حكمها، و ادخال هذا الجزئى تحت ذلك الكلّى فى الحكم.
و امّا اذا لم تكن داخلة تحت شىء من الكليّات المدوّنة المبحوث عنها من المتقدّمين، و قد اختصت بالوقوع فى زمانه، فيلزم البحث فيها و التصرّف فى جوانبها حتّى يظهر حكمه.
مثل ما تصرّف المجتهدون السّابقون فى الحوادث المتقدّمة، بالمراجعة بالأدلّة و الاصول المدوّنة فيستنبطوا حكمها من الدليل. و الى هذا يشير الفقهاء فى قولهم، بانّه يشترط ان يكون المجتهد ذا قوّة يتمكّن بها من استخراج حكم الفروع عن الاصول.
هذا تمام الكلام اجمالا بالنّسبة الى الأدلّة الأربعة للأحكام عند علمائنا الإماميّة.
الاجتهاد بالرأى
ذهب القوم الى الاجتهاد بالرأى:
و قد علم ممّا سبق، انّ ادلّة الأحكام على ما اتّفق عليه المسلمون كلّهم، الشيعة و اهل السنّة، على اربعة، و هى الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، و قد استوفينا البحث عنها تفصيلا.
و لكن قد اشتهر بين اخواننا علماء اهل السنّة زائدا على ذلك، اطلاق الاجتهاد على استخراج الحكم الشرعى بالرأى، من القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة، و لا بأس بالتعرّض الى مبنى ذلك كليّة عندهم على ضوء البحث العلمى، اتماما للفائدة و تتميما للوصول الى النتيجة.
الأخذ بالرأى:
و قال اصحاب العمل بالسنة: انّه اذا عرضت قضيّة، و ليس فى احكام الكتاب و السنّة و الإجماع نصّ عليها. فعليك بالأخذ بالرأى فانّ الكتاب و السنّة قد اعترفا بالاجتهاد بالرأى، كاصل مستقل من اصول الشريعة.
و لقد جاء فى الكتاب قوله تعالى:إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ.و جاء ايضا قوله تعالى:كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
و جاء فى السنّة، حديث معاذ بن جبل حين ارسله رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)الى اليمن[1]. و سيأتى ذكره.
و قالوا ايضا:
انّ باب الاجتهاد ثابت بنصّ الحديث، فقد روى عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)، انّه قال لمعاذ، حين ارسله واليا الى اليمن: بم تحكم؟
قال بكتاب اللّه، ثمّ قال النبى(ص): فان لم تجد. قال بسنّة رسول اللّه(ص).
ثمّ قال(ص): فان لم تجد. قال باجتهاد الرأى.
قال(ص): الحمد للّه الّذى وفّق رسول اللّه لما يحبّه اللّه و رسوله[2].
الجواب عن الاستدلال:
و امّا الجواب بالنسبة الى الآيات الكريمة: فلم ادرك وجود اىّ اعتراف فى هذه الآيات، بانّ الاجتهاد بالرّأى، اصل رابع من اصول الشريعة الإسلامية.
لانّ الخطاب فى الآية الاولى. يختصّ بنفس الرسول(صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يشترك معه غيره، و ان قوله تعالى:بِما أَراكَ اللَّهُ، ظاهر فى أنّ حكمه(صلّى اللّه عليه و آله)، بين النّاس، انّما يكون بما انزل اللّه اليه من الكتاب كما يشهد بذلك فى صدر الآية الكريمة.
و امّا الآيتان الاخيرتان فهما تفيدان مطلوبية التفكّر و التعقّل فى الآيات.
فهما ترشدان الى الأصل الاوّل من اصول الشريعة يعنى القرآن الكريم و آياته المنزلة.
و اين هذا من الدلالة الى اصل رابع فى الشريعة و هو الحكم الاجتهادي بالرأى؟! و امّا الجواب بالنسبة الى حديث معاذ.
[1]- المدخل الى علم اصول الفقه للاستاد محمّد معروف الدوالينى ص 53.
[2]- الاستاد سميع عاطف فى مقالته فى الاجتهاد.
الإشكال فى سند الحديث:
فيجب اولا البحث عن صحّة سنده، ثمّ البحث عن دلالته على المطلوب.
فانّه لم يرو هذا الحديث احد من اصحاب الصحّاح. و رواه محمّد بن سعد الكاتب الواقدى فى طبقاته الكبرى بسنده الى الحارث بن عمرو الثقفى[1].
قال: اخبرنا اصحابنا عن معاذ بن جبل بذلك.
فالحديث مرسل بابهام الواسطة عن معاذ.
و الواسطة مجهول، فلا يعتمد على الحديث.
قال الذهبى فى ميزان الاعتدال[2]. الحارث بن عمرو عن رجال عن معاذ بحديث الاجتهاد.
قال البخارى: لا يصحّ حديثه، قلت تفرّد به ابو عون محمّد بن عبيد اللّه الثقفى عن الحارث بن عمرو الثقفى ابن اخى مغيرة. و ما روى عن الحارث غير ابى عون، فهو مجهول.
و قال الترمذى: ليس اسناده عندى بمتّصل. هذا فى سند الحديث، فهو غير تامّ.
الإشكال فى متن الحديث:
ففيه دلالات توجب الريب فى صحّته ايضا.
الاوّل: انّ هذا الاصطلاح الاجتهادي، امر حدث بعد حياة النّبى(صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يعهد فى حياته المقدّسة، اطلاق الاجتهاد بهذا المعنى من احد.
الثّانى: يلزم من هذا القول نقص فى الدّين، اذ فيه تصريح بعدم وجود احكام، فى الكتاب و السنّة و يحتاج الى الرأى.
الثالث: انّه يلزم منه، اعتراف الرّسول الاعظم(ص)بنقص ما جاء به و تصريحه
[1]- طبقات الكبرى للواقدى ج 3/ 584.
[2]- ميزان الاعتدال للذهبى ج 1/ 439.
بذلك، لقوله(ص)، فان لم يجد.
الرابع: يلزم منه كون معاذ عالما بجميع ما فى الكتاب و السنّة، و لم يعرف فى الصّحابة رجل يكون عالما بجميع الكتاب و السنّة سوى من جعله الرّسول عديلا فى نصّ حديث الثقلين.
الخامس: يلزم منه انتهاء نزول القرآن، و انتهاء السنّة النبويّة فى وقت ارسال النبى(ص)، معاذ الى اليمن، و ليس كذلك، لانّها انتهيا بعد وفاة النبى(ص).
السادس: يلزم منه جعل جميع اصحاب الرأى، اصحاب التشريع فى الدّين، و جعل تشريعاتهم عدلا للكتاب و السنّة و هذا باطل، لانّه بناء عليه فلا يبقى للدين حدّ.
السابع: يلزم منه اختصاص الحكم فى باب القضاء بالشبهة الحكمية مع انّ اكثر الأقضية يرجع الى اختلاف الخصمين فى الموضوعات الخارجيّة حال اتّفاقهم فى الحكم و الشبهة فى الموضوع. هذا ممّا يوجب الرّيب فى صحّة صدور الحديث عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله).
لنا سؤال:
اى شىء كان يمنع معاذا حينما حضرته واقعة لم يعرف حكمها، ان يؤجّل القضاء حتّى يكتب الى رسول اللّه(ص)و يسأل منه حكم الواقعة. فالظاهر انّ النصّ عليل، و يكون موضوعا على لسان معاذ بن جبل، و ان الوضع فى الحديث كان بعد حياة النّبى(ص)، بشهادة القرآن العظيم.
القرآن و حرمة الأخذ بالرأى:
فانّ فى القرآن دلالة و ارشاد الى حرمة الاجتهاد بالرأى غير مستند الى الكتاب و السنّة، و اليك قوله تعالى:فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ[1].
هذا بالنّسبة الى القرآن على بطلان الحكم بالرأى.
السنة و حرمة الأخذ بالرأى:
و امّا النصوص الواردة عن النبىّ الأعظم(ص)على بطلان الأخذ بالرأى و الحكم به و عن الإمام ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع): انّه قال: نهى رسول اللّه(ص)عن الحكم بالرأى و القياس. و قال اوّل من قاس إبليس و من حكم فى شىء من دين اللّه برأيه خرج من دين اللّه[2].
و قال(ص)قال اللّه تعالى: ما آمن بى من فسّر برأيه كلامى، و ما عرّفنى من شبّهنى.
بخلقى، و ما على دينى من استعمل القياس فى دينى[3].
و قال(ص): ستفترق امّتى على بضع و سبعين فرقة، اعظمها فرقة على امّتى، قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرّمون الحلال و يحلّلون الحرام[4].
و قال(ص): ايّاكم و اصحاب الرأى فانّهم اعيتهم السنن ان يحفظوها فقالوا فى الحلال و الحرام برأيهم، فأحلّوا ما حرم اللّه و حرّموا ما احلّ اللّه فضلّوا و أضلّوا[5].
و هذه روايات صدرت من النبى الأعظم(صلّى اللّه عليه و آله)فى حرمة الأخذ بالرأى و القياس.
و قد ورد من طرق اهل البيت(عليهم السلام)ايضا بعض النصوص فى عدم جواز الحكم بالرأى و القياس.
نبذة من الأحاديث فى حرمة الأخذ بالرأى:
[1]- سورة القصص الآية 50.عراقى،
[2]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[3]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[4]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[5]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
و اليك نبذة من ذلك.
عن علىّ امير المؤمنين(عليه السلام)انّه قال: من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره فى الالتباس و من دان اللّه بالرأى لم يزل دهره فى ارتماس.
و قال(ع): لا تقيسوا الدّين فانّ امر اللّه لا يقاس[1].
قال الإمام على بن الحسين(ع): أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول الناقصة، و الآراء الباطلة و المقاييس الفاسدة، و لا يصاب الّا بالتسليم[2].
و قال(ع): من كان يعمل بالقياس و الرأى هلك[3].
و عن الإمام ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع)انّه قال انّ السنّة لا تقاس، أ لا ترى انّ المرأة تقضى صومها و لا تقضى صلاتها. انّ السنّة إذا قيست محق الدين[4].
الإمام الصادق(ع): و احتجاجه على ابى حنيفة:
و اليك تفصيل هذا الحديث.
و لا يخفى مزيد بصيرة فيه فنقول:
انّه قد دخل ابو حنيفة، على الإمام الصادق(عليه السلام)فقال الإمام(ع): من انت؟
فقال: ابو حنيفة.
قال الإمام(ع)مفتى اهل العراق؟
قال: نعم.
قال الإمام(ع): بم تفتيهم؟
قال ابو حنيفة: بكتاب اللّه.
[1]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[2]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[3]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[4]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
قال الإمام(ع): و انّك لعالم بكتاب اللّه؟
ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه؟
قال: نعم.
قال الإمام(ع): فأخبرنى عن قول اللّه عزّ و جلّ: «و قدّرنا فيها السير، سيروا فيها ليالى و ايّاما آمنين».
اىّ موضع هذا؟
قال ابو حنيفة: هو ما بين مكّة و المدينة.
فالتفت الإمام(ع)الى جلسائه، و قال(ع)نشدتكم باللّه، هل تسيرون بين مكّة و المدينة، و لا تأمنون على دمائكم من القتل، و على اموالكم من السرق؟
فقالوا: اللّهمّ نعم.
فقال الإمام(ع)ويحك يا أبا حنيفة؟
ان اللّه لا يقول الّا حقّا.
قال الإمام(ع): اخبرنى عن قول اللّه عزّ و جلّ:وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً،اىّ موضع هو؟
قال ابو حنيفة: ذلك بيت اللّه الحرام.
فالتفت الإمام(ع)الى جلسائه فقال: نشدتكم باللّه، هل تعلمون انّ عبد اللّه بن الزبير و سعيد بن جبير دخله. فلم يأمنا القتل؟
قالوا: اللّهم نعم.
فقال الإمام(ع): ويحك يا أبا حنيفة انّ اللّه لا يقول الّا حقّا.
فقال ابو حنيفة: انّما انّا صاحب قياس.
قال الإمام(ع): فانظر فى قياسك، ان كنت مقيسا، ايّما اعظم عند اللّه، القتل او الزّنا؟
قال: بل القتل.
قال الإمام(ع): فكيف رضى فى القتل بشاهدين و لم يرض فى الزّنا الّا باربعة؟
ثمّ قال الإمام(ع): الصّلاة افضل ام الصوم؟