الإشكال فى سند الحديث:
فيجب اولا البحث عن صحّة سنده، ثمّ البحث عن دلالته على المطلوب.
فانّه لم يرو هذا الحديث احد من اصحاب الصحّاح. و رواه محمّد بن سعد الكاتب الواقدى فى طبقاته الكبرى بسنده الى الحارث بن عمرو الثقفى[1].
قال: اخبرنا اصحابنا عن معاذ بن جبل بذلك.
فالحديث مرسل بابهام الواسطة عن معاذ.
و الواسطة مجهول، فلا يعتمد على الحديث.
قال الذهبى فى ميزان الاعتدال[2]. الحارث بن عمرو عن رجال عن معاذ بحديث الاجتهاد.
قال البخارى: لا يصحّ حديثه، قلت تفرّد به ابو عون محمّد بن عبيد اللّه الثقفى عن الحارث بن عمرو الثقفى ابن اخى مغيرة. و ما روى عن الحارث غير ابى عون، فهو مجهول.
و قال الترمذى: ليس اسناده عندى بمتّصل. هذا فى سند الحديث، فهو غير تامّ.
الإشكال فى متن الحديث:
ففيه دلالات توجب الريب فى صحّته ايضا.
الاوّل: انّ هذا الاصطلاح الاجتهادي، امر حدث بعد حياة النّبى(صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يعهد فى حياته المقدّسة، اطلاق الاجتهاد بهذا المعنى من احد.
الثّانى: يلزم من هذا القول نقص فى الدّين، اذ فيه تصريح بعدم وجود احكام، فى الكتاب و السنّة و يحتاج الى الرأى.
الثالث: انّه يلزم منه، اعتراف الرّسول الاعظم(ص)بنقص ما جاء به و تصريحه
[1]- طبقات الكبرى للواقدى ج 3/ 584.
[2]- ميزان الاعتدال للذهبى ج 1/ 439.
بذلك، لقوله(ص)، فان لم يجد.
الرابع: يلزم منه كون معاذ عالما بجميع ما فى الكتاب و السنّة، و لم يعرف فى الصّحابة رجل يكون عالما بجميع الكتاب و السنّة سوى من جعله الرّسول عديلا فى نصّ حديث الثقلين.
الخامس: يلزم منه انتهاء نزول القرآن، و انتهاء السنّة النبويّة فى وقت ارسال النبى(ص)، معاذ الى اليمن، و ليس كذلك، لانّها انتهيا بعد وفاة النبى(ص).
السادس: يلزم منه جعل جميع اصحاب الرأى، اصحاب التشريع فى الدّين، و جعل تشريعاتهم عدلا للكتاب و السنّة و هذا باطل، لانّه بناء عليه فلا يبقى للدين حدّ.
السابع: يلزم منه اختصاص الحكم فى باب القضاء بالشبهة الحكمية مع انّ اكثر الأقضية يرجع الى اختلاف الخصمين فى الموضوعات الخارجيّة حال اتّفاقهم فى الحكم و الشبهة فى الموضوع. هذا ممّا يوجب الرّيب فى صحّة صدور الحديث عن رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله).
لنا سؤال:
اى شىء كان يمنع معاذا حينما حضرته واقعة لم يعرف حكمها، ان يؤجّل القضاء حتّى يكتب الى رسول اللّه(ص)و يسأل منه حكم الواقعة. فالظاهر انّ النصّ عليل، و يكون موضوعا على لسان معاذ بن جبل، و ان الوضع فى الحديث كان بعد حياة النّبى(ص)، بشهادة القرآن العظيم.
القرآن و حرمة الأخذ بالرأى:
فانّ فى القرآن دلالة و ارشاد الى حرمة الاجتهاد بالرأى غير مستند الى الكتاب و السنّة، و اليك قوله تعالى:فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ[1].
هذا بالنّسبة الى القرآن على بطلان الحكم بالرأى.
السنة و حرمة الأخذ بالرأى:
و امّا النصوص الواردة عن النبىّ الأعظم(ص)على بطلان الأخذ بالرأى و الحكم به و عن الإمام ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع): انّه قال: نهى رسول اللّه(ص)عن الحكم بالرأى و القياس. و قال اوّل من قاس إبليس و من حكم فى شىء من دين اللّه برأيه خرج من دين اللّه[2].
و قال(ص)قال اللّه تعالى: ما آمن بى من فسّر برأيه كلامى، و ما عرّفنى من شبّهنى.
بخلقى، و ما على دينى من استعمل القياس فى دينى[3].
و قال(ص): ستفترق امّتى على بضع و سبعين فرقة، اعظمها فرقة على امّتى، قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرّمون الحلال و يحلّلون الحرام[4].
و قال(ص): ايّاكم و اصحاب الرأى فانّهم اعيتهم السنن ان يحفظوها فقالوا فى الحلال و الحرام برأيهم، فأحلّوا ما حرم اللّه و حرّموا ما احلّ اللّه فضلّوا و أضلّوا[5].
و هذه روايات صدرت من النبى الأعظم(صلّى اللّه عليه و آله)فى حرمة الأخذ بالرأى و القياس.
و قد ورد من طرق اهل البيت(عليهم السلام)ايضا بعض النصوص فى عدم جواز الحكم بالرأى و القياس.
نبذة من الأحاديث فى حرمة الأخذ بالرأى:
[1]- سورة القصص الآية 50.عراقى،
[2]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[3]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[4]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[5]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
و اليك نبذة من ذلك.
عن علىّ امير المؤمنين(عليه السلام)انّه قال: من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره فى الالتباس و من دان اللّه بالرأى لم يزل دهره فى ارتماس.
و قال(ع): لا تقيسوا الدّين فانّ امر اللّه لا يقاس[1].
قال الإمام على بن الحسين(ع): أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول الناقصة، و الآراء الباطلة و المقاييس الفاسدة، و لا يصاب الّا بالتسليم[2].
و قال(ع): من كان يعمل بالقياس و الرأى هلك[3].
و عن الإمام ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع)انّه قال انّ السنّة لا تقاس، أ لا ترى انّ المرأة تقضى صومها و لا تقضى صلاتها. انّ السنّة إذا قيست محق الدين[4].
الإمام الصادق(ع): و احتجاجه على ابى حنيفة:
و اليك تفصيل هذا الحديث.
و لا يخفى مزيد بصيرة فيه فنقول:
انّه قد دخل ابو حنيفة، على الإمام الصادق(عليه السلام)فقال الإمام(ع): من انت؟
فقال: ابو حنيفة.
قال الإمام(ع)مفتى اهل العراق؟
قال: نعم.
قال الإمام(ع): بم تفتيهم؟
قال ابو حنيفة: بكتاب اللّه.
[1]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[2]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[3]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[4]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
قال الإمام(ع): و انّك لعالم بكتاب اللّه؟
ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه؟
قال: نعم.
قال الإمام(ع): فأخبرنى عن قول اللّه عزّ و جلّ: «و قدّرنا فيها السير، سيروا فيها ليالى و ايّاما آمنين».
اىّ موضع هذا؟
قال ابو حنيفة: هو ما بين مكّة و المدينة.
فالتفت الإمام(ع)الى جلسائه، و قال(ع)نشدتكم باللّه، هل تسيرون بين مكّة و المدينة، و لا تأمنون على دمائكم من القتل، و على اموالكم من السرق؟
فقالوا: اللّهمّ نعم.
فقال الإمام(ع)ويحك يا أبا حنيفة؟
ان اللّه لا يقول الّا حقّا.
قال الإمام(ع): اخبرنى عن قول اللّه عزّ و جلّ:وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً،اىّ موضع هو؟
قال ابو حنيفة: ذلك بيت اللّه الحرام.
فالتفت الإمام(ع)الى جلسائه فقال: نشدتكم باللّه، هل تعلمون انّ عبد اللّه بن الزبير و سعيد بن جبير دخله. فلم يأمنا القتل؟
قالوا: اللّهم نعم.
فقال الإمام(ع): ويحك يا أبا حنيفة انّ اللّه لا يقول الّا حقّا.
فقال ابو حنيفة: انّما انّا صاحب قياس.
قال الإمام(ع): فانظر فى قياسك، ان كنت مقيسا، ايّما اعظم عند اللّه، القتل او الزّنا؟
قال: بل القتل.
قال الإمام(ع): فكيف رضى فى القتل بشاهدين و لم يرض فى الزّنا الّا باربعة؟
ثمّ قال الإمام(ع): الصّلاة افضل ام الصوم؟
قال بل الصّلاة افضل.
قال الإمام(ع): فيجب على قياس قولك، قضاء ما فاتها على الحائض من الصلاة فى حال حيضها، دون الصّيام. و قد اوجب اللّه تعالى، عليها قضاء الصّوم دون الصّلاة.
ثمّ قال الإمام(ع): البول اقذر ام المنى؟.
قال: البول اقذر.
قال الإمام(ع): يجب على قياسك ان يجب الغسل من البول دون المنى، و قد اوجب اللّه تعالى الغسل من المنى دون البول.
قال ابو حنيفة: انا صاحب رأى.
قال الإمام(ع): فما ترى فى رجل كان له عبد فتزوّج، و زوّج عبده فى ليلة واحدة، فدخلا بامرأتيهما فى ليلة واحدة، ثم سافرا و جعلا امرأتيهما فى بيت واحد، فولدتا غلامين، فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين، و بقى الغلامان، ايّهما فى رأيك المالك و ايّهما المملوك؟ و ايّهما الوارث، و ايّهما الموروث؟.
قال ابو حنيفة: انّما انا صاحب حدود.
قال الإمام(ع): فما ترى فى رجل أعمى فقأ عين صحيح، و اقطع قطع يد رجل، كيف يقام عليه الحدّ؟
قال ابو حنيفة: انّما انا رجل عالم بمباحث الأنبياء.
قال الإمام(ع): فاخبرنى عن قول اللّه تعالى، لموسى و هارون حين بعثهما الى فرعون:لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى.
لعلّ منك، شكّ؟
قال ابو حنيفة: نعم.
قال الإمام(ع): و كذلك من اللّه شكّ، اذ قال لعلّه؟
قال ابو حنيفة: لا علم لى.
قال الإمام(ع): تزعم انّك تفتى بكتاب اللّه و لست ممّن ورثه، و تزعم انّك صاحب قياس، و اوّل من قاس ابليس، و لم يبن دين الإسلام على القياس. و تزعم انّك
صاحب رأى، و كان الرّأى من رسول اللّه صوابا و من دونه خطأ، لانّ اللّه قال: فاحكم بينهم بما اراك اللّه، و لم يقل ذلك لغيره. و تزعم انّك صاحب حدود، و من انزلت عليه اولى بعلمها منك. و تزعم انّك عالم بمباحث الأنبياء، و لخاتم الانبياء اعلم بمباحثهم منك.
لو لا يقال، دخل على ابن رسول اللّه فلم يسأله عن شىء، ما سألتك عن شىء، فقس ان كنت مقيسا.
قال ابو حنيفة: ما قلت بالرأى و القياس فى دين اللّه بعد هذا المجلس.
قال الإمام(ع): كلّا، إنّ حبّ الرّياسة غير تاركك، كما لم يترك من كان قبلك[1].
القياس:
امّا القياس، فهو من تلك الأدلّة الّتى كان القوم قد عملوا به و اتّفقوا على حجيّته.
و قد عرّفوه، بانّه الحاق واقعة لا نصّ على حكمها، بواقعة، ورد فيها نصّ صريح بحكمها، فيحكم فى الفرع على ما يحكم فى الأصل، لتساوى الواقعتين فى علّة الحكم.
و الجواب عنه:
و امّا الجواب عنه بانّ هذا التعريف كما تراه ينطبق على منصوص العلّة. الّذى لا مجال للشكّ فى الحجيّة عندنا، على مستنبط العلّة. كما يظهر ذلك من تمثيلاتهم.
و امّا منصوص العلّة فهو مثل تحريم النبيذ المسكر اذا لم يعتبر خمريته، و ذلك لاجل حرمة الخمر لعلّة الاسكار.
فلا يعدّ هذا قياسا، لانّه ممّا ثبت حكم بالسنّة تمسكا بعموم العلة.
و القياس قسيم للسنّة لا قسم منها، على ما ذكره القوم.
[1]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
فالقياس الّذى عند علماء اهل السنّة هو ما كان قسيما لسنّة حقيقة و هو باطل لانّه ليس من الدّين.
و حاصل الكلام، هو انّه كلما ثبت علّة الحكم و انحصار العلّية فى ذلك الأصلى، و وجودها فى الفرع، بحجّة قطعيّة، فهو حجّة شرعا.
و ذلك، هو منصوص العلّة.
و كذا ما ثبت الحكم بالأولويّة مثل حرمة ضرب الوالدين بالنّسبة الى حرمة الأفّ اليها، المأخوذ من قوله تعالى:فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ.فحرمة الضرب اولى منه فى التحريم و الظّاهر انّه يعدّ من منصوص العلّة، و لا اشكال فى جريان الحكم من الأصل الى الفرع عندنا، و لا عندهم.
و امّا ما عدا ذلك ممّا حجب عن النّاس الوصل الى اسرار الحكم و علله الحقيقية، و لا سيّما بالنّسبة الى العبادات، فهو قياس صريح و قسيم للسنّة، و لا دليل على حجيّته عندنا، و ان كانوا قد عملوا به.
و كان مذهب اهل البيت(عليهم السلام)الى تحريم هذا النوع من القياس مشهورا عند علماء اهل السنّة لانّه فى مقابل السنّة و قسم لها و لا دليل على حجيّته.
و هذا التحريم منقول من جملة من الصحابة و صريح علماء الإماميّة قاطبة.
إلّا قول ابن جنيد على ما حكى عنه.
و عن الإمام الشافعى انّه غير جائز فى غير منضبط العلّة ايضا.
و المحكىّ عن الظاهريّة تحريم هذا القياس ايضا.
و امّا باقى علماء المذاهب على ما اطّلعنا عليه، ذهبوا الى الاحتجاج به على ما استدلّوا به.
فتحصّل: انّ القياس امّا منصوص العلّة و قد ثبت فى الشرع علّته، فهذا حجّة و لا يسمّى هذا فى اصطلاح الإمامية انّه قياس مصطلح لانّه ما ثبت حكمه بالسنّة.
و امّا ما هو مستنبط العلّة من نفسه، فهو غير حجّة عند اهل البيت و عند شيعتهم و عند بعض فرق اهل السنّة، لانّه ليس من الدّين، و ان كان قد عمل به اكثر اهل السنّة.