الظَّالِمِينَ[1].
هذا بالنّسبة الى القرآن على بطلان الحكم بالرأى.
السنة و حرمة الأخذ بالرأى:
و امّا النصوص الواردة عن النبىّ الأعظم(ص)على بطلان الأخذ بالرأى و الحكم به و عن الإمام ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع): انّه قال: نهى رسول اللّه(ص)عن الحكم بالرأى و القياس. و قال اوّل من قاس إبليس و من حكم فى شىء من دين اللّه برأيه خرج من دين اللّه[2].
و قال(ص)قال اللّه تعالى: ما آمن بى من فسّر برأيه كلامى، و ما عرّفنى من شبّهنى.
بخلقى، و ما على دينى من استعمل القياس فى دينى[3].
و قال(ص): ستفترق امّتى على بضع و سبعين فرقة، اعظمها فرقة على امّتى، قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرّمون الحلال و يحلّلون الحرام[4].
و قال(ص): ايّاكم و اصحاب الرأى فانّهم اعيتهم السنن ان يحفظوها فقالوا فى الحلال و الحرام برأيهم، فأحلّوا ما حرم اللّه و حرّموا ما احلّ اللّه فضلّوا و أضلّوا[5].
و هذه روايات صدرت من النبى الأعظم(صلّى اللّه عليه و آله)فى حرمة الأخذ بالرأى و القياس.
و قد ورد من طرق اهل البيت(عليهم السلام)ايضا بعض النصوص فى عدم جواز الحكم بالرأى و القياس.
نبذة من الأحاديث فى حرمة الأخذ بالرأى:
[1]- سورة القصص الآية 50.عراقى،
[2]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[3]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[4]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[5]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
و اليك نبذة من ذلك.
عن علىّ امير المؤمنين(عليه السلام)انّه قال: من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره فى الالتباس و من دان اللّه بالرأى لم يزل دهره فى ارتماس.
و قال(ع): لا تقيسوا الدّين فانّ امر اللّه لا يقاس[1].
قال الإمام على بن الحسين(ع): أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول الناقصة، و الآراء الباطلة و المقاييس الفاسدة، و لا يصاب الّا بالتسليم[2].
و قال(ع): من كان يعمل بالقياس و الرأى هلك[3].
و عن الإمام ابو عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق(ع)انّه قال انّ السنّة لا تقاس، أ لا ترى انّ المرأة تقضى صومها و لا تقضى صلاتها. انّ السنّة إذا قيست محق الدين[4].
الإمام الصادق(ع): و احتجاجه على ابى حنيفة:
و اليك تفصيل هذا الحديث.
و لا يخفى مزيد بصيرة فيه فنقول:
انّه قد دخل ابو حنيفة، على الإمام الصادق(عليه السلام)فقال الإمام(ع): من انت؟
فقال: ابو حنيفة.
قال الإمام(ع)مفتى اهل العراق؟
قال: نعم.
قال الإمام(ع): بم تفتيهم؟
قال ابو حنيفة: بكتاب اللّه.
[1]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[2]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[3]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
[4]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
قال الإمام(ع): و انّك لعالم بكتاب اللّه؟
ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهه؟
قال: نعم.
قال الإمام(ع): فأخبرنى عن قول اللّه عزّ و جلّ: «و قدّرنا فيها السير، سيروا فيها ليالى و ايّاما آمنين».
اىّ موضع هذا؟
قال ابو حنيفة: هو ما بين مكّة و المدينة.
فالتفت الإمام(ع)الى جلسائه، و قال(ع)نشدتكم باللّه، هل تسيرون بين مكّة و المدينة، و لا تأمنون على دمائكم من القتل، و على اموالكم من السرق؟
فقالوا: اللّهمّ نعم.
فقال الإمام(ع)ويحك يا أبا حنيفة؟
ان اللّه لا يقول الّا حقّا.
قال الإمام(ع): اخبرنى عن قول اللّه عزّ و جلّ:وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً،اىّ موضع هو؟
قال ابو حنيفة: ذلك بيت اللّه الحرام.
فالتفت الإمام(ع)الى جلسائه فقال: نشدتكم باللّه، هل تعلمون انّ عبد اللّه بن الزبير و سعيد بن جبير دخله. فلم يأمنا القتل؟
قالوا: اللّهم نعم.
فقال الإمام(ع): ويحك يا أبا حنيفة انّ اللّه لا يقول الّا حقّا.
فقال ابو حنيفة: انّما انّا صاحب قياس.
قال الإمام(ع): فانظر فى قياسك، ان كنت مقيسا، ايّما اعظم عند اللّه، القتل او الزّنا؟
قال: بل القتل.
قال الإمام(ع): فكيف رضى فى القتل بشاهدين و لم يرض فى الزّنا الّا باربعة؟
ثمّ قال الإمام(ع): الصّلاة افضل ام الصوم؟
قال بل الصّلاة افضل.
قال الإمام(ع): فيجب على قياس قولك، قضاء ما فاتها على الحائض من الصلاة فى حال حيضها، دون الصّيام. و قد اوجب اللّه تعالى، عليها قضاء الصّوم دون الصّلاة.
ثمّ قال الإمام(ع): البول اقذر ام المنى؟.
قال: البول اقذر.
قال الإمام(ع): يجب على قياسك ان يجب الغسل من البول دون المنى، و قد اوجب اللّه تعالى الغسل من المنى دون البول.
قال ابو حنيفة: انا صاحب رأى.
قال الإمام(ع): فما ترى فى رجل كان له عبد فتزوّج، و زوّج عبده فى ليلة واحدة، فدخلا بامرأتيهما فى ليلة واحدة، ثم سافرا و جعلا امرأتيهما فى بيت واحد، فولدتا غلامين، فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين، و بقى الغلامان، ايّهما فى رأيك المالك و ايّهما المملوك؟ و ايّهما الوارث، و ايّهما الموروث؟.
قال ابو حنيفة: انّما انا صاحب حدود.
قال الإمام(ع): فما ترى فى رجل أعمى فقأ عين صحيح، و اقطع قطع يد رجل، كيف يقام عليه الحدّ؟
قال ابو حنيفة: انّما انا رجل عالم بمباحث الأنبياء.
قال الإمام(ع): فاخبرنى عن قول اللّه تعالى، لموسى و هارون حين بعثهما الى فرعون:لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى.
لعلّ منك، شكّ؟
قال ابو حنيفة: نعم.
قال الإمام(ع): و كذلك من اللّه شكّ، اذ قال لعلّه؟
قال ابو حنيفة: لا علم لى.
قال الإمام(ع): تزعم انّك تفتى بكتاب اللّه و لست ممّن ورثه، و تزعم انّك صاحب قياس، و اوّل من قاس ابليس، و لم يبن دين الإسلام على القياس. و تزعم انّك
صاحب رأى، و كان الرّأى من رسول اللّه صوابا و من دونه خطأ، لانّ اللّه قال: فاحكم بينهم بما اراك اللّه، و لم يقل ذلك لغيره. و تزعم انّك صاحب حدود، و من انزلت عليه اولى بعلمها منك. و تزعم انّك عالم بمباحث الأنبياء، و لخاتم الانبياء اعلم بمباحثهم منك.
لو لا يقال، دخل على ابن رسول اللّه فلم يسأله عن شىء، ما سألتك عن شىء، فقس ان كنت مقيسا.
قال ابو حنيفة: ما قلت بالرأى و القياس فى دين اللّه بعد هذا المجلس.
قال الإمام(ع): كلّا، إنّ حبّ الرّياسة غير تاركك، كما لم يترك من كان قبلك[1].
القياس:
امّا القياس، فهو من تلك الأدلّة الّتى كان القوم قد عملوا به و اتّفقوا على حجيّته.
و قد عرّفوه، بانّه الحاق واقعة لا نصّ على حكمها، بواقعة، ورد فيها نصّ صريح بحكمها، فيحكم فى الفرع على ما يحكم فى الأصل، لتساوى الواقعتين فى علّة الحكم.
و الجواب عنه:
و امّا الجواب عنه بانّ هذا التعريف كما تراه ينطبق على منصوص العلّة. الّذى لا مجال للشكّ فى الحجيّة عندنا، على مستنبط العلّة. كما يظهر ذلك من تمثيلاتهم.
و امّا منصوص العلّة فهو مثل تحريم النبيذ المسكر اذا لم يعتبر خمريته، و ذلك لاجل حرمة الخمر لعلّة الاسكار.
فلا يعدّ هذا قياسا، لانّه ممّا ثبت حكم بالسنّة تمسكا بعموم العلة.
و القياس قسيم للسنّة لا قسم منها، على ما ذكره القوم.
[1]- جامع احاديث الشيعة الباب السابع من المقدّمة.
فالقياس الّذى عند علماء اهل السنّة هو ما كان قسيما لسنّة حقيقة و هو باطل لانّه ليس من الدّين.
و حاصل الكلام، هو انّه كلما ثبت علّة الحكم و انحصار العلّية فى ذلك الأصلى، و وجودها فى الفرع، بحجّة قطعيّة، فهو حجّة شرعا.
و ذلك، هو منصوص العلّة.
و كذا ما ثبت الحكم بالأولويّة مثل حرمة ضرب الوالدين بالنّسبة الى حرمة الأفّ اليها، المأخوذ من قوله تعالى:فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ.فحرمة الضرب اولى منه فى التحريم و الظّاهر انّه يعدّ من منصوص العلّة، و لا اشكال فى جريان الحكم من الأصل الى الفرع عندنا، و لا عندهم.
و امّا ما عدا ذلك ممّا حجب عن النّاس الوصل الى اسرار الحكم و علله الحقيقية، و لا سيّما بالنّسبة الى العبادات، فهو قياس صريح و قسيم للسنّة، و لا دليل على حجيّته عندنا، و ان كانوا قد عملوا به.
و كان مذهب اهل البيت(عليهم السلام)الى تحريم هذا النوع من القياس مشهورا عند علماء اهل السنّة لانّه فى مقابل السنّة و قسم لها و لا دليل على حجيّته.
و هذا التحريم منقول من جملة من الصحابة و صريح علماء الإماميّة قاطبة.
إلّا قول ابن جنيد على ما حكى عنه.
و عن الإمام الشافعى انّه غير جائز فى غير منضبط العلّة ايضا.
و المحكىّ عن الظاهريّة تحريم هذا القياس ايضا.
و امّا باقى علماء المذاهب على ما اطّلعنا عليه، ذهبوا الى الاحتجاج به على ما استدلّوا به.
فتحصّل: انّ القياس امّا منصوص العلّة و قد ثبت فى الشرع علّته، فهذا حجّة و لا يسمّى هذا فى اصطلاح الإمامية انّه قياس مصطلح لانّه ما ثبت حكمه بالسنّة.
و امّا ما هو مستنبط العلّة من نفسه، فهو غير حجّة عند اهل البيت و عند شيعتهم و عند بعض فرق اهل السنّة، لانّه ليس من الدّين، و ان كان قد عمل به اكثر اهل السنّة.
الاستحسان:
و امّا الاستحسان الّذى تمسّك القوم به، فهو على ما عرّفوه، انّه ينقدح فى عقل المجتهد ما يقتضى ترجيح قياس خفىّ على قياس جليّ، او استثناء جزئىّ من حكم كلّى.
فهو اذن قياس خفىّ، او استثناء فرد من حكم كلّى لمصلحة تقتضى للاستثناء.
و هذا المعنى راجع الى القياس و المصالح المرسلة فاذا لم تثبت حجيّتهما، فلم تثبت حجيّة هذا. فلا يلزم ان نطيل الكلام فيه بخصوصه.
و قد ردّه مذهب اهل البيت(عليهم السلام)و كثير من الصحابة، و علماء الشيعة قاطبة و كثير من علماء القوم. و لكن احتجّ به اكثر الحنيفية و الحنابلة.
المصالح المرسلة:
و امّا المصالح المرسلة، فهى المصالح الّتى لم يشرع الشارع حكمها لها، و لم يدلّ دليل شرعى على اعتبارها.
و سمّيت مرسلة لانّها مطلقة غير مقيّدة بدليل اعتبرها فلا دليل على حجيّتها.
و موردها، هو كلّ حكم يراه المجتهد فيه مصلحة عامّة لغالب النّاس، او فيه دفع مفسدة كذلك.
فيوجب فى الأوّل، و يحرم فى الثّانى، من غير ان يرد من الشارع الحكيم حكم للايجاب و التحريم فيهما.
و المقصود، ان يسند ذلك الحكم الى اللّه تعالى و يحكم بالوجوب الشرعى الإلهى.
و قد اختلف المسلمون فى ذلك.
فجملة من فقهاء المذاهب، استندوا اليها و جعلوها حجّة يشرع بها الحكم الشرعى الدّينى كالكتاب و السنّة. و ردّها الباقون و منعوا من الفتوى استنادا اليها من غير دليل من الشارع.
و من المانعين، اهل البيت(عليهم السلام)فإنّ مذهب اهل البيت(عليهم السلام)لا يجوّز ذلك.
و هكذا كانوا فقهاء الشيعة الإمامية كلّهم على خلافه، و كذا الإمام الشافعى.
حجّة المعتبرين فى المصالح المرسلة:
و لا بأس بذكر حجّة المعتبرين فى التمسّك بذلك. فنقول: جملة من فقهاء المذاهب، احتجّوا الى جوازه، بانّها مصالح للنّاس و دفع مفاسد لهم، و لم ينكر الشارع عنها، و هى مهمّة فى نظر المجتهد الفقيه لوجود المصالح الاجتماعيّة، فيلزم الفتوى على طبقها، و ان كان الشارع لم يأمر بها او لم يردع عنها.
و امّا الجواب: انّ نظر المجتهد لا يكفى لتشريع الأحكام الجديدة فى الشريعة ما لم يشرعها فى الدين. اذ ربّ حكم يرى المجتهد فيه مصلحة عامّة، و ليس فى الواقع كذلك، بل ربّما يكون فيه فساد مخفى فى بطنه، لأنّ عقول البشريّة قاصرة عن درك المصالح الواقعيّة و المفاسد الحقيقيّة، و لذلك قد يختلف المجتهدون فى وجود مصلحة لواقعة، فكيف تنضبط المصلحة للنّاس حتّى يشرع المجتهدون لهم عند انفسهم احكاما الهيّا كافلة لهم، اذا لم يكن عليها نصّ من الكتاب السنّة. و لا اجماع من فقهاء الدّين عليه.
فلا بدّ ان يكون له الحكم العقلى الثابت عند جميع العقلاء من فقهاء الدين من البراءة او الاباحة الحليّة، فلا تصل النّوبة الى تشريع حكم الهىّ فى الشريعة من جانب المجتهد المفتى للنّاس. هذا كلّه بالنّسبة الى فتاوى المجتهد فى ذلك تفرض على سائر المكلّفين من حيث حكم اللّه فى الشرع على أنفسهم.
المصالح العامّة الحكومية:
و امّا المصالح المرسلة للحكومة من الأعمال الإدارية الاجتماعية و التنظيمات الحكوميّة من البعض كتدوين الدواوين و وضع اصول البريد و تعيين المفتشين المراقبين و ساير الأمور اللازمة الاجتماعيّة العامّة فى الممالك الإسلاميّة فى شئون