و لا بأس به، فانّه قد صدق عليه انّه عالم بالوظيفة و اجتهد و سعى الى تحصيل الحكم الشرعى و عامل به فى هذه الصورة.
التّحقيق عندنا امكانه:
فالتّحقيق فى المسألة انّ المراد بالمجتهد المطلق، ليس من هو استنبط جميع الأحكام بالفعل، حتّى يقال بانّه لا يتّفق ذلك لأحد من المجتهدين، لكثرة الأحكام الفقهيّة و الفروع المرتبطة بها، بحيث لا تحصى. بل المراد به، من استنبط مقدارا معتدّا به فعلا، مع وجود القوّة و قدرة الاستنباط على حكم كلّ مسئلة حدثت و احتاج الى استنباط حكمها الشرعى.
و امّا عدم علم المجتهد ببعض المسائل فعلا، فلا يضرّه باطلاق اجتهاده و تحقّقه، مثل ما اذا لم يعلم بعض مسائل الهيئة و النّجوم فهذا لا يضرّ بصدق العنوان المجتهد المطلق عليه، ضرورة انّه اذا احتاج اليه فى زمانه يرجع الى المنابع الخبرة و يطّلع ما يلزم عليه و بعد التّعيين و تحصيل العلم، يحكم بالوظيفة الشرعيّة. كما فى مسئلة تعيين القبلة و الوقت و غير ذلك ممّا له دخل فى الفقه. مثل تعيين الجدى خلف المنكب الايمن فى مكان كذا لتعيين القبلة لذلك المنطقة او الحكم بوجوب الصّلاة بعد تعيين الزوال او وجوب الصوم بعد تعيين اوّل الشهر فى رمضان و غير ذلك من الموضوعات المرتبطة فى الحكم الفقهى.
ففى تعيين الموضوع فى هذه الموارد يرجع الى الخبرة، و امّا الحكم، فهو عنده واضح، فيحكم فى المقام بعد تعيين الموضوع، و التطبيق عليه، و ليس شىء.
شأن الفقيه بيان الحكم الكلى:
و الحاصل: انّ الفقيه المجتهد المطلق يكون شأنه بيان الأحكام و الاطّلاع عليها مستندا بالدّليل، و كلّ علم يكون له دخل فى فهم الحكم مثل علم الأصول و غيره، ممّا لا بدّ من الاجتهاد فيه.
و امّا ما لا دخل له فى فهم الحكم من الموضوعات المرتبطة و غيرها، فيرجع الى منابعه فى التطبيق ثمّ يحكم بالوظيفة. مثل الفهم فى تثليث العصير العنبى فيرجع الى اهل النظر الى تحقّقه، و امّا الحكم فهو عنده معلوم.
و هكذا فى كلّ مسئلة يحتاج فى تعيين موضوعه الى الخبرة، فلا يقدح هذا، فى اجتهاده فى الحكم. و مضافا بانّ اكثر الفقهاء العظام مثل العلّامة و الشهيدين و المحقّق و شيخنا البهائى و غيرهم كانوا يطّلعون من العلوم و الموضوعات الدخيلة فى الأحكام، بمقدار واسع، فكانوا هم العارفون بمواضع الأحكام و الموضوعات المرتبطة، فيصدق تحقّق المجتهد المطلق الّذى نحن بصدده بعد الاعتراف بامكان تحقّقه.
نعم، من كان قاصرا فى مقدّمات الاستنباط مثل عدم كونه خبرة فى المسائل الاصوليّة الدقيقة فهو امر آخر خارج عن البحث.
فتحصّل من جميع ما تقدّم انّ المجتهد المطلق ممكن التحقّق و لا اشكال فيه، فما يرجع الى التطبيقات، يرجع الى الخبراء كما فى ساير الموارد.
المجتهد المطلق عند علماء اهل السنّة:
مع انّ علماء اهل السنّة ايضا قائلون بامكان تحقّق المجتهد المطلق. فقد قالوا فى كلماتهم حديثا و قديما: أنّ المجتهد، قد يكون اهلا لاستنباط الأحكام الشرعيّة جميعها، لتوافر الشروط فيه، و يسمّى ذلك المجتهد المطلق، و قد يكون اهلا لاستنباط احكام خاصّه، لإحاطته بما يلزم تلك الأحكام، و يسمّى ذلك المجتهد الخاصّ او المجتهد الجزئى.
و قالوا المجتهد، و المفتى، و الفقيه، الفاظ مترادفة فى اصطلاح علماء الأصول[1].
[1]- رسالة الإسلام للشيخ الاكبر مصطفى المراغى، التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة، ج 4/ 347.
المجتهد و عدم جواز تقليده عن غيره
هل يجوز للمجتهد التّقليد عن غيره:
إنّ المجتهد المطلق مع قدرته على الاستنباط، هل يجوز له التّقليد عن غيره، ام لا يجوز؟
بان كان مع قدرته على الاستنباط و التّحقيق الى مصادر الأحكام، و لكن لا يستنبط و لا يراجع بمصادر الأحكام، فيقلّد غيره من المجتهدين. او كان يجب عليه ان يستنبط و يراجع الى الأدلّة، لقدرته على الاطّلاع، فيعمل على رأيه و اجتهاده.
ففيه خلاف:
اقول: انّه لا ريب فى جواز عمل المجتهد برأيه من دون اشتراط الى وصف آخر فيه، كالعدالة و غيرها، و عليه بناء العقلاء و سيرة المتشرّعة، لأنّ عمل العالم بعلمه فى الجملة من الفطريات البشريّة، و علمه حجّة عليه.
نظر المشهور عند الأصحاب:
و امّا تقليد العالم المجتهد عن غيره، فالمعروف عند علمائنا، انّه حرام.
و استدلّوا لذلك بانّ الّذى يرجع اليه، امّا ان يكون مطابقا له فى الفتوى او مخالفا له.
فعلى الاوّل لم يتحقّق الرجوع الى الغير لانّه عمل بمقتضى علمه، و على الثّانى، فهو
يكون من قبيل رجوع العالم الى الجاهل، لانّ نظر الغير يخالف نظره و باطن علمه و ما هو حجّة عليه هو نظره الّذى كان عنده و عالم به فرجوعه الى الغير و الحال هذه، رجوع العالم الى الجاهل. و هذا باطل و من المعلوم انّ دليلهم هذا أخصّ من مدّعاهم لاختصاص الدليل بما اذا كان المجتهد مستنبطا لحكم المسألة، فلا يدلّ على عدم الجواز فى صورة عدم الاستنباط.
و كيف كان فالحرمة الّتى يفيدها الدليل، عقلية، و ليست بشرعيّة.
نعم، هو مؤاخذ شرعا، ان كانت فتوى من رجع اليه مخالفا للواقع اذا لا حجّة له على الرجوع و الوصول الى الواقع، فالشكّ فى مطابقة قوله للواقع، يوجب الشكّ فى حجيّة قوله، و الشكّ فى الحجيّة مستلزم لعدم الحجية.
وجوب الاستنباط على من له الملكة:
و الحقّ عندنا هو انّه اذا كان مقدّمات الاجتهاد من الكتب الموضوعة لهذا الفنّ فى يده، و موجودا عنده، و لا يكون له اشتغال بما هو اهمّ شرعا او عقلا، وجب عليه الاستنباط. لانّ دليل جواز التّقليد، سواء كان الفطرة العقلائيّة او العقل، او الروايات، يكون موضوعه الى الجاهل بالحكم، و من لا يكون جاهلا و له طريق الى العلم، فلا يكون موضوعا لهذا الدليل. و الأصل يقتضى عدم حجّة رأى احد على احد.
فتحصّل ممّا ذكرنا: إنّ المجتهد إن استنبط الحكم بالفعل و جزم فى المسألة بأحد الطرفين، فلا يجوز له التّقليد عن غيره. لأنّ سيرة العقلاء على عدم جواز التّقليد لمن كان عالما بالمسألة. و ادلّة جواز التّقليد اللّفظية ايضا غير شاملة له، فهو ليس ممّن لا يعلم، حتّى يجوز له ان يرجع الى اهل الذكر، اطاعة لامر اللّه تعالى فى قوله:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.*
و مضافا: انّ رجوع العالم بالحكم الى غيره خلاف الفطرة البشريّة، فإنّ من يعرف الطريق لا يسأل عن غيره. فتقليده عن غيره، عدول عن الطريقة الفطرية و هو باطل عقلا.
نعم اذا علم بانّ ذلك المجتهد قد اطّلع على مستند لم يطّلع هو عليه، فلا يبعد القول بالجواز، لدخوله حينئذ فى من لا يعلم تلك المسألة، فيصدق عليه رجوعه الى اهل الذّكر.
اذا لم يكن جازما فى المسألة:
و امّا اذا لم يكن جازما فى حكم المسألة: فهل يجوز له الرجوع الى الغير ام لا؟ فهناك وجهان، الجواز و عدمه.
لا للاصل الأوّلى الحاكم بعدم حجيّته قول احد على احد، لانّه مخصّص بحجية قول العالم للجاهل، لانّ الشبهة فى مصداق المخصّص و هو كون ذلك المجتهد عالما ام لا؟
بل للشكّ فى حجيّة قوله حينئذ مضافا الى استصحاب عدم جواز تقليده عنه فى هذه المسأله، فيجب عليه الفحص و الاجتهاد فى تحصيل الحجّة، او العمل بالاحتياط نعم يمكن ان يقال انّه لو كان هو قبل الاجتهاد مقلّدا للغير، لجرى استصحاب جواز التّقليد عنه، فتامّل.
فالحاصل، انّ المجتهد المطلق العالم الجازم بحكم المسألة لا يجوز تقليده عن غيره.
صورة الحكم فى الانسدادي:
لا يقال انّ هذا فى المجتهد الّذى يكون رأيه، انفتاح باب العلم او العلمى، يصحّ، و امّا المجتهد الانسدادي فهو مثل الجاهل لانّ عقيدته، عدم طريق له الى العلم بالأحكام، فلا اشكال فى رجوعه الى من يكون عالما انفتاحيّا بالحكم، فيجوز تقليده منه.
لانّا نقول، ان المجتهد اذا كان انسداديّا، ايضا يكون عالما بالوظيفة بحسبه، مثل الانفتاحى الّذى لا سند له. الّا اصالة البراءة من الاصول الغير المحرزة، فكما انّه عالم بالوظيفة و ان كان جاهلا بالحكم، فكذلك الانسدادي فى المقام.
مضافا بانّ الانسدادي، يرى الانفتاحى، جاهلا بالحكم، فكيف يجوز ان يرجع اليه، و العلم بالواقع ربّما لا يحصل لمن قامت عنده الامارة لخطاء الراوى فى الواقع فى روايته.
المجتهد و الفتوى بالاحتياط:
و لذلك نقول انّه لا يكون للمجتهد الّذى أفتى بالاحتياط، ان يرجع مقلّديه الى غيره.
لانّه بعقيدته انّه رأى وجوب الاحتياط من باب العلم الاجمالى، و يرى رأى غيره و فتواه فى ذلك المسألة مخدوشا، و ان أفتى هو جازما فى الحكم. فكيف يمكن ان يرجع المجتهد فى حكمه بالاحتياط الى غيره، و ان كان مشهورا عند الفقهاء ذلك، لكن لا اصل له عندنا، بهذا الدليل الذى ذكرناه.
نعم اذا كان احتياط المجتهد الأعلم من باب عدم استنباطه للحكم لكثرة شغله، او لوجه آخر، فله ان يرجع مقلّديه الى من حصّل العلم و استنبط فى ذلك الحكم.
التّقليد لمن له ملكة الاجتهاد
حكم التّقليد لمن كان له ملكة:
و هل يجوز التّقليد لمن كان له ملكة الاجتهاد و القدرة على الاستنباط، و لكن لم يجتهد فعلا، ام لا يجوز له ذلك بل وجب عليه الاستنباط لوجود الملكة و القدرة؟ و اختلف الكلام هنا بالجواز و عدمه.
القائلون بالجواز:
امّا القائلون بالجواز فقد استدلّوا بالسّيرة العقلائية و كذا اطلاق الأدلّة.
امّا السّيرة العقلائيّة، فان العقلاء عاملون فى مثل ذلك الى الرجوع الى من هو عالم بالمسألة و صاحب رأى.
فانّ السّيرة قائمة على رجوع الاخصّائيين الى امثالهم اذا لم يكن لهم رأى فى مورد، بل و كثيرا ما يرجع الاطبّاء فى علاج امراض انفسهم الى مثلهم.
و امّا اطلاق الأدلّة: فقد ورد فى النصوص لبيان الإرجاع الى فقهاء الصحابة. بالرجوع الى فقيه من فقهاء صحابتهم(عليهم السلام)، ممّن لم يعرف حكم مسألة و ان كان مجتهدا بالفعل فى بعض المسائل، او كان مقتدرا على ذلك و لكن لم يجتهد، و على كلا التقديرين، كانت له ملكة الاستنباط و لم يستنبط.
بيان الإمام الهادى(ع):
فقد ورد عن الإمام الهادى(ع): انّه قد سئل عنه حمّاد الرازى فى سرّ من رأى، عن اشياء عن الحلال و الحرام. و اجابه(ع)بما سئل. ثمّ قال(ع): اذا اشكل عليك شىء من امر دينك بناحيتك فاسئل عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنى و اقرأه منّى السّلام[1].
بيان امام الرضا(ع):
و مثل ارجاع الرضا(ع)ابن المسيّب الى زكريّا بن آدم و فى سؤال احمد بن اسحاق عن الإمام الهادى(ع): عمّن آخذ و قول من أقبل؟
فاجاب(ع): العمرى ثقتى فما ادّى اليك عنّى، فعنّى يؤدّى، و ما قال لك عنّى فعنّى يقول، فاسمع له و أطع، فانّه الثقة المأمون.
فاطلاق الكلام فى هذه الأدلّة الواردة يشمل صورة وجود الملكة قطعا و ترك الاستفصال فى هذه الروايات دليل على ذلك.
اطلاقات الأدلّة:
و ممّا يدلّ على ذلك ايضا، اطلاقات ادلّة التّقليد اللفظيّة، من حيث انّه لا يصدق على الواجد للملكة و لكن غير مستنبط بالفعل للحكم، انّه اهل الذّكر او العارف بالأحكام او نحوهما من العناوين.
فاذا لم يصدق عليه احد هذه العناوين فلا محالة يكون هو مصداقا لسلبها فيكون ممّن لا يعلم الحكم فى المسألة. فيلزم له طريقان لمعرفة الحكم، إمّا الاستنباط، او السؤال عن اهل الذكر، فاذا لم يكن الأوّل وجب الثانى. هذا تمام الكلام بالنسبة الى
[1]- جامع احاديث الشيعة ج 1/ 51.