بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 85

مضافا بانّ الانسدادي، يرى الانفتاحى، جاهلا بالحكم، فكيف يجوز ان يرجع اليه، و العلم بالواقع ربّما لا يحصل لمن قامت عنده الامارة لخطاء الراوى فى الواقع فى روايته.

المجتهد و الفتوى بالاحتياط:

و لذلك نقول انّه لا يكون للمجتهد الّذى أفتى بالاحتياط، ان يرجع مقلّديه الى غيره.

لانّه بعقيدته انّه رأى وجوب الاحتياط من باب العلم الاجمالى، و يرى رأى غيره و فتواه فى ذلك المسألة مخدوشا، و ان أفتى هو جازما فى الحكم. فكيف يمكن ان يرجع المجتهد فى حكمه بالاحتياط الى غيره، و ان كان مشهورا عند الفقهاء ذلك، لكن لا اصل له عندنا، بهذا الدليل الذى ذكرناه.

نعم اذا كان احتياط المجتهد الأعلم من باب عدم استنباطه للحكم لكثرة شغله، او لوجه آخر، فله ان يرجع مقلّديه الى من حصّل العلم و استنبط فى ذلك الحكم.


صفحه 86

التّقليد لمن له ملكة الاجتهاد

حكم التّقليد لمن كان له ملكة:

و هل يجوز التّقليد لمن كان له ملكة الاجتهاد و القدرة على الاستنباط، و لكن لم يجتهد فعلا، ام لا يجوز له ذلك بل وجب عليه الاستنباط لوجود الملكة و القدرة؟ و اختلف الكلام هنا بالجواز و عدمه.

القائلون بالجواز:

امّا القائلون بالجواز فقد استدلّوا بالسّيرة العقلائية و كذا اطلاق الأدلّة.

امّا السّيرة العقلائيّة، فان العقلاء عاملون فى مثل ذلك الى الرجوع الى من هو عالم بالمسألة و صاحب رأى.

فانّ السّيرة قائمة على رجوع الاخصّائيين الى امثالهم اذا لم يكن لهم رأى فى مورد، بل و كثيرا ما يرجع الاطبّاء فى علاج امراض انفسهم الى مثلهم.

و امّا اطلاق الأدلّة: فقد ورد فى النصوص لبيان الإرجاع الى فقهاء الصحابة. بالرجوع الى فقيه من فقهاء صحابتهم(عليهم السلام)، ممّن لم يعرف حكم مسألة و ان كان مجتهدا بالفعل فى بعض المسائل، او كان مقتدرا على ذلك و لكن لم يجتهد، و على كلا التقديرين، كانت له ملكة الاستنباط و لم يستنبط.


صفحه 87

بيان الإمام الهادى(ع):

فقد ورد عن الإمام الهادى(ع): انّه قد سئل عنه حمّاد الرازى فى سرّ من رأى، عن اشياء عن الحلال و الحرام. و اجابه(ع)بما سئل. ثمّ قال(ع): اذا اشكل عليك شى‌ء من امر دينك بناحيتك فاسئل عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنى و اقرأه منّى السّلام‌[1].

بيان امام الرضا(ع):

و مثل ارجاع الرضا(ع)ابن المسيّب الى زكريّا بن آدم و فى سؤال احمد بن اسحاق عن الإمام الهادى(ع): عمّن آخذ و قول من أقبل؟

فاجاب(ع): العمرى ثقتى فما ادّى اليك عنّى، فعنّى يؤدّى، و ما قال لك عنّى فعنّى يقول، فاسمع له و أطع، فانّه الثقة المأمون.

فاطلاق الكلام فى هذه الأدلّة الواردة يشمل صورة وجود الملكة قطعا و ترك الاستفصال فى هذه الروايات دليل على ذلك.

اطلاقات الأدلّة:

و ممّا يدلّ على ذلك ايضا، اطلاقات ادلّة التّقليد اللفظيّة، من حيث انّه لا يصدق على الواجد للملكة و لكن غير مستنبط بالفعل للحكم، انّه اهل الذّكر او العارف بالأحكام او نحوهما من العناوين.

فاذا لم يصدق عليه احد هذه العناوين فلا محالة يكون هو مصداقا لسلبها فيكون ممّن لا يعلم الحكم فى المسألة. فيلزم له طريقان لمعرفة الحكم، إمّا الاستنباط، او السؤال عن اهل الذكر، فاذا لم يكن الأوّل وجب الثانى. هذا تمام الكلام بالنسبة الى‌

[1]- جامع احاديث الشيعة ج 1/ 51.


صفحه 88

القول بالجواز لمن له ملكة الاستنباط و لم يستنبط فى الحكم.

دليل القول على عدم الجواز:

و امّا القائلون بعدم الجواز التّقليد لمن يكون له ملكة الاستنباط. فقد قال الشيخ الأعظم الأنصارى فى رسالته فى الاجتهاد و التّقليد: المعروف عندنا العدم. بل لم ينقل الجواز عن احد منّا الّا السيّد فى المناهل، و انّما حكى عن مخالفينا، على اختلاف منهم فى الإطلاق و التّفصيل.

اقول:

انّ السّيرة لم تثبت عندنا، فانّها ان كان المراد منها السّيرة المتشرّعة فلا دليل عليه، و ان كان المراد منها السّيرة العقلائية فلا يصحّ فان من تمكّن بالعلم و الاطّلاع على الحال فلا يقلّد غيره عقلا و لا يصحّ منه ذلك الّا للضّرورة.

و امّا الأدلّة و شمولها لمثل هذا الشخص، فغير ثابت، فإنّ الأدلّة للاطّلاع الى نفس الدليل فليراجع الى من بيده دليل، و امّا من كان عنده دليل، و ادلّة الأحكام بيده و له الملكة الواسعة فى الوصول الى الوظيفة، فلا معنى له ان يقلّد غيره.

بل و ان الأدلّة منصرفة عن التّقليد الّا لمن له فى هذا الشأن. او لمزيد اطّلاع للوظيفة.

فالأدلّة للجواز فى التّقليد فيمن له القدرة و الملكة على الاستنباط ضعيفة لا يمكن ان يعتمد عليها.

التّحقيق عدم الجواز:

و التّحقيق عندنا عدم الجواز بل يحلّ على من له ملكة الاستنباط و القدرة على الاشراف بالأدلّة، ان يجتهد فى الوصول الى الحكم الشرعى و يستنبط.

و الدليل على ذلك هو وجود الملكة و القدرة على الاطّلاع بالنسبة الى الوظيفة فيجب عليه عقلا.

و الأدلّة اللفظيّة للتقليد لا تشمله ايضا لانّ رجوع الجاهل الى العالم و اهل الذكر مبنى‌


صفحه 89

ذلك الأدلّة، و هذا ليس بجاهل بالحكم، لقدرته على الاطّلاع فلا يشمل عنوان الجاهل عليه.

بل و ان ادلّة الأحكام الشرعيّة شاملة لمثل هذا الشخص، فالأحكام الواقعيّة منجّزة فى حقّه من طريق الإمارات المعتبرة، لتمكّنه من الاستفادة منها، و معه كيف يسعه الرجوع الى غيره شرعا، و العمل بفتواه. و هذا بخلاف العامىّ العاجز من طريق الاستنباط فانّ تلك الأدلّة لا تشمله، لفرض عجزه من فهم مداليلها.

و بعبارة أخرى، إنّ أدلّة التّقليد خاصّة بمن لا حجّة عنده. فلا تعمّ من تمّت عليه الحجّة.

فحينئذ يجب على من له ملكة الاستنباط لتحصل الحكم، ان يجتهد فى الأدلّة و الوصول الى الوظيفة، فلا يجوز له التّقليد عن غيره، الّا القليل ممّن لا يمكن له هذا التمكّن، لاشتغالات كثيرة لازمة ضروريّة بحيث له حجة شرعيّة فى عدم تمكّنه ذلك، فهو فى سعة التّقليد ما دام كذلك، و الضرورة تقدّر بقدرها.


صفحه 90

المجتهد و جواز التّقليد منه‌

جواز التّقليد عن المجتهد:

المقصود من المجتهد هنا، هو من كان له قدرة الاستنباط و قد استنبط الأحكام بالفعل، فيجوز تقليد غيره عنه بمعنى رجوع العامى اليه.

و هذا بديهىّ فطرىّ، اذ من الواضح ان من لا يعرف الطّريق، يسأل بحسب طبعه عن العارف بالطريق. و المجتهد بالنسبة الى أحكام الشريعة، هو العارف الخبير الواجد مواضع الأحكام و مداليلها، فيكون قوله حجّة على من ليس كذلك، عند العقل و العقلاء.

فاذا كان هو موصوفا بصفات معتبرة لازمة فى المفتى الدينى، فقوله حجّة لغيره شرعا ايضا و يصدق عليه العناوين الواردة فى الكتاب و السنة من لزوم رجوع الجاهل الى العالم على التفصيل الآتى.

و لا يخفى انّه لا يعتبر فى مرجعيّة المجتهد للتقليد عنه و الرجوع اليه، ان يكون قائلا بانفتاح باب العلم و العلمى فقط، بل يصدق هذه العناوين على من هو قائل بالانسداد ايضا. فهو ايضا مجتهد و يصدق عليه انّه عالم.

فكما انّه لا يصحّ سلب الراوى للاحاديث عنه، كذلك لا يصحّ ان يسلب عنه وصف العارف بالأحكام و الناظر بالحلال و الحرام عنه.


صفحه 91

المجتهد الانفتاحى و الانسدادي:

و من البديهىّ انّه لا فرق فى مدارك الأحكام بين القائل بالانفتاح و بين القائل بالانسداد، و ان كانا مختلفين فى وجه حجيّة المدارك. فانّ هذا الاختلاف لا يوجب صحّة سلب العالم عن القائل بالانسداد عرفا.

فمقوّم صدق هذه العناوين، هو حصول العلم بالمدارك فى أحكام الشريعة. و هو حاصل لهما سواء كان انفتاحيّا او انسداديّا.

فانّ المدارك الّتى يستخرج منها الحكم الشرعى لدى الانفتاحي فهى بعينها هى الّتى يستخرج منها الحكم لدى الانسدادي مع التفاوت فى النظر العلمى بينهما.

كلام المحقّق الخراسانى هنا:

قال المحقّق الخراسانى فى الكفاية: بما حاصله، هو عدم جواز التّقليد من المجتهد الانسدادي.

اذ دليل جواز التّقليد هو انّ الجاهل يلزم عليه ان يرجع الى العالم، بحكم العقل و العقلاء و الشريعة من الكتاب و السنة.

و حيث انّ المجتهد الانسدادي يكون جاهلا بالحكم، يكون رجوع الغير اليه، رجوع من الجاهل الى الجاهل، و هذا خلف.

و بعبارة أخرى انّ رجوع المقلّد الى المجتهد القائل بانسداد باب العلم. ليس من جنس رجوع الجاهل الى العالم، بل هو من جنس رجوع الجاهل الى مثله فى عدم الوصول الى احكام الشريعة. و ادلّة جواز التّقليد، قد دلت على جواز رجوع الجاهل الى العالم بالحكم الشرعى، و قضيّة مقدّمات الانسداد ايضا ليست الّا حجيّة الظنّ على المجتهد الانسدادي فقط، لا على غيره ممّن يرجع اليه و يتّبع الى ظنّه.

و مضافا بانّ الانسدادي هو من يكون قائلا بانسداد باب العلم عنده، و امّا المقلّد لا يكون كذلك. بل يمكن له ان يرجع الى غيره من المجتهد الانفتاحي القائل بانفتاح باب العلم بالأحكام.


صفحه 92

اذ ربّما لا يحصل للمجتهد الانسدادي العلم الاجمالى بالأحكام و التحيّر الّذى يكون من المقدّمات للانسداد. بل ينحل عنده العلم الاجمالى الى العلم التفصيلى و الشكّ البدوى الّذى مقتضاه هو الحكم بالبراعة.

و قال سيّدنا الاستاد[1]موافقا لاستاذه: بانّه لا يجوز الرجوع الى المجتهد الّذى كان سنده البراءة، لانّه جاهل ايضا، و مقدّمات الانسداد توجب حجيّة الظنّ لنفس المجتهد الانسدادي فقط، و لا توجب تعيين وظائف غيره من المقلّدين. هذا كلامه رفع مقامه.

التّحقيق عندنا جواز التّقليد عن الانسدادي:

و لكن التّحقيق عندنا جواز التّقليد عن المجتهد الانسدادي كما يجوز التّقليد عن المجتهد الانفتاحي فانّهما سيّان فى هذا الباب.

و بيانه انّ الموضوع لجواز التّقليد عن المجتهد هو ان يكون المجتهد الفقيه عارفا بالأحكام حسب ما هو عنده من الأدلّة الواردة فى الشريعة.

و العارف يصدق على الفقيه الّذى قد استنبط الحكم من الأدلّة، لقوله(ع): «انتم افقه النّاس اذا عرفتم معانى كلامنا»[2].

و قوله(ع): فى رواية عبد الأعلى مولى آل سام: «امسح على المرارة، يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه»[3].

و عرفان معانى كلماتهم(عليهم السلام)يوجب الأفقهيّة، و العلم بذلك يحصل بملاحظة كتاب اللّه تعالى و الاخبار الواردة عنهم(عليهم السلام)، و الكتاب قطعى السّند و ظنّى الدلالة، كما انّ الاخبار تكون ظنّى السند و الدلالة الّا ما شذّ بانّه قطعى الدّلالة، كالمتواتر و غيره.

[1]- سيّدنا الاستاد، هو السيّد ابو الحسن الاصفهانى‌

[2]- وسائل الشيعة ج 18 باب 9 صفات القاضى.

[3]- وسائل الشيعة ج 1 باب 39 ابواب الوضوء.