التمسّك بالاستصحاب على الجواز
فنقول:قد قرّر الأصل بوجوه:
منها:أنّ المجتهد الفلانيّ، كان جائز التقليد لكلّ مكلّف عامّي في زمان حياته، فيستصحب إلى ما بعد موته.
ومنها:أنّ الأخذ بفتوى المجتهد الفلانيّ، كان جائزاً في زمان حياته فيستصحب.
ومنها:أنّ لكلّ مقلِّد جواز الرجوع إليه في زمان حياته، وبعدها كما كان.
إلى غير ذلك من الوجوه المتقاربة[1].
وقد يستشكل:بأنّ جواز التقليد لكلّ بالغ عاقل، إن كان بنحو القضيّة الخارجيّة؛ بمعنى أنّ كلّ مكلّف كان موجوداً في زمانه جاز له الرجوع إليه، فلا يفيد بالنسبة إلى الموجودين بعد حياته في الأعصار المتأخّرة، وبعبارة اخرى:
الدليل أخصّ من المدّعى.
وإن كان بنحو القضيّة الحقيقيّة؛ أي «كلّ من وجد في الخارج، وكان مكلّفاً في كلّ زمان، كان له تقليد المجتهد الفلاني» فإن اريد إجراء الاستصحاب التنجيزيّ فلا يمكن؛ لعدم إدراك المتأخّرين زمان حياته، فلا يقين بالنسبة إليهم.
[1]راجع الفصول الغرويّة: 422 سطر 30، مفاتيح الاصول: 624 سطر 15، مطارح الأنظار: 259 سطر 15، درر الفوائد: 704، مقالات الاصول 2: 208 سطر 12، رسالة الاجتهاد والتقليد، المحقّق الأصفهاني، ضمن بحوث في الاصول: 21، مستمسك العروة الوثقى 1: 15.
وإن كان بنحو التعليق، فإجراء الاستصحاب التعليقيّ بهذا النحو محلّ منع.
وفيه:أنّ جعل الأحكام للعناوين على نحو القضيّة الحقيقيّة، ليس معناه أنّ لكلّ فرد من مصاديق العنوان، حكماً مجعولًا برأسه، ومعنى الانحلال إلى الأحكام ليس ذلك، بل لايكون في القضايا الحقيقيّة إلّاجعل واحد لعنوان واحد، لا جعلات كثيرة بعدد أنفاس المكلّفين، لكن ذاك الجعل الواحد يكون حجّة- بحكم العقل والعقلاء- على كلّ من كان مصداقاً للعنوان.
مثلًا قوله تعالى:«وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»[1]، ليس إلّاجعلًا واحداً لعنوان واحد هو«مَنِ اسْتَطاعَ»ولكنّه حجّة على كلّ مكلّف مستطيع، فحينئذٍ لو علمنا بأنّ الحجّ كان واجباً علىمَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وشككنا في بقائه؛ من أجل طروّ النسخ مثلًا، فلا إشكال في جريان استصحاب الحكم المتعلّق بالعنوان لنفس ذلك العنوان، فيصير- بحكم الاستصحاب- حجّةً على كلّ من كان مصداقه.
ولهذا لايستشكل أحد في استصحاب عدم النسخ، مع ورود هذا الإشكال بعينه عليه، بل على جميع الاستصحابات الحكميّة.
والسّر فيه ما ذكرنا:من أنّ الحكم على العنوان، حجّة على المعنونات، فاستصحاب وجوب الحجّ على عنوان «المستطيع» جارٍ بلا إشكال، كاستصحاب جواز رجوع كلّ مقلِّد إلى المجتهد الفلانيّ، وسيأتي كلام في هذا الاستصحاب
[1]آل عمران (3): 97.
فانتظر[1].
إشكال عدم بقاء موضوع الاستصحاب والجواب عنه
فالعمدة في المقام هو الإشكال المعروف؛ أي عدم بقاء الموضوع.
وتقريره:أنّه لابدّ في الاستصحاب من وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوك فيها، و موضوع القضيّة هو «رأي المجتهد وفتواه» وهو أمر قائم بنفس الحيّ، وبعد موته لايتّصف- بحسب نظر العرف المعتبر في المقام- بعلم ولا ظنّ، ولا رأي له بحسبه ولا فتوى.
ولا أقلّ من الشكّ في ذلك، ومعه أيضاً لا مجال للاستصحاب؛ لأنّ إحراز الموضوع شرط في جريانه، ولا إشكال في أنّ مدار الفتوى هو الظنّ الاجتهاديّ، ولهذا يقع المظنون- بما هو كذلك- وسطاً في قياس الاستنباط، ولا إشكال في عدم إحراز الموضوع، بل في عدم بقائه[2].
وفيه:أنّ مناط عمل العقلاء على رأي كلّ ذي صنعة في صنعته، هو أماريّته وطريقيّته إلى الواقع، وهو المناط في فتوى الفقهاء، سواءً أكان دليل اعتباره بناء العقلاء الممضى، أو الأدلّة اللّفظية؛ فإنّ مفادها أيضاً كذلك، ففتوى الفقيه بأنّ صلاة الجمعة واجبة، طريق إلى الحكم الشرعيّ وحجّة عليه، وإنّما تتقوّم طريقيّتها وطريقيّة كلّ رأي خبير إلى الواقع، إذا أفتى وأخبر بنحو الجزم.
[1]يأتي في الصفحة 126- 130.
[2]مطارح الأنظار: 259- 260.
لكنّ الوجود الحدوثيّ للفتوى بنحو الجزم، يوجب كونها طريقاً إلى الواقع أبداً، ولاينسلخ عنها ذلك إلّابتجدّد رأيه، أو الترديد فيه، وإلّا فهي طريق إلى الواقع، كان صاحب الرأي حيّاً أو ميّتاً.
فإذا شككنا في جواز العمل به؛ من حيث احتمال دخالة الحياة شرعاً في جوازه، فلا إشكال في جريان الاستصحاب، ووحدةِ القضيّة المتيقّنة والمشكوك فيها، فرأي العلّامة وقوله وكتاب «قواعده» كلّ كاشف عن الأحكام الواقعيّة، ووجوده الحدوثيّ كافٍ في كونه طريقاً، وهو المناط في جواز العمل شرعاً ولدى العقلاء.
وإن شئت قلت:جزم العلّامة أو إظهار فتواه جزماً، جعل كتابه حجّة، وطريقاً إلى الواقع، وجائزَ العمل في زمان حياته، ويشكّ في جواز العمل على طبقه بعد موته، فيستصحب.
والعجب من الشيخ الأعظم[1]، حيث اعترف بأنَّ الفتوى إذا كانت عبارة
[1]الشيخ الأعظم: هو الاستاذ الإمام المؤسّس، والفقيه الاصوليّ المتبحّر، شيخ مشايخ الإماميّة؛ مرتضى ابن الشيخ محمّد أمين الأنصاريّ التستريّ الدزفوليّ النجفيّ. ولد سنة 1214 ه. ودرس عند السيّد المجاهد، وشريف العلماء، والشيخين موسى وعليّ كاشف الغطاء، والموسى النراقيّ وجمع بين الحفظ وسرعة الانتقال، واستقامة الذهن، وجودة الرأي، فلم يعيه حلّ مشكلة، ولا جواب مسألة، وكان يُضرب به المثل في زهده، وتقواه، وورعه، وعبادته، وقداسته، عالي الهمة أبيّاً. وقد انتهت إليه رئاسة الإماميّة على الإطلاق، وأطبقت الشيعة على تقليده في شرق الأرض وغربها، وكان له في التدريس والتأليف طريق خاصّ؛ لما تمتّع به من طلاقة في القول، وفصاحة في النطق، وحسن تقريب آراء المحقّقين، وهو واضع أساس علم الاصول الحديث عند الشيعة، وطريقته الشهيرة المعروفة. أبرز تلامذته السيّد المجدّد الشيرازي، والميرزا حبيب اللَّه الرشتي، والآخوند الخراساني. له مصنّفات مشهورة، صارت مدار حركة التدريس في حال حياته إلى يومنا هذا ألا وهي المكاسب والفرائد، بالإضافة إلى كتاب في الطهارة، وآخر في الصلاة ... توفّي رحمه الله سنة 1281 ه.
انظر معارف الرجال 2: 399- 404، وأعيان الشيعة 10: 117- 119.
عن نقل الأخبار بالمعنى، يتمّ القول: بأنّ القول موضوع للحكم، ويجري الاستصحاب معه[1].
مع أنّ حجّية الأخبار وطريقيّتها إلى الواقع، أيضاً متقوّمتان بجزم الراوي، فلو أخبر أحد الرواة بيننا وبين المعصوم بنحو الترديد، لا يصير خبره أمارة وحجّة على الواقع، ولاجائز العمل.
لكن مع إخباره جزماً، يصير كاشفاً عنه، وجائز العمل ما دام كونه كذلك، سواءً أكان مخبره حيّاً أو ميّتاً، مع عدم بقاء جزمه بعد الموت، لكنّ جزمه حين الإخبار كافٍ في جواز العمل وحجّية قوله دائماً، إلّاإذا رجع عن إخباره الجزميّ.
وهذا جارٍ في الفتوى طابق النعل بالنعل، فقول الفقيه حجة على الواقع وطريق إليه، كإخبار المخبر، وهو باقٍ على طريقيّته بعد الموت، ولو شكّ في جواز العمل به- لأجل احتمال اشتراط الحياة شرعاً- جاز استصحابه، وتمّت أركانه.
وإن شئت قلت:إنّ جزم الفقيه أو إظهاره الفتوى على سبيل الجزم، واسطة في حدوث جواز العمل بقوله وكتابه، وبعد موته نشكّ في بقاء الجواز؛ لأجل الشكّ
[1]مطارح الأنظار: 260 سطر 6.
في كونه واسطة في العروض أو الثبوت، فيستصحب.
وأمّا ما أفاد:من كون الوسط في قياس الاستنباط هو المظنون بما هو كذلك، وأنّ مظنون الحرمة حرام، أو مظنون الحكم واجب العمل[1].
ففيه:أنّ إطلاق «الحجّة» على الأمارات، ليس باعتبار وقوعها وسطاً في الإثبات كالحجّة المنطقيّة، بل المراد منها هو كونها منجّزة للواقع؛ بمعنى أنّه إذا قامت الأمارة المعتبرة على وجوب شيء، وكان واجباً بحسب الواقع فتركه المكلّف، تصحّ عقوبته، ولا عذر له في تركه، وبهذا المعنى تطلق «الحجّة» على القطع، كإطلاقها على الأمارات، بل تطلق على بعض الشكوك أيضاً.
وبالجملة:الحجّة في الفقه ليست هي القياس المنطقيّ، ولا يكون الحكم الشرعيّ مترتّباً على ما قام عليه الأمارة بما هو كذلك، ولا المظنون بما [هو] مظنون.
فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ استصحاب جواز العمل على طبق رأي المجتهد وفتواه- بمعنى حاصل المصدر- وعلى طبق كتابه، الكاشفين عن الحكم الواقعيّ أو الوظيفة الظاهريّة، ممّا لا مانع منه.
لايقال:بناءً على ما ذكرت، يصحّ استصحاب حجّية ظنّ المجتهد الموجود في زمان حياته، فلنا أن نقول: إنّ الحجّية والأماريّة ثابتتان له في موطنه، ويحتمل بقاؤهما إلى الأبد، ومع الشكّ تستصحبان.
[1]مطارح الأنظار: 260 سطر 3.
فإنّه يقال:هذا غير معقول؛ للزوم إثبات الحجّية وجواز العمل فعلًا لأمر معدوم، وكونُه في زمانه موجوداً لايكفي في إثبات الحجّية الفعليّة له مع معدوميّته فعلًا.
وإن شئت قلت:إنّ جواز العمل كان ثابتاً للظنّ الموجود، فموضوع القضيّة المتيقّنة هو الظنّ الموجود، وهو الآن مفقود.
اللّهم إلّاأن يقال:إنّ الظنّ في حال الوجود- بنحو القضيّة الحينيّة- موضوع للقضيّة، لابنحو القضيّة الوضعيّة والتقييديّة، وهو عين الموضوع في القضيّة المشكوك فيها، وقد ذكرنا في باب الاستصحاب: أنّ المعتبر فيه هو وحدة القضيّتين، لا إحراز وجود الموضوع، فراجع[1].
ولكن كون الموضوع كذلك في المقام محلّ إشكال ومنع، مع أنّه لايدفع الإشكال المتقدّم به.
تقرير إشكال آخر على الاستصحاب
ثمّ إنّ هاهنا إشكالًا قويّاً على هذا الاستصحاب[2]: وهو أنّه إمّا أن يراد به استصحاب الحجّية العقلائيّة، فهي أمر غير قابل للاستصحاب.
أو الحجّيةِ الشرعيّة، فهي غير قابلة للجعل.
[1]الاستصحاب، العلّامة الإمام الخميني قدس سره: 203- 207.
[2]انظر مستمسك العروة الوثقى 1: 15- 18، إلّاأنّه قدس سره أجاز إجراءه في الحكم الظاهريّ فراجع.
أو جوازِ العمل على طبق قوله، فلا دليل على جعل الجواز الشرعيّ، بل الظاهر من مجموع الأدلّة، هو تنفيذ الأمر الارتكازيّ العقلائيّ، فليس في الباب دليل جامع لشرائط الحجّية، يدلّ على تأسيس الشرع جواز العمل أو وجوبه على رأي المجتهد، فها هي الأدلّة المستدلّ بها للمقصود، فراجعها حتّى تعرف صدق ما ذكرناه[1].
أو استصحابُ الأحكام الواقعيّة، فلاشكّ في بقائها؛ لأنّها لو تحقّقت أوّلًا، فلاشكّ في أنّها متحقّقة في الحال أيضاً؛ لأنّ الشكّ في بقائها إمّا لأجل الشكّ في النسخ، أو الشكّ في فقدان شرط، كصلاة الجمعة في زمان الغيبة، أو حدوث مانع، والفرض أنّه لاشكّ من هذه الجهات.
أو الأحكام الظاهريّة؛ بدعوى كونها مجعولة عقيب رأي المجتهد، بل عقيب سائر الأمارات، فهو أيضاً ممنوع؛ لعدم الدليل على ذلك، بل ظاهر الأدلّة على خلافه؛ لأنّ الظاهر منها إمضاء ما هو المرتكز لدى العقلاء، والمرتكز لديهم هو أماريّة رأي المجتهد للواقع، كأماريّة رأي كلّ ذي صنعة إلى الواقع في صنعته.
وبالجملة:لابدّ في جريان الاستصحاب من حكم أو موضوع ذي حكم، وليس في المقام شيء قابل له:
أمّا الحكم الشرعيّ فمفقود؛ لعدم تطرّق جعل وتأسيس من الشارع.
وأمّا ما لدى العقلاء من حجّية قول أهل الخبرة، فلعدم كونه موضوعاً لحكم
[1]راجع ما تقدّم في الصفحة 78- 81.